عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 04-06-2021, 05:11 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,819
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فلسفة الموت والحياة في معلقة طرفة بن العبد

فَذَرْنِي أُرَوِّ هَامَتِي فِي حَيَاتِهَا
مَخَافَةَ شِرْبٍ فِي الْحَيَاةِ مُصَرَّدِ

كَرِيمٌ يُرَوِّي نَفْسَهُ فِي حَيَاتِهِ
سَتَعْلَمُ: إِنْ مُتْنَا غَدًا أَيُّنَا الصَّدِي


إن هذه القسم يحتوي على الرُّؤية الفكرية الأساسية في معلَّقة "طرفة"، ويكاد يكون هو المِحورَ الذي تدور عليه كلُّ أفكار القصيدة، ورؤيتها الفنيَّة؛ إنه يُسائل مجادِلَه الذي قد يكون أخاه معبدًا، وقد يكون ابن عمِّه مالكًا، وقد يكون أي فرد من أفراد العشيرة التي تحامَتْه وتجنبته، إنه يسائل هؤلاء جميعًا الذين يلومونه على شهوده هذه اللذات سؤالاً أساسيًّا تتضمن الإجابة عليه مفتاح كلِّ تصرُّفاته ومَواقفه: "هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي؟".

وما دمت لا تملك لي الخلود، ولا تستطيع أن تدفع عني الموت؛ فدَعني أواجه الموت.
فَإِنْ كُنْتَ لاَ تَسْطِيعُ دَفْعَ مَنِيَّتِي
فَدَعْنِي أُبْادِرْهَا بِمَا مَلَكَتْ يَدِي



ثم يؤكد أساس رؤيته في بيتين:
أَرَى العَيْشَ كَنْزًا نَاقِصًا كُلَّ لَيْلَةٍ
وَمَا تَنْقُصُ الأَيَّامُ وَالدَّهْرُ يَنْفَدِ

أَرَى الْمَوْتَ أَعْدَادَ النُّفُوسِ وَلاَ أَرَى
بَعِيدًا غَدًا مَا أَقْرَبَ اليَوْمَ مِنْ غَدِ



ثم يؤكد أنه لا يرهب الموت؛ فليأت وقت ما يشاء، ولكن أشياء ثلاثة هي وراء احتفاله بالحياة:
وَلَوْلاَ ثَلاَثٌ هُنَّ مِنْ عِيشَةِ الفَتَى
وَجَدِّكَ لَمْ أَحْفِلْ مَتَى قَامَ عُوَّدِي

وَمِنْهُنَّ سَبْقِي العَاذِلاَتِ بِشَرْبَةٍ
كُمَيْتٍ مَتَى مَا تُعْلَ بِالْمَاءِ تُزْبِدِ

وَكَرِّي إِذَا نَادَى الْمُضَافُ مُحَنَّبًا
كَسِيدِ الغَضَا نَبَّهْتَهُ الْمُتَوَرِّدِ

وَتَقْصِيرُ يَوْمِ الدَّجْنِ وَالدَّجْنُ مُعْجَبٌ
بِبَهْكَنَةٍ تَحْتَ الْخِبَاءِ الْمُعَمَّدِ

كَأَنَّ البُرَيْنَ وَالدَّمَالِيجَ عُلِّقَتْ
عَلَى عُشَرٍ أَوْ خِرْوَعٍ لَمْ يُخَضَّدِ



ثم يعود إلى مخاطبة ذلك اللائم متوجِّهًا إليه بالحديث:
فَذَرْنِي أُرَوِّ هَامَتِي فِي حَيَاتِهَا
مَخَافَةَ شِرْبٍ فِي الْحَيَاةِ مُصَرَّدِ

كَرِيمٌ يُرَوِّي نَفْسَهُ فِي حَيَاتِهِ
سَتَعْلَمُ: إِنْ مُتْنَا غَدًا أَيُّنَا الصَّدِي



إن حالة الإسراف في الشراب، والإقبال على اللذَّات كلها لكأنَّها تفعل فعلها في نفس "طرفة" حين تُخرِجه عن الصحو إلى السُّكر؛ فرارًا مما ينوء به من رؤيا، خلاصتها أنَّ الموت ينهي كلَّ شيء، ولقد كانت حياة الجاهلية التي كانت معتقداتها لا ترى حياةً خلف هذه الحياة، ولا تفزع بتصوُّراتها إلى عالَمٍ مثالِيٍّ أكمل وأفضل، يتمثَّل في حياة أخرى، كانت هذه الحياة من الضيق بمكان حين ينغلق كلُّ أمل للخلود، وتصبح الحياة القصيرة على الأرض هي كلَّ ما يؤمن به الجاهليُّ، فإن ضاع ضاعَ منه إذًا كلُّ شيء، من هنا كان حرص إنسان هذه الجاهلية - يمثِّله "طرفة" - على أخذ كلِّ مُتَع الحياة، واستنفاذ كلِّ ما فيها من الملذَّات.
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 18.99 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 18.36 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.31%)]