عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 04-06-2021, 05:12 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,794
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فلسفة الموت والحياة في معلقة طرفة بن العبد

بِلاَ حَدَثٍ أَحْدَثْتُهُ وَكَمُحْدِثٍ
هِجَائِي وَقَذْفِي بِالشَّكَاةِ وَمُطْرِدِي

وَأَيْأَسَنِي مِنْ كُلِّ خَيْرٍ طَلَبْتُهُ
كَأَنَّا وَضَعْنَاهُ إِلَى رَمْسِ مُلْحَدِ

وَلاَ خَيْرَ فِي خَيْرٍ تَرَى الشَّرَّ دُونَهُ
وَلاَ نَائِلٍ يَأْتِيكَ بَعْدَ التَّلَدُّدِ


وبعد أنْ عرض المشكلة يبيِّن خصاله في التعامل مع أبناء العمومة وذوي القرابة؛ لقد سعى إلى كلِّ ما يقوِّي روابط القرابة، وحين تُواجه العائلةُ أمورًا صعبة فإنَّه لا يتراجع كما يتراجع الآخرون، بل يتقدَّم لتأدية الواجب، حتَّى إذا هاجم الأعداءُ قومَه فإنه يبذل كلَّ جهده لصدِّهم، وأما إن كان الموطِنُ موطِنَ دفاعٍ عن العِرض، فإنه يهون في سبيله كلُّ شيء حتَّى يصل الأمرُ إلى حمل السلاح؛ دفاعًا عن هذا العِرض فلا ينثَلِم.

ومع ذلك كان صنيع ابن عمه معه على غير ما يتوقَّع؛ إنه لم يفرِّج كربَه ولو بكلمةٍ تصبِّره إلى الغد، بل راح - بكلِّ ما يَملك - يخنقه خنقًا، حتى لو قدَّم له "طرفة" كلمة شكر لم يَقبلها، ثم يعلِّق على ذلك بإطلاق حكمةٍ من حِكَمِه:
وَظُلْمُ ذَوِي القُرْبَى أَشَدُّ مَضَاضَةً
عَلَى النَّفْسِ مِنْ وَقْعِ الْحُسَامِ الْمُهَنَّدِ



ثم يخرج من رحلته مع هذا الصراع مع ابن عمه بالحكمة المتمثلة في قوله:
إِذَا أَنْتَ لَمْ تَنْفَعْ بِوُدِّكَ أَهْلَهُ
وَلَمْ تَنْكَ بِالبُؤْسَى عَدُوَّكَ فَابْعَدِ

فَلَوْ شَاءَ رَبِّي كُنْتُ قَيْسَ بْنَ خَالِدٍ
وَلَوْ شَاءَ رَبِّي كُنْتُ عَمْرَو بْنَ مَرْثَدِ

فَأَصْبَحْتُ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ وَزَارَنِي
بَنُونَ كِرَامٌ سَادَةٌ لِمُسَوَّدِ



وإزاء هذا الوضع الاجتماعي السيِّئ الذي وجد "طرفةُ" نفسَه فيه نجِده في الوحدة السادسة يأخذ في الفخر بنفسه، مصرًّا على مواقفه، مصرًّا على فعاله، وخصوصًا في موطن الحرب وموطن الكرَم الذي يبدو في نَحْره النُّوقَ، حتَّى لقد صارت تعرفه بهذا الفعل، فهي تخافه وتخشاه، وحتى يقول الناس له: إنَّك تتجاوز الحدود، وتتسبَّب في الخسائر الفادحة حين توغِلُ في الشراب، وتَخرج عن وعيك، وتقوم بِعَقر النِّياق، وليس ذلك من حقِّك.

إن "طرفة" يفخر غيْرَ مبالٍ بالشيء الذي سبَّب له هذه القطيعة الاجتماعيَّة في قومه، وهو على ذلك غيرُ مبالٍ بِمَوقف قومه منه.

ثم يَستحضر صورةً كاملة لما ترتَّب على فعله في ذبح النُّوق الشاردة من أنَّ الإماء راحوا يَشْوون لحمَها على الجمر، ويأكلون منها، وهو ما يؤكِّد كرمَه، إلا أنَّ قومه يرون أنه يفخر بِكَرمه من مالِ غيره؛ ولذا فقد استحكمت الأزمة الاجتماعيَّة مع قومِه.

ثم يصف معركةً من المعارك التي شارك فيها حين اشتدَّ الزحام، وعلا التهديد، وإذا هو يحمي مأوى النِّساء حيث تدور أعنفُ المعارك؛ دفاعًا عنهن، ويرفرف الموت فلا يَخشاه.

ثم يفخر بِمُشاركته في لعب الميسر، إن "طرفة" الذي استفرغ وُسْعَه في اللذَّة والمحامد كما يراها هو، وكما يتصورها هو، يزيد في مساحة الابتعاد النفسيِّ والاجتماعيِّ بينه وبين قومه، وخصوصًا أقاربه الأدنَيْن مما أحكمَ من عُقدته الاجتماعيَّة، وتفرُّدِه، حتَّى صار كما يقول هو في موطنٍ سابق من القصيدة:
وَأُفْرِدْتُ إِفْرَادَ البَعِيرِ الْمُعَبَّدِ

إن القبيلة - كما هو واضحٌ من موقفها من "طرفة" - لا تعذره، حتَّى وإن كان صاحِبَ فلسفة خاصَّة يراها جديرةً بالتقدير والاحترام، وتظلُّ تقاليد القبيلة أهمَّ لديها من كونه شاعرًا؛ لأنه لم يُصبِح لسانَ القبيلة المدافِعَ عن قِيَمِها وتقاليدها بِقَدْر ما هو شاعِرُ نفسِه، لقد امتلأ شعرُه بفلسفته الخاصة، وبمواقفه التي تنأى به عن احترام أفراد القبيلة له، إن تقدير القبيلة لمن يَنبغ منها من الشُّعراء إنما هو مرتبِطٌ بكونه لسانًا لها معبِّرًا عن قيمها، ملتزِمًا بهذه القيم.

لقد كان "طرفة" لسانَ نفْسِه، لا لسانَ قبيلتِه؛ الأمر الذي وجدنا مثيلاً له في حالة "امرئ القيس"، إنَّ أباه كان يأنف أن يكون ابنُه - وهو ابن الملك - شاعرًا من الشُّعراء؛ ولذا فقد طرده، حتَّى هام "امرؤ القيس" وراء لذَّته وعبَثِه بين أحياء العرب، باحثًا عن تلك اللذَّة الخاصة في مغامراته ومُجونه.

و"طرفة" كذلك يترك قومه أكثر من مرة، ولكنه ليس له من المال ما لـ"امرئ القيس" الذي لا شك أنَّ في مال أبيه ما يُنفق منه على لذَّته، لقد ذهب "طرفة" إلى "عمرو بن هند"؛ علَّه يجد ما يُغْنيه عن قومه، وكان من الممكن أن يصبح صعلوكًا ينقلب تمامًا على تقاليد القبيلة كبقية الصعاليك الذين تمردوا على قبائلهم وتقاليدها، وعاشوا في أطواء الصحراء للسَّلب والنهب، إلا أن "طرفة" على ما يبدو كان ما يزال يرى - رغم إفراده إفراد البعير المعبَّد - أنَّ قبيلته حِصنُه ومأواه الأخير.




إن "طرفة" يَخْلص في الوحدة السابعة من القصيدة - الأخيرة - لحِكمة من نوع خاص؛ حكمةٍ أساسُها عدم القدرة على تفسير لغز الموت؛ فهو يصوِّر عجزه أمام المستقبل وأمام الموت، وينتهي إلى الجرأة والترفُّع عن السماع لِنُصح من ينصحه:
لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي وَإِنِّي لَوَاجِلٌ
أَفِي اليَوْمِ إِقْدَامُ الْمَنِيَّةِ أَمْ غَدِ

فَإِنْ تَكُ خَلْفِي لاَ يَفُتْهَا سَوَادِيَا
وَإِنْ تَكُ قُدَّامِي أَجِدْهَا بِمَرْصَدِ

فَإِنْ مِتُّ فَانْعَيْنِي بِمَا أَنَا أَهْلُهُ
وَشُقِّي عَلَيَّ الْجَيْبَ يَا ابْنَةَ مَعْبَدِ

وَلاَ تَجْعَلِينِي كَامْرِئٍ لَيْسَ هَمُّهُ
كَهَمِّي وَلاَ يُغْنِي غَنَائِي وَمَشْهَدِي

بَطِيءٍ عَنِ الْجُلَّى سَرِيعٍ إِلَى الْخَنَا
ذَلُولٍ بِأَجْمَاعِ الرِّجَالِ مُلَهَّدِ


يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 21.85 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 21.22 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.87%)]