عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 13-06-2021, 03:47 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,136
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الدكتور وائل (قصة)

توجه نحو الغرفة، وأخذ القلم، وبدأ يكتب على لسان زوجته: (ولدي العزيز، اشتقت إليك اشتياق الأرض الجدباء إلى مطر الصيف، اشتقت إلى رؤيتك، أحب عودتك، لكن بعد أن تكمل تعليمك، ولدي العزيز، إني أراك في المنام كثيرًا، أراك طبيبًا والناس حولك يطلبون إنقاذهم مما هم فيه، فلا تخيِّب رؤياي، أرجوك ولدي الغالي، يا شمسًا أشرقت على أرض مظلمة، لا تخيِّب أملي).

مرت الأيام تلو الأيام، وسنون تعقبها سنون، سبع سنوات مرت على وائل وهو لا يعلم عن أمه شيئًا.

وبعد أن أكمل الدكتوراه أرسل لوالده رسالة كان محتواها: (والدي العزيز، إني على وشك العودة إلى البلاد، فلا بد أن تنتظرني أنت ووالدتي في مطار العاصمة...).

قرأ والده الرسالة؛ فجدد له ولده الحزن في أحشائه، فلم ينم الليل، دعا الله كثيرًا أن يخرجه وولده مما هما فيه.

أخذ الحاج علي سيارة أحد أصدقائه من قرية مجاورة لقريته، توجه نحو العاصمة، انتظر والده، وبينما خرج وائل من الطائرة متوجهًا نحو سلمها، رأى والده ولم يجد بجواره والدته، فاضطرب قلبه خوفًا على والدته، نزل مسرعًا، عانق والده عناق المحبين الغائبين عن بعضهما البعض سنوات عدة.

بادر وائل والده بأسئلة متتالية، أبي، أين أمي؟ لِمَ لَمْ تحضرها معك؟ أوما زالت تعاني مرضها؟
انتهز والده الفرصة قائلًا: قليلًا يا ولدي.

سارع الوالد بكلامه ليلفت وائلًا عن أسئلته التي بادر بها.
الوالد: هيا يا ولدي، السائق ينتظرنا، هيا لأسقيك كأسًا من العصير، إني أراك متعبًا، وبينما هو يسير معه سأله: لكن قل لي كيف قضيت هذه السنوات؟!
قال وائل: حين نصل سأشرح لك كل شيء بالتفصيل.
توجها صوب السيارة للعودة إلى القرية، توجها وبينما هما يتحدثان كان والده يفكر، كيف يدخل لوائل بالحديث عن وفاة والدته.
ظل وائل يتحدث ووالده مطأطئ رأسه، نظر إليه وائل قائلًا: ما لحياتي أراه مهمومًا.

الحاج علي: لا شيء، إلا أن جارنا وضع عندي وديعة منذ زمن، والبارحة أتى ليأخذها.
وائل: وما في الأمر؟ وهل ما زالت معك؟

الوالد: نعم.
وائل: أعطِه ما ائتمنك، إنها أمانة.
وبينما هما يتحدثان.
تحدث سائق السيارة، كيف الحاج علي؟
الحاج: بخير.
السائق: هل تزوجت أم ما زلت أرمل؟
ألم تحصل إلى الآن على بنت الحلال.
التفت إليه وائل: ماذا يقول؟ ما الأمر والدي؟
منذ متى؟ أهذه هي الأمانة التي تريد أن تخبرني عنها؟
أمسك بثياب والده قائلًا: أجب أرجوك.
قال الحاج علي: هذه هي الحقيقة يا ولدي، وقد أخفيتها عنك أكثر من سبع سنوات.

لم تمكث أمك في المستشفى إلا بضعة أسابيع، ثم غادرت إلى الرفيق الأعلى.

فأنا من كنت أراسلك؛ حتى تطمئن وتجد وتجتهد في دروسك، فلا فائدة من الحزن والندم، فلك الكثير ممن ينتظرونك.

وائل: كل هذه المدة لم تخبرني، آه! ما أقسى قلبَك! إنك قاسي القلب.
الوالد: نعم يا ولدي، إني قاسي القلب؛ لأني أبعدتُ عنك الحزن والألم؛ من أجل أن تحصل على ما حصلتَ عليه.

قل لي إن أردت أن تتكلم: ماذا لو أرسلت إليك أن والدتك قد فارقت الحياة؟

هل ستجدُّ وتجتهد كما كنت؟ أم ماذا ستصنع؟
ستعود إلى أرض الوطن، وتترك تعليمك؛ لأن مَن كنت تتعلم من أجلها قد رحلت إلى باريها.

أليس كذلك؟ أخبرني، هيا يا بن أمك!
ذرفت دموع عينيه، طأطأ رأسه حتى وصل إلى القرية.

الوالد: بني، عُدْ إلى صوابك، كم من أمٍّ تموت وتفارق والدها؟ كم أخٍ يفارق أخاه؟ كم زوجٍ يفارق محبوبته؟ لأنه لا يجد مالًا حتى ينقذ من يحب، أنت يا ولدي تعلمت من أجل الناس، لا من أجل أمك فقط.

مهمتك أن تعالج الناس، أن ترد لهم الأمل، تعيد لهم البسمة والفرحة إلى قلوبهم، تذكر ولدي الغالي أن أمك كل أم باتت تئنُّ لِما بها من ألم، كل امرأةٍ وصلت إليك لتعيد لها الأمل!

وصل وائل إلى البيت حزينًا كئيبًا، أغلق على نفسه غرفته، ولم يستقبل أحدًا أتى إليه ليبارك له نجاحه وتفوُّقه.

ظل يبكي بكاءً مريرًا، نعم، حق له ذلك، لقد جلس يتذكر كل ما عانت أمه، تذكر كيف عامل الناس والده! كيف كان والده يذهب ليبحث عن مالٍ حتى يعيد لزوجته ولو بصيصًا من أمل.

جاء أصدقاؤه ليعزوه بعد أن عرَفوا أن والده أخفى عليه كل تلك المدة، كان مِن ضمن مَن حضروا لتعزيته زملاؤه الذين حضروا معه من ألمانيا.

قال له زملاؤه: لا يكفي الندم والحزن، لا تنظر إلا إلى من ينتظرك يطلب الشفاء على يدك بعد الله.
قال وائل: وما يريد الزملاء؟
قال أحدهم: ننظر إلى مستقبلنا، ننظر إلى الأمام!

قال وائل: لكن لدي شرط إن كنتم تطلبون أن أكون شريكًا فيما تطلبون.
قال أحدهم: اطلب؛ فكل شروطك مجابة.

وائل: أن يكون لي النصف ولكم النصف.
قال الجميع: وافقنا على ذلك.

وبعد شهر من الزيارة توجَّه الجميع صوب العاصمة؛ ليجدوا مكانًا يكون مستشفى، استأجروا مبنى يتكون من أربعة طوابق، كتبوا عليه: (مستشفى الرحمة)، جعلوا من هذا العنوان رحمة لكل مريض لا يجد حق الدواء.

كان وائل غير زملائه، إنه يعمل طول الأسبوع إلى نهايته، وفي يوم الخميس يذهب إلى مديريته ليبحث عن مريض لا يجد ما يعيد له الأمل، يذهب علَّه يجد مريضًا يحتاج إلى رقود، فيضعه في المستشفى ليتعالج على حسابه الخاص.

لم تظهر على وائل النعمة كما ظهرت على زملائه، إنه يأخذ من المستشفى ما يكفيه ويكفي والده، ويدَع بقية أرباحه للفقراء والمساكين.

كان من ضمن الشركاء الدكتورة ( أمل)، كانت أمل تلاحظ أثر كل نعمة تظهر عليها وعلى زملائها، إلا وائلًا.
وفي يوم من الأيام، تقدمت نحو الدكتور قائلة: السلام عليكم أيها الدكتور.

وائل: وعليك السلام يا دكتورة.
أمل: هل آخذ من وقتك نصف ساعة على الأقل؟

وائل: اليوم، لا أستطيع؛ فأنت تعرفين أن اليوم خميس، وأين أنا ذاهب!
الدكتورة: ومتى سيعطيني الدكتور وقتًا من أوقاته حتى نتبادل الكلمات والعبارات، وليطمئن أحدنا على الآخر؟!

الدكتور: في أي وقتٍ أكون فيه فارغًا.
الدكتورة: ومتى ونحن لا نرى لك فراغًا؛ حتى لنفسك ولوالدك؟ أرجوك اعتنِ به جيدًا.

الدكتور: هذه هي الحياة يا دكتورة، لا راحة فيها، الراحة عند رب العالَمين.
الدكتورة: أحرجتني عن الموضوع.

الدكتور: أي موضوعٍ؟
الدكتورة: وقتك.

الدكتور: غدًا الجمعة، فهل تأتين معي إلى القرية لزيارة والدي؟
الدكتورة: لمَ لا؟ على الأقل نغير هواء.

انطلقا يوم الجمعة صوب القرية، وبينما هما في طريقهما إلى القرية، التفت الدكتور قائلًا: ها قد فرغنا الآن لكلام الدكتورة، قولي ما تحبين قوله.

الدكتورة: تذكرت دكتور، ولو كان خاصًّا بحياتك.
الدكتور: ولو كان خاصًّا بحياتي.

الدكتورة: نحن شركاء في المستشفى، ولك النصيب الأكبر، أليس كذلك؟!
الدكتور: بلى.

الدكتورة: كل دكتور منا قد ظهرت عليه نعمة ربه، كلٌّ له سيارة فارهة، وبيت واسع، إلا الدكتور وائلًا؛ فسيارته متواضعة، وبيته استئجار، ولا زوجة لديه إلى الآن، هلا تجيبني بصراحة؟!

أطرق وائل رأسه قائلًا: إنها محاكمة أيها القاضي، ضحكت الدكتورة وقالت: المعذرة إن كنتُ قد تدخلت في خصوصياتك أيها الدكتور.

الدكتور: لا عليك يا أمل.
لكني أسألك: هل مررتِ بما مررتُ به؟

الدكتورة: لا، فإنها كانت تعرف حياة الدكتور بالتفصيل، قالت: لا، ومقلتاها تذرفان بالدمع.
الدكتورة: ها قد فتح الله عليك!

الدكتور: وها أنا أشكر نعمة الله عليَّ.
الدكتورة: على الأقل اصنع ما صنع أصحابك، وما تبقَّى أنفقه في سبيل الله.

الدكتور: أيتها الدكتورة، ماتت والدتي وهي تبحث عن يدٍ تكفكف دمعها، عن يدٍ تحنو عليها، عمَّن يمد لها يد العون حتى تعيد الأمل إلى حياتها.
الدكتورة: دكتور، سؤالي الآخر؟

الدكتور: تفضلي.
الدكتورة: ألم تفكر يومًا فيمن يشغل حياتك؟ بمن تكون أمًّا لأولادك؟ بمن ترعاك وتحن عليك؟

الدكتور: بلى، لكني أخاف أن أعود بخفَّيْ حُنَين!
الدكتورة: وهل قد حاولت ولو مرة؟

الدكتور: إني متردد.
الدكتورة: ولمَ، ومن يرد الدكتور وائلًا؟ ليس حبًّا في ماله؛ إنما في تواضُعه ودِينه وخُلقه.

الدكتور: إنها من أسرة راقية، وأنا من أسرة فقيرة، كنت.
الدكتورة: الفقر ليس عيبًا، تقدَّم أو تأخَّر، يا دكتور.

الدكتور: أتظنين أن أهلَها سيوافقون.
الدكتورة: عرفت أمل أنه يشير إليها، قالت: ولم لا؟ أنت عظيم أيها الدكتور.

التفت إليها وقال: أصارحك، أنتِ مَن وقع في قلبي! فهل توافقين أن أكون زوجًا لك؟!
الدكتورة: طأطأت رأسها قائلة: ولمَ لا؛ فأنت عظيم؟!
وصلا إلى القرية، سلم وائل على والده، كان والده كلما رآه يقول: ألم يحِنِ الأمر بعد يا ولدي؟
فيجيب وائل: لم يحِنْ بعدُ والدي العزيز.

فلما جاء مع الدكتورة، سأله والده: ألم يحِنِ الأمر بعد؟ فقال وائل: بلى، حان يا أبي.
قال الحاج على: ومن هي صاحبة الحظ يا ولدي؟
وائل: هي مَن بقربك إن وافقَتْ.

التفت الحاج إلى الدكتورة قائلًا: ما رأيك يا ابنتي؟
قالت الدكتورة: لا يا عم، حتى يقبل وائل كل شروطي.
وائل: أوافق قبل أن أسمع.
الدكتورة: لا، بل اسمع ثم أجب!
الأول: أن يكون نصيبك في المستشفى كما هو للفقراء والمساكين.
الثاني: أن يعيش الحاج علي معنا في المدينة مع زوجة يراها مناسبة.
الثالث: أن كلَّ ما أملِك يكون تحت تصرُّف الدكتور وائل.

قال وائل: إني موافق!
وقال الحاج علي: وأنا موافق، لكني لا أرغب في زوجة أخرى بعد موت من أحب.
اتفقوا جميعًا على موعد الزفاف، وعاش وائل حياة يملؤها الحب والحنان.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 26.27 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 25.64 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.39%)]