أما الذين تابوا وأنابوا فمغفرة الله واسعة ورحمته كبيرة؛ لذلك أتبع الآية السابقة بما يفيد عفوه تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [الأعراف: 153]، كما توعدهم الله بالذلة والصَّغار في الحياة الدنيا، فهذا جزاء الذين يفترون الكذب على الله ويقلبون الحقائق، ﴿ وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾ [الأعراف: 154] وهنا لم ينسب الغضب لموسى، بل استعار للغضب محركًا آخر وأخرج موسى من دائرة الغضب المباشر، وهذه استعارة مكنية، ولكن اللافت هنا أنه لما أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة، وكانت لما أحضرها حافلة بالمعطيات من كل شيء، فماذا حصل؟ إن إلقاء الألواح ساعة الغضب حطم بعضها، فنسخ الله جزءًا كبيرًا منها، وقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "أعطي موسى التوراة في سبعة ألواح من زبرجد، فيها تبيان لكل شيء وموعظة، ولما جاء فرأى بني إسرائيل عكوفًا على العجل رمى التوراة من يده فتحطمت، وأقبل على هارون فأخذ برأسه، فرفع الله منها ستة أسباع وبقي سبع"، وفي رواية سعيد بن جبير قال: "كانت الألواح من زمرد، فلما ألقاها موسى ذهب التفصيل وبقي الهدى والرحمة"، وبعد هدوء موسى واسترجاعه، ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي ﴾ [طه: 86]، لقد ذكرهم بوعد الله لهم بالجنة إذا التزموا طاعته وتوحيده، وقال: هل أنساكم طول العهد ما التزمتم به من الطاعة وهذا عهد وموعود الله لكم قائم في حال التزامكم؟ فلمَ أخلفتم ما عاهدتموني عليه من الإقامة أثناء غيابي على الطاعة فنقضتم عهدكم، فعدت لأراكم تعبدون العجل؟ ما أكثر تقلبكم وما أضعف نفوسكم! لقد انحطت من عال، وفارقها شموخ العزة بالإيمان، لكن قومه سارعوا إلى تبرير فعلتهم، ﴿ قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا ﴾ [طه: 87] فكان ما حصل بغير إرادتنا، حيث قادنا إلى ذلك أمر ظنناه من الدين، ﴿ وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ ﴾ [طه: 87] خرجنا من مصر ومعنا الحلي من الذهب الذي استعرناه من المصريين ورأينا أن هذا لا يحل لنا وهو وزر نحمله فقذفناه في النار تخلصًا منها، وهذا ما قاله لنا السامري بأن موسى تأخر عنكم واحتبس لأجل ما عندكم من الحلي، فجمعناه ودفعناه إليه، وقد وافق كرهنا للحلي ومحاولتنا التخلص منها هوى في نفس السامري، فاستغل هذا الكره لما خطط له من الخبث، فأخذ الحلي وقذفها في النار أمامنا، ثم أخرج لنا عجلًا جسدًا له خوار، فقال: هذا إلهكم وإله موسى، ﴿ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ ﴾ [طه: 88]، وانطلت الحيلة على هؤلاء الجاهلين وخدعوا بخواره وهم حديثو عهد بالتدين وظنوا أن هذا من لوازمه، كما يفعل جهلة اليوم عندما يتمسحون بالأضرحة ويظنون فيها التقرب إلى الله وينسون العبادة الحقة من الصلاة وقصد الدعاء والتضرع لله وحده، فكثير منهم يترك اللب ويتبع القشور ويعتقدون فيها الأصل، وهو جهل وبُعد عن تلقي العلم الصحيح، ﴿ فَنَسِيَ ﴾ [طه: 88] لقد اتهم السامري موسى بأنه نسي مكان إلهه فراح يبحث عنه بينما هو مقيم بين ظهرانيهم، وهنا التفت موسى إلى السامري بعدما لزمته الحجة وأشارت إليه أصابع الاتهام، فهو الضال المضل الذي لعب بالعقول وفتن الألباب ﴿ قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ ﴾ [طه: 95] ما الذي حملك على ما صنعت مخالفًا عقيدة التوحيد؟! كان فتًى أوتي حظًّا من الذكاء تبع موسى وهو من قوم يعبدون البقر، فظل هذا الأمر يلازمه ولم يتخلص منه، فوجد فرصته بغياب موسى ليجرَّ بني إسرائيل إلى عبادة آلهة قومه الذين يقطنون في منطقة السامرة، ﴿ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ﴾ [طه: 96]، رأى جبريل على فرسه التي وطئت بحافرها الأرض فتركت أثرًا لهذا الحافر وهي من العام العلوي، ووقع حافرها على الأرض فيه سر الحياة، فأخذ هذا الأثر وألقاه على العجل الذي صاغه من الذهب فدب به نوع من الحياة، ومن ذلك أنه أظهر صوتًا يشبه خوار البقر، ثم أردف قائلًا: هكذا زينت لي نفسي هذا الفعل ففعلته، اعتراف فيه استهتار بالقيم، يتكلم وكأنه ليس من أتباع موسى، فما كان من موسى إلا أن دعا عليه دعوة فريدة من نوعها يستحقها جزاء ما اقترفت يداه من تضليل المؤمنين، ﴿ قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ ﴾[طه: 97]؛ أي: لا يقرب أحدًا ولا أحد يقربه، وهو نفي عن القوم؛ لخطره ودرء فتنته، وزجرًا لغيره، فقد خلق الله فيه خاصية المباعدة، فهرب من الناس وهام في البراري مع الوحوش وكفى الله المؤمنين شره في الدنيا، وله في الآخرة حساب عسير، ﴿ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا ﴾ [طه: 97]، وبعد أن عرَّفه قدر نفسه وأنه خرج مغضوبًا عليه ثم بين له قدر هذا الإله المصنوع وأنه لا يدفع عن نفسه ضرًّا ولا يجلب خيرًا، فحطمه وحرقه حتى أذابه قطعة واحدة ثم دقه قطعًا صغيرة ونسفه في البحر نسفًا، وبدأ التركيز أكثر على التوحيد؛ ليصون به قومه من الانزلاق في مهاوي الشرك وسوء الاعتقاد، ﴿ إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ [طه: 98]، وعاد موسى إلى قومه بعد طرد السامري، وتلقينهم التوحيد ليبلغهم بأن الله قد عفا عنهم، ﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة: 52]، ولكن استثنى من العفو عددًا ممن كانوا السبب في عبادة العجل، حيث تقرر أن يطهروا أنفسهم بالقتل، ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [البقرة: 54]، فكيف تم هذا التطهيرُ؟
وقد رُوِيَ عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال موسى لقومه: ﴿ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [البقرة: 54]، قال: أمَر موسى قومه عن أمر ربه عز وجل أن يقتلوا أنفسهم، وأخبر الذين عبدوا العجل فجلسوا، وقام الذين لم يعكفوا على العجل فأخذوا الخناجر بأيديهم وأصابتهم ظلمة شديدة فجعل يقتل بعضهم بعضًا، فانجلت الظلمة عنهم عن سبعين ألف قتيل، وجعل للقاتل توبة وللمقتول شهادة، وتعددت الروايات مع اتفاق على أن القتلى سبعون ألفًا، وأن الله تعالى قد تاب على الجميع.
بنو إسرائيل لا يزالون في سيناء:
وتوالت الأحداث على بني إسرائيل في سيناء، فقد اصطحب موسى معه سبعين رجلًا من خيار قومه إلى جبل الطور ليعتذروا عن بني إسرائيل وما كان منهم من عبادة العجل وليسمعوا ويشاهدوا موسى وهو يكلمه ربُّه، وقال لهم موسى: صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم، وتوبوا إليه مما صنعتم، وسَلُوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقَّته له ربه، فقالوا لموسى: اطلب لنا إلى ربك نسمع كلام ربنا، فقال: أفعل، فلما دنا موسى من الجبل غشى الجبل عمود من الغمام، وقال موسى لمن معه: ادنوا، ولما دخلوا في الغمام وقعوا سجودًا لله فسمعوه يكلم موسى يأمره وينهاه، افعل ولا تفعل، فلما فرغ إليه من أمر انكشف عن موسى الغمام، فأقبل إليهم موسى، غير أنهم شكوا بما حدث، فطلبوا رؤية الله تعالى: ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ [البقرة: 55]؛ أي: علانية هكذا جهارًا نهارًا، وهذا الطلب فيه جراءة على الله وقلة تأدب، فكان الرد عليهم حاسمًا قاهرًا، ﴿ فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ [البقرة: 55]، فماتوا واحدًا إثر واحد، فكان ينظر بعضهم إلى بعض وهم يموتون، وفي هذا ألم وتعذيب لهم وردع لمن خلفهم من التمادي في الضلال، ولما رأى موسى هؤلاء النخبة من قومه وقد حلت بهم مصيبة الموت، قام يبكي ويدعو ربه ويقول: يا رب، ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم؟ فاستجاب الله لتضرع موسى، ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾} [البقرة: 56]، وهناك رواية ثانية عن عبدالرحمن بن زيد بن أسلم: أن موسى عاد إلى قومه ومعه الألواح، قال لهم: إن هذه الألواح فيها كتاب الله، فيه أمرُكم الذي أمركم به ونهيُكم الذي نهاكم عنه، فقالوا: ومن يأخذه بقولك أنت؟ لا والله حتى نرى الله جهرة، حتى يطلع الله علينا ويقول: هذا كتابي فخذوه، فما له لا يكلمنا كما يكلمك أنت يا موسى، وقرأ قول الله: ﴿ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ [البقرة: 55]، قال: فجاءت غضبة من الله، فجاءتهم صاعقة بعد التوبة فصعقتهم، فماتوا أجمعون، ثم أحياهم الله من بعد موتهم.
وهذه الرواية جيدة، فالعقاب كان لهذا التمادي في الباطل وطلب الرؤية بوقاحة واستهتار وإملاء لما سيكون عليه ظهور الرب كما يطلبون، ولكن أين طلبهم هذا من طلب موسى: ﴿ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ﴾ [الأعراف: 143]، طلب محبة وشوق وخضوع لله؛ لذلك كان الرد رفيقًا بموسى، لا صاعقًا مميتًا.