عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 04-06-2021, 05:09 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,809
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فلسفة الموت والحياة في معلقة طرفة بن العبد

إِذَا أَقْبَلَتْ قَالُوا تَأَخَّرَ رَحْلُهَا
وَإِنْ أَدْبَرَتْ قَالُوا تَقَدَّمَ فَاشْدُدِ

وَتُضْحِي الْجِبَالُ الْحُمْرُ خَلْفِي كَأَنَّهَا
مِنَ البُعْدِ حُفَّتْ بِالْمُلاَء ِالْمُعَضَّدِ

وَتَشْرَبُ بِالقَعْبِ الصَّغِيرِ وَإِنْ تُقَدْ
بِمِشْفَرِهَا يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ تَنْقَدِ


إن الشاعر ينتقل من وصف الناقة الجسدي إلى وصفها المعنويِّ، في ثنايا هذا الوصف الجسدي للناقة؛ لأن كلَّ صفة من صفاتها الجسدية إنما تدلُّ على صفة معنوية فيها أصبحت هذه الناقة المثال بهذه المَنْزلة في نفس الشاعر.

إنه يصف جمجمتها بالصلابة، وعظامَها بأنَّها كأنما رُكِّبت على حرف مِبْرد مسن، كما يصف فتوتها وقد تمثلت في خدها الأملس الذي كأنه الصحيفة، وفي مشفرها المصقول كأنه الأدم المدبوغ.

ولا ينسى الشاعر أن يصف عينَيِ الناقة بأنهما في غاية النَّظافة؛ حتى إنَّهما لتطردان ما قد يصيبهما من آثار القذى، وهما في اتِّساعهما وحُسنهما، والكحل الطبيعي فيهما، كأنهما لِبَقرة وحشية، أُمِّ ولَدٍ خافت عليه، ورنت إليه مذعورة.

وكذلك أذناها اللتان تتميزان بالجدِّ، وهما منتصبتان كأذني ثور وحشي غدا وحيدًا في رملة "حومل"، ينبهه أضعف الأصوات ويفزعه، ثم يصف قلبها وأنفها، ويصف تِيهَها بقوَّتِها، وسرعتها وميلانها بذيلها كما تميل الجارية الشابَّة، ترقص أمام صاحبها في مجلس مُنادمته.

إنَّها - كما قلنا - ناقة مثاليَّة، كاملة، تمثل الحلم والمثال الذي ينشده "طرفة"، وتعوض النَّقص الذي يحسُّه "طرفة" الذي عانى ظروفًا نفسيَّة في طفولته بحرمانه من مال أبيه، كل ذلك جعله يتشبَّث بمثال كامل، فلم يجده إلا في الناقة.

إن هذه الناقة تمثل وسيلة النجاة من حياته المتعسرة تعسُّرَ السير في صحراء مقفرة، تكاد تَهلك من يسير فيها:
عَلَى مِثْلِهَا أَمْضِي إِذَا قَالَ صَاحِبِي:
أَلاَ لَيْتَنِي أَفْدِيكَ مِنْهَا وَأَفْتَدِي

وَجَاشَتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ خَوْفًا وَخَالَهُ
مُصَابًا وَلَوْ أَمْسَى عَلَى غَيْرِ مَرْصَدِ

وَتَغْدُو الْجِبَالُ الغُبْرُ خَلْفِي كَأَنَّهَا
مِنَ البُعْدِ حُفَّتْ بِالْمُلاَءِ الْمُعَضَّدِ



لقد وصف الناقة بقوله: "وَإِنِّي لَأُمْضِي الْهَمَّ عِنْدَ احْتِضَارِهِ".

وفي ختام وصفها يقول: "عَلَى مِثْلِهَا أَمْضِي".

إنها كما قلنا: رمز للحركة - الحركة النفسيَّة: "أمضي الهم"، والحركة الحسية: "على مثلها أمضي".

كما أنها رمز للحياة المثالية التي ينشدها الشاعر وعاش مهمومًا، ومحرومًا منها، كما أنها رمز للنجاة في مسالك الصَّحراء الموحشة المقفِرة حين يسير فيها، حتى إن صاحبه ليتمنَّى أن يفديه بنفسه منها، وهنا يظهر دور الصاحب مرة أخرى، إنَّ له لخِصالاً في المعلَّقة مضى منها من قبل إشفاقُه عليه، وهو يقول له مع بقية أصحابه: "لاَ تَهْلِكْ أَسًى وَتَجَلَّدِ"، ثم ها هنا يفديه بنفسه من المهالك؛ مما يؤكِّد أنَّ له مَنْزلةً خاصة في حياة طرفة، وفي مجتمع لا يتصف بالكثرة العددية تصبح الصداقة والصُّحبة والألفة ذات معنى كبير.

إن العناصِر التي مرَّتْ في القصيدة هي مفردات حياة العربي الصحراوي: "الأطلال - الصحراء - الصحب - المرأة - الظِّباء - الناقة - ..."، هذه المفردات مع ما سيأتي منها هي كل ما يوجد في حياة العربي الصحراوي الجاهلي، ولا غرابة في أن تحتشد كلها في إطار وحدة نفسيَّة وفكرية وفنية واحدة، ولا يكون ذلك إخلالاً بالوحدة النفسيَّة والفكرية والفنية في القصيدة.

إنَّ القصيدة - وقد قسَّمناها إلى وحدات سبعٍ - تسير في نسق فكري واحد، يمثِّل فلسفة "طرفة"، ورؤيته للكون والحياة والإنسان، هذا النسق الذي يختلف مثلاً عن النَّسَق الذي يوجد في معلقة "امرئ القيس"، ويختلف عن النسَق الفكري الذي تحتويه معلقة "زُهير"، وعن النسق الفكري في معلقة "لبيد"... وهكذا.

وفي الوحدة الرَّابعة من وحدات هذه المعلقة: يأتي حديث الشاعر نفسه، إنه حديث مُختلط بالفخر وبتصوير مفردات حياته التي أوصلته إلى الأزمة بينه وبين عشيرته، وذلك في القسم الأول من هذا المقطع، إنه يتحدث في القسم الأول منه عن حياته وصورتها كما هي، أو كما يراها هو، وفي القسم الثاني يتحدث عن فلسفة اللذة التي يُفني نفسه فيها، وهي فلسفة ترى في اللذَّة تعويضًا عن الموت، ثم في القسم الثالث يحدِّثنا عن الموت، ويلخِّص حكمته بشأنه.

إنه يقدم نفسه هكذا:
إِذَا القَوْمُ قَالُوا: مَنْ فَتًى؟ خِلْتُ أَنَّنِي
عُنِيتُ فَلَمْ أَكْسَلْ وَلَمْ أَتَبَلَّدِ



إنه يشعر في قرارة نفسه أنه المعني بكل نداء إلى المكرمات والشرف، ولذا فهو لا يكسل عن النداء، ولا يتبلد بل إنه ليخيل لسامعه أنه كذلك في كل مكان يمكن أن تجده؛ لأنه لا يختبئ مخافة فعل المكرمات:
وَلَسْتُ بِحَلاَّلِ التِّلاَعِ مَخَافَةً
وَلَكِنْ مَتَى يَسْتَرْفِدِ القَوْمُ أَرْفِدِ

وَإِنْ تَبْغِنِي فِي حَلْقَةِ القَوْمِ تَلْقَنِي
وَإِنْ تَقْتَنِصْنِي فِي الْحَوَانِيتِ تَصْطَدِ

مَتَى تَأْتِنِي أَصْبَحْكَ كَأْسًا رَوِيَّةً
وَإِنْ كُنْتَ عَنْهَا غَانِيًا فَاغْنِ وَازْدَدِ

وَإِنْ يَلْتَقِ الْحَيُّ الْجَمِيعُ تُلاَقِنِي
إِلَى ذِرْوَةِ البَيْتِ الكَرِيمِ الْمُصَمَّدِ

نَدَامَايَ بِيضٌ كَالنُّجُومِ وَقَيْنَةٌ
تَرُوحُ عَلَيْنَا بَيْنَ بُرْدٍ وَمَجْسَدِ
يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 21.63 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 21.00 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.90%)]