عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 04-06-2021, 05:10 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,809
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فلسفة الموت والحياة في معلقة طرفة بن العبد

رَحِيبٌ قِطَابُ الْجَيْبِ مِنْهَا رَقِيقَةٌ
بِجَسِّ النَّدَامَى بَضَّةُ الْمُتَجَرَّدِ




مما تلحظه في هذه الأبيات ورودُ ضمير المتكلم كثيرًا؛ ففي البيت الأول "لست"، و"أنا" المقدَّرة في آخر البيت، وفي البيت الثاني "تلاقني"، وفي البيت الثالث "تبغني" وتصطد"ني" المقدرة، وفي البيت الرابع "تأتني"، و"أنا" المقدَّرة بعد "أصبحك".

وحشْدُ هذه المجموعة من ضمائر المتكلِّم يبيِّن حالة الاعتداد الذاتي عند "طرفة" بنفسه، إنه يتحدث عن نفسه بأنه لا يستخفي عن العطاء "مَتَى يَسْتَرْفِدِ القَوْمُ أَرْفِدِ"، و"وَلَسْتُ بِحَلاَّلِ التِّلاَعِ مَخَافَةً"، إنه لا يستخفي كما يفعل آخرون، كذلك فهو في موطن اجتماع القوم يُظهِر أنَّه من البيت الرفيع؛ فهو في حلقة القوم عندما تنعقد للسَّمَر، أو المفاخرة، أو الشراب، كذلك إن شئت وجدته في الحوانيت مع شرب، وإذا أتيته فإنَّ كرمه لن يبخل عليك بكأس رويَّة، فتشرب معه، حتى وإن كنت ذا غنًى عنها "فاغن وازدد".

ثم يصف صحبته "نداماي بيض كالنجوم"، وهذا هو الموطن الثالث الذي يتكلَّم فيه عن صحبته.

ثم يبدأ في وصف مجلس الشراب والجارية التي تُساقيهم وتغنِّي لهم، ثم يؤكِّد أن هذا هو حاله الذي هو مستمِرٌّ عليه، ويذكر النتيجة التي وصلت به إليها هذه الحياة اللاَّهية العابثة:
وَمَا زَالَ تَشْرَابِي الْخُمُورَ وَلَذَّتِي
وَبَيْعِي وَإِنْفَاقِي طَرِيفِي وَمُتْلَدِي

إِلَى أَنْ تَحَامَتْنِي العَشِيرَةُ كُلُّهَا
وَأُفْرِدْتُ إِفْرَادَ البَعِيرِ الْمُعَبَّدِ



لقد أصبح "طرفة" شِبه خليعٍ في قبيلته "تحامَتْني العشيرة كلُّها"، وهو يؤكِّد أن هذا قد حدث من الجميع بأداة التأكيد "كلها"؛ ليدلل على انفراده وعزلته عن مجتمعه، كما يُعزل الجمل الأجرب عن الجمال السَّليمة؛ حتَّى لا ينتقل إليها الجرب منه.



ولا شكَّ أن هذه الحال كانت تؤرِّق "طرفة"، ولعلها كانت السبب بعد ذلك في أنه عرف السفر والرحلة في طلب المال والثروة من خلال شعره أكثر من مرَّة، إلى أن قُتل في إحدى هذه السَّفرات.



ولكنْ "طرفة" هل كان تَحاميه من عشيرته سببًا في الرجوع عمَّا هو فيه؟ إنه لا يزداد إلا إصرارًا على موقفه؛ وذلك لأنه ينطلق من فلسفة خاصَّة، وهنا يبدأ القِسم الثاني من هذه الوحدة:
أَلاَ أَيُّهَذَا اللاَّئِمِي أَحْضُرَ الوَغَى
وَأَنْ أنهل اللَّذَّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي

فَإِنْ كُنْتَ لاَ تَسْطِيعُ دَفْعَ مَنِيَّتِي
فَدَعْنِي أُبْادِرْهَا بِمَا مَلَكَتْ يَدِي

أَرَى العَيْشَ كَنْزًا نَاقِصًا كُلَّ لَيْلَةٍ
وَمَا تَنْقُصُ الأَيَّامُ وَالدَّهْرُ يَنْفَدِ

أَرَى الْمَوْتَ أَعْدَادَ النُّفُوسِ وَلاَ أَرَى
بَعِيدًا غَدًا مَا أَقْرَبَ اليَوْمَ مِنْ غَدِ

وَلَوْلاَ ثَلاَثٌ هُنَّ مِنْ عِيشَةِ الفَتَى
وَجَدِّكَ لَمْ أَحْفِلْ مَتَى قَامَ عُوَّدِي

وَمِنْهُنَّ سَبْقِي العَاذِلاَتِ بِشَرْبَةٍ
كُمَيْتٍ مَتَى مَا تُعْلَ بِالْمَاءِ تُزْبِدِ

وَكَرِّي إِذَا نَادَى الْمُضَافُ مُحَنَّبًا
كَسِيدِ الغَضَا نَبَّهْتَهُ الْمُتَوَرِّدِ

وَتَقْصِيرُ يَوْمِ الدَّجْنِ وَالدَّجْنُ مُعْجَبٌ
بِبَهْكَنَةٍ تَحْتَ الْخِبَاءِ الْمُعَمَّدِ

كَأَنَّ البُرَيْنَ وَالدَّمَالِيجَ عُلِّقَتْ
عَلَى عُشَرٍ أَوْ خِرْوَعٍ لَمْ يُخَضَّدِ


يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 19.78 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 19.15 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.18%)]