آثار تبني الباحثة للنظريات الغربية في دراستها لمشكلة الطلاق:
أ - أوقَع استِخدام الإطار النظريِّ الغربيِّ الباحِثةَ في تناولها لظاهِرة الطَّلاق في مُشكِلة كُبرى، وهي أنها عِندما حدَّدت المفهوم الإجرائيَّ الذي قرَّرت أن تُجريَ دراستها وفقًا له - تبنَّت المفهوم الغربيَّ للزَّواج دون المَفهوم الشَّرعيِّ، فقالتْ في (ص: 5): "الزَّواج عقْد مدنيٌّ بين رجل وامرأة، غايَته إنشاء أُسرة صَحيحة البِناء...."، في حين أنَّ الفُروق بين العقْد المدَنيِّ والعقْد الشَّرعيِّ فُروق جوهريَّة؛ وذلك على النحو التالي:
• يُطلَق "الزَّواج المدَني" على الزَّواج الذي يَخضَع في إنشائه، وانحِلاله، وآثاره، وشروطه إلى مفهوم القانون المدَني ومنَظومتِه؛ تمييزًا له عن الزَّواج الكنَسي (أو الدِّيني) الذي يتمُّ في الكَنيسة.
• مُصطَلح الزَّواج المدَنيِّ مُرتبط بنشأة القانون المدَني، والقانون المدني هو القانون الذي كان يَحكُم مدينة روما ومَن فيها، فهو إذًا عبارة عن فرْعٍ للْقانون الرُّومانيِّ القَديم الذي كان مُطبَّقًا في الإمبراطورية الرومانيَّة.
• الزواج المدَنيُّ ليس مجرَّد عقْد إيجابٍ وقَبول بين اثنين، بل عِبارة عن نظام كامِل يُنظِّم العَلاقة بين الرجل والمرأة، بمعنى أنَّ الزَّواج المدنيّ ليس اتِّفاقيَّة زواج فحسْب، بل هو اتِّفاقيَّة زواج، ونسَب، ونفَقة، ومِلكيَّة، وإرْث، وبُنوَّة، وحَضانة، وطَلاق.
• عقْد الزَّواج في الإسلام هو عقْد خاصٌّ بالزَّواج لا يتعدَّاه إلى غيره، ولا تَشمَل أحكامه أحكامَ غيره، وأما النسَب والنفقة والملكية والإرْث والبُنوَّة والحَضانة والطَّلاق، فهي أبواب مُنفرِدة، ولكلٍّ منها أحكام مُعيَّنة خاصَّة به لا تَشمل غيرَه.
• يُحدِّد عقْد الزَّواج في الإسلام صيغةَ العقْد وشُروطه وأركانه، والزَّواج المدَني يُهمِل هذه الأمور؛ فلا يُحدِّد صيغة العقْد؛ مِن حيث لفْظ الإيجاب والقَبول، ومِن حيث اشتِراط الولي، ومِن حيث المهْر، وهذه الأمور تَهدِم العقد عِند فِقدانها أو تُفسِده.
• لا يُبيح عَقد الزَّواج في الإسلام تزوُّج المُسلِم إلا مِن مُسلمة أو كتابيَّة، كما يَشترط في الرجل حتَّى تَنكحه المرأة المسلمة أن يكون مُسلمًا لا غير، فيَمنع أن تتزوَّج المرأة المسلمة كافرًا، سواءٌ أكان كتابيًّا أم غير كتابيٍّ، فزواج المسلم بالكافرة غير الكتابيَّة كالمجوسيَّة والبوذية والشيوعيَّة والمُلحِدة، وزواج المسلمة بالكافر مُطلقًا - زواجٌ باطل لا يَنعقِد، والزَّواج المدني وَفق القانون المدني الوضْعي يجعل هذا الزواجَ صحيحًا؛ فهو بذلك يخالف أحكام الإسلام.
• يَشترط الشرْع لصحَّة الزَّواج إذا انعقَد شرعًا شرطَين: أحدهما أن تكون المرأة محلاًّ لعقْد الزَّواج؛ أيْ ألا تَكون مُحرَّمة على الرجل، والزواج المدنيُّ يُهمِل هذه الناحيَة وَفق تَصوُّر الإسلام للمَحارم، والشرط الثاني هو حُضور شاهِدَين مُسلِمَين بالِغَين عدْلَين فاهِمَين الغرض مِن العقْد، والزَّواج المدَني لا يَشترِط الإسلام في الشاهِدَين.
ب - أنْ تُغفِل الباحثة إغفالاً تامًّا تأثير الطَّلاق على أهمِّ سِمَة مِن سمات المُجتمع المصريِّ، وهي سِمة التديُّن، والغَريب أنَّ ما أغفَلتْه الباحِثة اهتمَّ به باحِثون غربيُّون.
هناك دِراسة بعُنوان "تأثير الطلاق على تديُّن الأبناء"، أجْرى هذه الدِّراسة: "جيكسيا إليسا" و"كريستوفر إليسون" و"ونورفان جلين" و"إليزابيث ماركاردت"، يقول هؤلاء الباحثون: "على الرغْم مِن أنَّ مُعظم دراسات آثار الطَّلاق على الأبناء اهتمَّت ببيان هذه الآثار على نُموِّ الأبناء، وتدْهوُر تَحصيلهم الأكاديميِّ، وحراكهم الاقتصاديِّ الاجتماعيِّ، ومشاكلِهم السلوكيَّة والصحية والعقليَّة، فإنَّ دراسات قليلة جدًّا هي التي اهتمَّت بتأثير الطَّلاق على حياتهم الدينيَّة والرُّوحيَّة، خاصَّةً حينما يَصِلون إلى مرحلة البلوغ، ولُوحِظ أنَّ الطَّلاق قد تَرَكَ تأثيرَه على هذا الجانب بشدَّة عند الأبناء، وخاصَّة على أدائهم للصَّلوات فرديًّا أو جماعيًّا، وقُربهم مِن الله.
وهناك دراسة أُخرى أجراها: "ميرسيدس ويلسون " على الأُسَر المُسلمة والكاثوليكيَّة المسيحية بعنوان: "مقارنة مُعدَّلات الطَّلاق بين الأزواج والزوجات الذين يلجؤون إلى تَنظيم النسْل الطبيعيِّ، وهؤلاء الذين يَستخدِمون وسائل منْع الحمْل الصناعيَّة"، وقد وجدتْ هذه الدراسة أنَّ الأزواج والزَّوجات الذين يلجؤون إلى تنظيم النسْل الطبيعي تقلُّ مُعدَّلات الطَّلاق لدَيهم بشدَّة، ويَعيشون حياةً زوجيَّة سعيدةً، وحياتهم اليوميَّة تتميَّز بالرِّضا، وعلاقاتهم الحميميَّة قويَّة، ولديهم عدد أكبر مِن الأطفال، وهم أكثر تديُّنًا مِن غَيرهم، كما يَتميَّزون بقوَّة مَنظوراتهم الأخلاقيَّة والتقليدية، ومِن غير المُحتمَل بل يَكاد يَمتنِع عنهم اللجوء إلى الإجهاض، ونادرًا ما تَحدُث عندهم الخيانات الزوجيَّة.
ج - أن تُهمِل الباحثة إهمالاً تامًّا الأسباب غير "الإمبيريقية"، التي هي رأس الدِّين ويَرفُضها عِلم الاجتماع ولا يَعترِف بها؛ لأن الدراسة "الإمبيريقية" لا تَعترِف إلا بما هو حسِّيٌّ، فكلُّ ما هو غَيبِيٌّ هو غير عِلميٍّ بالنسبة لعِلم الاجتماع، في حين أنَّ الإيمان بالغيب في الإسلام هو مِن أساسيات الإسلام؛ يقول الله تعالى في أوَّل سورة البقرة: ﴿ الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾ [البقرة: 1 - 3]، وثبَت في الصَّحيح عن جابر عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّ إبليس يَنصِب عرشَه على البحر، ويَبعث سراياه، فأقربهم إليه منزلةً أعظمُهم فتنةً، فيأتيه الشيطان فيقول: ما زلتُ به حتَّى فعَل كذا، حتَّى يأتيه الشيطان فيَقول: ما زلتُ به حتَّى فرَّقْتُ بينه وبين امرأتِه، فيُدنيه منه، ويقول: أنتَ، أنت، ويَلتزِمه))، وقد قال تعالى في ذم السِّحْر: ﴿ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ﴾ [البقرة: 102]، اتِّباع النظريات الغربية يَجعل الباحِثين يَرفُضون الاعتراف بأنَّ هُناك كائناتٍ غيرَ مرئيَّة لها دورها في حركة التفاعُلات بين البشَر، ويَعتبِرون أنَّ ذلك غير عِلميٍّ، وفي هذا هدْم للدِّين؛ فالله تعالى غَيبٌ، والملائكة غَيبٌ، والجنَّة غَيبٌ، والنار غَيب، وعَذاب القبر غيبٌ... إلخ.
د - أكبر خطأ وقعَتْ فيه الباحثة بسبب الإطار النظريِّ الغربيِّ، أنها أوحَتْ إلى القارئ بأنَّ الطلاق هو الأصْل، وأنَّ كل الجُهود يجب أن تُبذَل لعلاج آثاره، وليس الأصْل هو بناء الزَّواج على أساس صَحيح؛ حتَّى لا يقع الطلاق، وهذا يُذكِّرنا بأنَّ جهود مراكز البحوث الغربية عن مرَض الإيدز كانت مُنصبَّةً على مُحاوَلة علاجه بعد أن يقَع، دون مُحاولة القضاء على أسبابه، وأتصوَّر أنَّ السبب يَكمُن في النظريات الغربية التي ارتكنَتْ إليها الباحثة، ولو أنَّ الباحثة كوَّنتْ لها إطارًا مُستَوحى مِن المَصادِر الشرعيَّة بنفْس الطَّريقة التي تناوَلتْ فيها أحكام الطلاق، لقدَّمت لنا عمَلاً قيِّمًا.
إنَّ أهمَّ أسباب الطَّلاق هو أنَّ بناءه لم يقمْ على تقوى مِن الله، بدْءًا مِن الخِطبة حتَّى إتمام الزواج؛ فمُعظم هذه الإجراءات تكون مُخالِفة لشرْع الله تعالى، إلا ما رَحِمَ الله، والله تعالى يقول: ﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴾ [التوبة: 109]، فالزَّواج بناءٌ، وأساسه المتين هو تقوى الله - عز وجل - فإذا قام الزَّواج على هذا الأساس، أصبَح هو الأصل الذي يَرجعُ إليه الزَّوجان إذا اختَلفا؛ حتَّى لا يقَع الطَّلاق، إذا غَضِب الرجل مِن زوجتِه وهمَّ بأنْ يَرميَ عليها يَمين الطلاق، قام وتوضَّأ وغيَّر مَجلِسَه، وتذكَّرَ قَول رسوله - صلَّى الله عليه وسلم -: ((لا يَفرَك مؤمن مؤمنةً؛ إذا لم يرْضَ منها بخلُق رَضِيَ بآخَر))، وإذا انهمَك في عمَلِه وأهمَل زوجتَه وأكَل لِيَنام؛ ذكَّرتْه بأنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان يُضاحِك زوجاتِه ويُسامِرهنَّ قبْل أن يَنام، وإذا قصَّرتْ في أداء واجباتها، ذكَّرها بأنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان يقول لعائشة: ((يا عائشة، اسْقينا، يا عائشة أطْعِمينا))، وإذا طلَب منها طلبًا كان بإمكانه أن يَفعله ولم تَقمْ به، ذكَّرته بأنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان يَخصِف (يُصلِح) نعْلَه، ويَخيط ثَوبه، ويعمل في بيتِه كما يَعمَل أحدُكم في بيتِه.
ما يتعلق بمنهج الدراسة:
سابع عشر: تَناسُب تساؤلات الدِّراسة وفُروضها مع نوعيَّة البحْث وطَبيعته:
الواقع أنَّ تساؤلات الدراسة تُفيد عادةً في مرحلة البُحوث الوصفيَّة أو التقويميَّة في مرحلة الماجِستير، وفي مرحلة "الدكتوراه" يتمُّ استخدام الفروض.
صاغَت الباحِثة فُروضَها على أساس وجود العَلاقة العكسيَّة بين المُتغيِّرات، والواقِع أنه ليستْ هُناك مُشكلة في الطَّريقة التي صاغتْ بها الباحِثة فُروض دراستِها، لكنَّنا ننبِّه الباحِثين إلى أنَّ هُناك أنواعًا مُتعدِّدة مِن صياغة الفُروض، وأكثر هذه الفُروض دقَّةً هي الفُروض الإحصائيَّة، ومنها الفرْض الصِّفريُّ أو العدَميُّ، مثل: أنه لا تُوجَد فروق بين المتغيِّر المستقلِّ والمتغيِّر التابع (فرْض عدَم التغيُّر)؛ أيْ: لا توجد فُروق (عَلاقة) دالَّة إحصائيًّا (بين) مُتغيِّرات الدِّراسة، وهناك الفرْضيات الموجَّهة، وتعني أنه: توجد فروق (علاقة) دالة إحصائيًّا (بين) مُتغيِّرات الدراسة.
ثامن عشر: أن يتَّفق منهج البحث وأدواته مع مُشكلة البحْث وأهدافه:
الواقِع أنَّ الباحِثة حقَّقتْ هذا المعْيار، خاصَّةً وأنها استعانتْ بالمنهج الوصْفيِّ، واعتمدَتْ على أسلوب المسْح الاجتِماعيِّ عن طَريق الحصْر الشامل، كما رجعَتْ إلى السجلات الرسميَّة الخاصَّة بقَضايا الطَّلاق في محكمة الأُسرة، واستَخدمتِ الباحِثة كذلك منهَجَ دراسة الحالة، واعتمدت في أدوات الدِّراسة على الاستبيان والمُقابَلة.
تاسع عشر: في حالة استِخدام الباحِث أكثر مِن مَنهَج في دِراستِه، فيَجب عليه أن يَلتزم بكلِّ مُتطلبات هذا المنهج:
استخدمَت الباحثة في دراستها منهج دراسة الحالة (........)، والذي لا شكَّ فيه أنَّ الباحِثة أحسَنتْ حينما استَخدمتْ منهج دراسة الحالة إلى جانب الدراسة الوصفيَّة التي قامت بها، وهذا يَعني إدراكَها لأهميَّة تكامُل المناهِج في الدراسات الاجتماعيَّة، وإدراكها أنَّ أجزاء الظَّواهر الاجتماعية ليستْ علاقةً آليَّةً ميكانيكيَّةً، وأنَّ هُناك حاجة إلى تحليل الظاهِرة بمُحاوَلة تَبسيطها وفهْمِها، وكذلك الحاجة لوجود إطار تردُّ إليه العناصِر التي تُحلِّلها؛ حتَّى لا تَفقِد هذه العناصر أهميَّتها ودَلالتها، كما أثبتَت الباحِثة باستِخدامها لهذا المنهَج أنَّه لا تَعارُض هناك بين استِخدام دراسة الحالة والإحصاء في البحْث الاجتِماعيِّ، وأنَّ كلَيهما لازمٌ للآخَر ومُكمِّل له.
لكنَّها - الباحِثة - لم تُوفَّق في استِخدامها لهذا المنهج في مُراعاة كلِّ مُتطلَّباته؛ وذلك على النحو التالي:
أ - إنَّ منهج دراسة الحالة يتطلَّب دراسة جميع الجوانب المُتعلِّقة بدراسة الظَّواهِر والحالات الفرديَّة، ويتَّجه إلى جمْع البيانات العمليَّة والحَقائق التفصيليَّة بغرَضٍ ما أو مَوقِف مُعيَّن.
ب - يَستخْدم منهج دراسة الحالة كلَّ ما تَستخدِمه المناهج الأخرى مِن وسائل لجمْع البيانات؛ للاستِفادة منها في التَّشخيص؛ حتَّى يَستطيع الباحِث أنْ يُكوِّن نظْرةً كليةً شامِلةً على الحالة التي يَدرُسها والحالات المُشابِهة لها.
ج - يَهتمُّ منهج دراسة الحالة بدِراسة الماضِي كمؤثِّر أساسيٍّ في إظهار الحالة في الزمن الحاضِر وتَوقُّعاتها المُستقبليَّة؛ مما يُساعِد على تَفسير السلوك كما هو عليه في وقْت إجراء الدراسة.
ولهذا؛ نأخُذ على الباحِثة أنَّ الحالات العشْر التي درسَتْها، درستْها مِن زاويتَين اثنتَين فقطْ؛ هما: أسباب الطَّلاق، والمُشكلات التي تُواجِه المُطلِّق بعد الطَّلاق، ودرسَتْ كلَّ حالة على أنها حالة مُستقلَّة بذاتها، مُنفصِلة عن الحالات الأُخْرى، ومُنفصِلة تمامًا عن نتائج الدِّراسة التي كشفَتْ عنْها الإحصاءات، في حين أنَّ المَقصود مِن استِخدام دِراسة الحالة هو كشْفُ ما عجز عن تَفسيره بالطُّرق الإحصائيَّة، بمعنى أنَّ الباحِثة فصَلَتْ بين مَنهَج دراسة الحالة والنتائج الإحصائيَّة التي استخدمتْها، وبالتالي فقَدَ هذا المنهجُ أهم مُبرِّر لاستِخدامه.
وأشهَر مِثال تَقليديٍّ على ذلك هو دراسة "بولين يونج" عن الأبناء الجانِحين في إحدى الجَماعات الرُّوسية، وتوصَّلت الدِّراسة إلى ارتفاع نسبة الانحِراف بين أبناء هذه الجَماعة، وفسَّر الباحِثون هذه النتيجة في ضَوء المُعامَلات الإحصائيَّة فقط، ولمَّا استخدَم الباحِثون منهَج دراسة الحالة تبيَّن لهم أنَّ أسباب الانحِراف تَعود إلى عوامِل أُخرَى غير التي حدَّدتْها العوامِل الإحصائيَّة، ولو أنَّ الباحِثة ربطَتْ بين منهج دراسة الحالة والمُعالَجات الإحصائيَّة، لتوصَّلت إلى نتائج في غاية الأهميَّة.
المنهج الإحصائي:
عشرون: سلامة وقوَّة المنهج الإحصائيِّ المُستخدَم في الدراسة:
لنا في هذا الأمر عدَّة مُلاحَظات:
تقول الباحِثة: إنها استخدَمت العَديد مِن الأساليب الإحصائيَّة المُناسِبة عن طريق الـ "spss" الحزَم الإحصائيَّة للعلوم الاجتماعية، لكنَّ المُلاحظَ هو أنَّ الباحِثة لم تُعطِ الجانب الإحصائيَّ في رسالتها حقَّه، ويُخيَّل إليَّ أنها كانت تُحاول التهرُّب منه.
الدليل على ذلك الآتي:
أ - مِن المعروف أنَّ المَفاهيم الاصطلاحيَّة أو الإجرائيَّة تُعرَف بالمُتغيِّرات التي يَسعى الباحِث في دراسته إلى الوقوف على العَلاقات فيما بينها، ويُعالج الباحث هذه المُتغيِّرات مِن زوايا ثلاث؛ هي: زاوية الاستِقلاليَّة والتبعيَّة، وزاوية النَّشاط والثبات، وزاوية الاستمرارية والانقِطاع.
هُناك المتغيِّر المُستقلُّ والمُتغيِّر التابع؛ فالطَّلاق مُتغيِّر مُستقلٌّ، والأدوار الوظيفيَّة للأُسرة مُتغيِّر تابع.
وهُناك المُتغيِّرات التي يَسعى الباحِث إلى استِبعادها، وتُسمَّى بالمُتغيِّرات الدَّخيلة، أمَّا المُتغيِّرات التي يُعالِجها الباحِث، فتُسمَّى بالمُتغيِّرات النَّشِطة، وهُناك ما يُعرَف بالمُتغيِّرات الثابتة؛ مثْل: الجنْس، والسنِّ، والمُستوى التَّعليميِّ، وهُناك ما يُسمَّى بالمُتغيِّرات المُستمرَّة؛ مثْل: مُستوى التَّعليم (أمِّي، مُتوسِّط، ثانويٍّ، عالٍ)، وهناك مُتغيِّرات اسميَّة؛ مثْل الجنْس ذكر، وأُنثى... إلخ، المُلاحَظ أنَّ الباحِثة استَخدمتْ في دراستها مُعظَم هذه المتغيِّرات استخدامًا جيِّدًا، لكنَّها تجنَّبت الإشارة إليها على أنها مُتغيِّرات؛ مما أضْعَف الشكليَّة المنهجيَّة للدِّراسة.
ب - تَنطوي عمليَّة تَحليل البيانات على خمْس خُطوات؛ هي: (تَصنيف أو تكوين فئات للبيانات - ترميز المادَّة الخام - جدْوَلة البَيانات - التَّحليل الإحصائيُّ للبيانات - استِخلاص النتائج والعَلاقات السببيَّة بين المُتغيِّرات).
المُلاحَظ أنَّ الباحِثة نجحَتْ تَمامًا في تَنفيذ الخُطوات الأرْبع الأولى، ثمَّ توقَّفتْ، ولم تَقمْ بأهمِّ خُطوة، وهي استِخلاص النتائج والعَلاقة السببيَّة بين المُتغيِّرات، اكتَفت الباحِثة في الفصْل السابع مِن الرِّسالة بعرْض الجَداول التَّكراريَّة، فعرضَتْ واحدًا وخَمسين جدْولاً تَكراريًّا، وبعْد كل مجموعة مِن الجداول التَّكراريَّة تقول: "وتؤكِّد النتائج صحَّة الفرْض القائل بأنَّ هُناك عَلاقة كذا بين الطَّلاق وكذا..."، ومِن المعروف مِن الناحية المنهجيَّة أنَّ الجدْول التَّكراريَّ يُوحي بوجود عَلاقة فقطْ بين مُتغيِّرَين، لكنَّه لا يؤكِّد وجود ارْتباط بينهما، ولا يُزوِّدنا بقياس له؛ لأنَّه يَقتصر على وصْف الأمور المحسوسة كما هي، والذي يؤكِّد ذلك هو اختبارات الارتباط أو اختبارات التبايُن، التي هي خُطوة مُتقدِّمة عن خُطوة وصْف المحسوس، وتُبحِر في عالم الاستنتاج، تؤكِّد نوعًا مِن العَلاقة بين مُتغيِّرَين عن كَون أحدهما سببًا في حُدوث الآخَر، وهُناك أنواعٌ مُتعدِّدة مِن المُعادَلات لاختِبارات الارْتباط لم تَستخدمْها الباحِثة مُطلَقًا؛ مثْل المُتوسِّطات الحسابيَّة، والانحِراف المِعياريِّ، معامل بيرسون، معادلة كوبر لحِساب نسْبَة اتفاق المُحكمين، والرسوم البيانيَّة.
واحد وعشرون: أن تُشير نتائج البحث إلى أهميَّة جوانب تَطبيقيَّة يُمكِن الاستِفادة منها مُستقبَلاً أو تَطبيقُها:
لم تُشِر الباحِثة إلى ذلك بطريقة مباشرة.
ثاني وعشرون: أن تتضمن الرِّسالة فصلاً أو مبحثًا خاصًّا تحت عنوان المناقشة :discussion وفيها يُناقِش الباحِثُ النتائجَ التي توصَّل إليها في ضوء نتائج الدِّراسات السابقة، والمُسلَّمات الأُخرى أو الفرضيَّات التي لا تَزال في حاجة إلى الاختبار؛ وذلك بعقْد مُقارَنات بين نتائج البحْث ونتائج الدِّراسات السابِقة. وفيها يُنبِّه الباحث بنفْسِه إلى بعض الأخطاء المنهجيَّة التي ربما أثَّرت في نتائج بحثه، وأنْ يُقدِّم فيها بعض التبرير للنتائج التي توصَّل إليها.
لم تتضمَّن رسالة الباحثة هذا الفصْل أو المبحث الخاص، ولكنَّها ناقشَتْ فقطْ نتائج دراستها بنتائج الدِّراسات السابقة، كما أشرْنا إلى ذلك سابقًا.
ثالث وعشرون: أن يَكون عرْض مُلخَّصِ الرِّسالة متمشِّيًا مع الطَّريقة العِلميَّة الصَّحيحة:
نعم، نَشهد لها بذلك، فالمُلخَّص مُحدَّد به أهداف البحْث وإجراءاته، وأهمُّ النتائج التي توصَّلت إليها الباحِثة باستِثناء أنها لم تذكر شيئًا عن العيِّنة، وهو بصفة عامَّة غير مُطوَّل، ولا يَزيد عدد كلماته عن ٢٥٠ كلمة بكثير.
رابع وعشرون: أن يُقدِّم الباحِث في توصياته المُتعلِّقة بالجانب النظَريِّ مُقترَحات تَدور حول الأبحاث المستقبليَّة التي قد تُسهِم في تَنمية المَعرفة في تطويرها في مجال البحْث:
الواقع هو أنَّ الباحِثة في تَوصياتها أغفَلتْ هذه النُّقطة تَمامًا، ولم تُقدِّم للقارئ هذه المُشكلات التي تَكشَّفتْ لها، والتي تحتاج إلى دراسة أو مُتابَعة أو استِكمال، اكتفَت الباحثة بتقديم توصيات مُرتبِطة فقطْ بنتائج البحث التَّطبيقي، وهي توصيات مَعقولة وغير خياليَّة تُحسَب لها.
خامس وعشرون: أن يَكون توثيق المَراجِع توثيقًا صحيحًا:
لُوحِظ أنَّ الباحِثة نجحَتْ في ذلك بنِسبة كبيرة، ولكنَّها لم تتَّبع الطَّريقة الصَّحيحة في تَوثيق المعلومات التي حصَلتْ عليها مِن شبَكة "الإنترنت".
ونُنبِّه هُنا إلى نقطة مُهمَّة؛ وهي أنَّ كثيرًا مِن الباحِثين يَنقُلون المراجع المكتوبة بالإنجليزيَّة في حاشِيَة المَراجِع التي اعتَمدوا عليها في دِراستهم، ويَضعُونها في قائمة المَراجِع الخاصَّة بالرِّسالة؛ حتَّى يَزيدوا مِن عدَد المَراجِع المَكتوبة بالإنجليزيَّة، بعض الباحثين يَفعلون ذلك؛ اعتقادًا منهم بأنَّ هذا الأمر صَحيح، والبعض الآخَر يَفعل ذلك عمْدًا، والواقع هو أنَّ هذه سَرِقة عِلميَّة يُحاسَبون عليها قانونًا، بالإضافة إلى أنها عَمل لا أخلاقي، ونحن لا نتَّهم الباحِثة بأنها قامتْ بذلك الفعل، ولكنَّنا نَلفِت نظَر الباحِثين الموجودين في هذه القاعة إلى ضَرورة الانتِباه إلى هذه النُّقطة.