عرض مشاركة واحدة
  #20  
قديم 04-06-2021, 04:14 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,962
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فلسفة الموت والحياة في معلقة طرفة بن العبد

وهكذا يمضي "طرفة" يعدِّد آراءه حول الموت، ويَبني على هذا الرَّأي موقفًا من الحياة يتمثَّل في:
1- إِذَا ابْتَدَرَ القَوْمُ السِّلاَحَ وَجَدْتَنِي
مَنِيعًا إِذَا ابْتَلَّتْ بِقَائِمِهِ يَدِي

2- إِذَا أَنْتَ لَمْ تَنْفَعْ بِوُدِّكَ أَهْلَهُ
وَلَمْ تَنْكَ بِالبُؤْسَى عَدُوَّكَ فَابْعَدِ

3- وَلاَ خَيْرَ فِي خَيْرٍ تَرَى الشَّرَّ دُونَهُ
وَلاَ نَائِلٍ يَأْتِيكَ بَعْدَ التَّلَدُّدِ

4- فَذَرْنِي أُرَوِّ هَامَتِي فِي حَيَاتِهَا
مَخَافَةَ شِرْبٍ فِي الْحَيَاةِ مُصَرَّدِ

5- فَإِنْ كُنْتَ لاَ تَسْطِيعُ دَفْعَ مَنِيَّتِي
فَدَعْنِي أُبْادِرْهَا بِمَا مَلَكَتْ يَدِي



إنَّ لديه تصوُّرًا للحياة والموت، ولديه كذلك رؤية عمليَّة لتطبيقها في الحياة؛ بناءً على هذا التصور، ومن هنا تتضامُّ أجزاء القصيدة لتؤكِّد وحدة الرؤيا المتمثِّلة في الموقف من الحياة والموت، كما تؤكِّد وحدة البناء اللُّغوي حتى مع تقسيمها إلى أغراض تتناولها الوحدات المختلفة للمطوَّلة.

وبرغم الروايات المتعددة للقصيدة، والتي جاءت بأبيات معيَّنةٍ منها في أكثرَ من موطن من مواطنها، وخصوصًا في الوحدات الأخيرة؛ فإنَّ بساطة الحياة في الجاهليَّة، وعدم تعقُّدِها - كما هو الحال في الواقع المعاصر - جعل المطوَّلة تحتوي على عدَّة أغراض، وهي سمةٌ من سمات القصيدة الجاهليَّة عمومًا، لا تنفي وحدة الجوِّ النَّفسي، ووحدة البناء الكُلِّي للقصيدة.

كذلك تصوِّر القصيدة رؤية "طرفة" للحياة، وانهماكه فيها، ونشْدَانه المثل الكامل منها؛ وذلك من خلال نظرته إلى النَّاقة التي هي جلُّ المال في المُجتمع الصحراويِّ البدوي، حتى لتصبح الناقة - من خلال وصفها في القصيدة، وعلى امتداد ثلث القصيدة تقريبًا - رمزًا للحياة، ومعادلاً لها.

إنَّ "طرفة" يصوِّر الناقة تصويرًا تفصيليًّا، ويصفها - في اكتمال بنيانها الجسديِّ، ونموذجيَّة صفاتها المعنويَّة - وصفًا يشبع رغبته في الحياة، وإقباله عليها، وتشوُّفه للتمتُّع بكل ما فيها من القوة، فالناقة في خواصِّها وصفتها، وفي أرجلها وعينيها، ورأسها وأذنيها... تمثِّل تمام اكتمال القوة، كما أنَّها في سيرها وحركتها تُمثِّل تمامَ اكتمال الحركة؛ فالقوة والحركة تمثِّلان أهمَّ خصائص ناقة "طرفة" التي ضربها مثالاً، ورمزًا للحياة التي يريد أن يتمتَّع بها.

إن الناقة هي مال الصحراويِّ، وأساسُ بقائه، وعماد وُجوده، و"طرفة" واحدٌ من قومه، يرى فيها كلَّ هذه الصفات، ولذا فقد أطال في وصفها، حتَّى إننا لا نجد وصفًا في الشعر الجاهلي للناقة بِمِثل الوصف المطوَّل المفصَّل القويِّ الذي وصف به "طرفة" ناقتَه، حتَّى صارت ناقة "طرفة" في الشِّعر - ولعلَّها كانت كذلك في الحياة - هي الناقةَ المثال.

إنَّ وصفه لها يروي ظمَأه لوصف الحياة، والإغراق فيها وفي مُتَعِها بكل ما يملك من قوة.

• • •

بقي أن نعرض إجمالاً للصُّورة الشِّعرية في المطوَّلة، والتي تمثل نموذجًا للصورة في الشعر الجاهلي، والتي تُنتَزع من البيئة التي يعيش فيها الشاعر.

يقول "طرفة" مبيِّنًا انفراده عن قومه بعد أن تحامَتْه العشيرة؛ لِلَهْوه ومُجونه، وعدم اكتراثه:
إِلَى أَنْ تَحَامَتْنِي العَشِيرَةُ كُلُّهَا
وَأُفْرِدْتُ إِفْرَادَ البَعِيرِ الْمُعَبَّدِ



إنه يصف الحالة التي صار إليها مشبِّهًا إيَّاها بحال الجمل الذي أصابه المرض (الجرب)، وخشي صاحبه أن تنتقل عدواه إلى بقية الجمال، فقام بإفراده بعيدًا عن بقية الجمال؛ حتى لا تنتقل عدواه إلى غيره، ويفسد عليه بقية ماله.

إن "طرفة" أصبح في نظر القبيلة مريضًا مرَضًا لا تتحمَّلُ القبيلة - مع هذا المرض - وجودَه بينها، ولقد كان الصَّعاليك عندما يخلفون هكذا من قبائلهم يردُّون على ذلك بالتمرُّد على القبيلة تمامًا، والانضمام إلى بقيَّة الصعاليك؛ لكي يقوموا بضرب مصالح القبائل التي تُصبح مادَّةَ السَّلب والنهب الذي يقومون به.

والصُّورة في البيت - كما نرى - مستمدَّة من بيئة البادية، وتمثِّل نوعًا من الصدق الفنِّي في رسم الصورة، إلا أنَّ "طرفة" وكما توحي الصُّورة يَستسلم لموقف قبيلته منه، كما يستسلم الجمل الأجربُ لإفراده عن بقيَّة الجمال، ويعيش حياة التفرُّد بكل ما تَعْنيه من آلام نفسيَّة، وقطيعة اجتماعيَّة.

صورة ثانية من صُوَر المعلَّقة، وهي تصويره للمنيَّة/ الموت في إقدامها على الإنسان:
لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي وَإِنِّي لَوَاجِلٌ
أَفِي اليَوْمِ إِقْدَامُ الْمَنِيَّةِ أَمْ غَدِ

فَإِنْ تَكُ خَلْفِي لاَ يَفُتْهَا سَوَادِيَا
وَإِنْ تَكُ قُدَّامِي أَجِدْهَا بِمَرْصَدِ



إنه يصوِّر الموت بالشَّخص المُخاتل لحركة فريستِه في جوِّ الصحراء، إنَّ الفريسة وهي تتحرَّك تَجِد ذلك الصائد المخاتل من خلف، فلا يفوته سوادها (سواد الفريسة)، وتجده من أمام، فهو يترصَّدها؛ ليقضي عليها.

إنَّها صورة تمتلئ بالحركة، وتُمثِّل جوَّ الصراع مع الموت الذي غالبًا ما يقع في المجتمع الصحراويِّ بصورة القتل في جو يشيع فيه الفتك/ فتك الإنسان بالإنسان والحيوان، وفتك الحيوان بالحيوان، وهذه الصُّورة يُطلِق عليها البلاغيُّون مصطلحَ الاستعارة التمثيليَّة التي يتمُّ فيها تمثيلُ حالٍ بحال، ووضع بوضع، وحركةٍ بحركة، ولا تقف الصورة هنا عند نموذج الاستعارة المكنيَّة التي تنقل صورة المشبَّه به، الساكن، ذي الوجه الواحد، إلى المشبَّه في سكونه ووحدته.

إن "طرفة" يصوِّر حالاً معنويَّة - هي موته، أو هجوم المنيَّة عليه - بصورةٍ حسِّية، كثيرًا ما تتكرَّر في جو الصحراء المليء بالفتك والفاتكين، وهي صورة تمتلئ بالحركة والتوتُّر، أما الحركة فتأتي من صورة المُطاردة عبر الصحراء في جو ليليٍّ قاتم، يوحي بها لفظ (سوادي: اللفظ يوحي بأن المطاردة تتمُّ ليلاً)، وذلك من الأمام أو من الخلف، فهو مُحاصَر من الناحيتين.

وأما التوتُّر فيأتي من الصورة الكلِّية للمطاردة عبر الصحراء.

صورة ثالثة تأتي في مقدِّمة المطوَّلة، وهي صورة رحيل هوادج صاحبتِه/ المالكيَّة:
كَأَنَّ حُدُوجَ الْمَالِكَيَّةِ غُدْوَةً
خَلاَيَا سَفِينٍ بِالنَّوَاصِفِ مِنْ دَدِ

عَدَوْلِيَّةٌ أَوْ مِنْ سَفِينِ ابْنِ يَامِنٍ
يَجُورُ بِهَا الْمَلاَّحُ طَوْرًا وَيَهْتَدِي

يَشُقُّ حَبَابَ الْمَاءِ حَيْزُومُهَا بِهَا
كَمَا قَسَمَ التُّرْبَ الْمُفَايِلُ بِاليَدِ



إنَّه يصور حركة الهوادج في الصحراء بحركة السَّفين المتحرِّكة، تشقُّ عباب الماء، ويسترسل في وصف هذه السُّفن فيقول:
عَدَوْلِيَّةٌ أَوْ مِنْ سَفِينِ ابْنِ يَامِنٍ
يَجُورُ بِهَا الْمَلاَّحُ طَوْرًا وَيَهْتَدِي

يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 23.41 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 22.78 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.68%)]