تصورات مغلوطة وسبل علاجها (6/7)
د. مشعل عبدالعزيز الفلاحي
في الحلقة الخامسة من هذه التصورات، أكَّدنا على المفهوم الصحيح لإدارة الصف، وبينَّا هناك أن إدارة الصف تعكس في آن واحد قدرةَ المعلم ودرجة تأثيره في نفوس طلابه أثناء سير الحصة، وتعكس أثَرَ هذه القدرةِ في متعة الطالب باللقاء، واستمتاعه بما يصل إليه من معارف، وخلصنا إلى أن حبس الطلاب عن الحديث والحركة، والسؤالِ والنقاش، أحدُ المفاهيم التي أسهمتْ في شل حركة التربية والتعليم بشكل ملحوظ.
واليوم نناقش السؤال السادس:
هل يقتصر دور المعلم على إلقاء المعلومة والانتهاء منها في زمن الحصة؟
إن الممعن بصدق في القضية يجد أن تقصير الزميل لدوره في إلقاء المعلومة والانتهاء منها، هو الواقع لدى جموعٍ غفيرة داخل الميدان التربوي؛ بل أضحى الحرص على إيصال هذه المعارف مجردة هو الهمَّ الذي يشغل المعلمَ داخل حصته، فتراه يجمع قواه في تحقيق هذه الغاية، ويجهد في إيصال كل ما حفل به الكتاب إلى ذهن الطالب، وحين ينتهي المعلم من آخر مفردة في المنهج تجده أَسَرَّ ما يكون، ويشعر بروح الإنجاز، وبتحقيق الهدف، وقد يعلن هذا الإنجاز أمام الزملاء، ويرى أن هذا في حد ذاته مؤشر على النجاح، ودليلٌ على الجدية، وانتهى بذلك دوره الذي جاء المدرسةَ من أجله، وتحقَّقت الأمانة التي يشعر بأنها كالسياط على ظهره، وهذا المفهوم قد لا أكون مبالغًا إذا قلت: إنه السبب الأكبر في ضياع أجيالنا، وخسارتنا لموضع الرهان بين الأمم في المستقبل.
إننا بحاجة ماسة أن ندرك اليوم أن هذه المعرفة مجردُ وسيلة للبناء، وأننا مع حاجتنا إليها، وضرورة الاهتمام بها؛ إلا أنها تصبح شلاَّء لا فائدة منها، إذا فقدت آثارَها في التأثير والبناء.
كم نحن بحاجة إلى أن نتأمل في آثار المعرفة، وأهدافها التي سيقت من أجلها في درسٍ ما، والإمعان في النتائج التي يمكن أن تتحقق من تلك الآثار، وحين نعيد النظر فيها، ونتأمل ما الهدف من وجودها في صف معين، وفي مرحلة محددة - نكون قد وضعنا أيديَنا وأعيننا على معقد الخيط الذي يفكُّ عقد الحقيقة التي نبحث عنها.
إنني على يقين تام أنه متى أدركنا الهدف من هذا الكم الهائل من المعارف، نكون قد أدركنا بقوة سببَ وجودِنا كمعلمين داخل هذه المدارس، وأدركنا أن المعرفة تكمن أهميتُها الحقيقية في نُقلة هؤلاء الأفراد من الواقع الذي يعيشونه، إلى واقعٍ أمثلَ وأفضل على مستوى أنفسهم، ووطنهم، وأمتهم.
إن ما يقدم في حجرة الصف بحاجة إلى إعادة نظر وتأمل، وترتيبٍ وتنظيم، وقبل ذلك هو بحاجة إلى فهم الهدف منه أولاً، وكيفية الوصول به إلى حقائقه التي ما زالت غائبة عنه.
إنني أقول هنا، وأعتبر نفسي مسؤولاً بين يدي الله - تعالى - يوم القيامة، ومسؤولاً أمانة عن نماء هذا الوطن: إن الحصة الدراسية إذا لم يتغيَّر وضعها عن الوضع الحالي، فسنكون متسببين جميعًا في ضياع أبناء الأمة دون تحفُّظ، ولا أدلَّ على كلامي اليوم من هذا النفور الكلي من المدرسة، ومن هذا العداء الخطير بين العلم وطلابه.
وإلى هذه اللحظة التي يخطُّ فيها قلمي حديثَ القلب إلى الميدان التربوي، لم يهنأ بعدُ بما يريد داخل حجرة الصف، فكيف إذا قلت: إن مشكلتنا الكبرى مع حامل الرسالة ليستْ في الحصة؛ وإنما هي في انحصار دوره داخل حجرة الصف فحسب، ثم لا يعنيه بعد ذلك لو احترقَتِ القيمُ كلُّها في فناء المدرسة؟!
إن هذا الخصامَ بين دور المعلم داخل الحصة وخارجها هو أحد الأسباب في التشوهات التي نراها في مستويات أبنائنا الخلقية والقيمية والعملية، وأعتقد جازمًا أن دور المعلم التربوي أكبرُ مما نراه، وأعظم مما نشاهده، وأن المسؤولية بين يدي الله - تعالى - لا تعفيها حصة، مهما كانت جلبتنا فيها كبيرة.
وأخيرًا:
إن دور المعلم الحقيقي جزآن:
الجزء الأول منه: في الحصة الدراسية المشبعة بالقيم، المليئةِ بالمعاني الكبيرة، الثريةِ بالتطبيق، الحصة التي تردم الفجوة بين المعرفة وتطبيقاتها العملية.
والجزء الثاني منه: في استشعار المعلم لدوره ككل، وقيامه بواجبه التربوي في كل لحظة من لحظات حياته، داخل فناء تلك المدرسة على الأقل.
وحين يكتمل هذان الجزآن، أعتقد أننا سنرى أجيالاً غير التي نراها اليوم، وأعتقد أننا سنرى النور الذي تمثِّله هذه الأجيال في حياة وطنها وأمتها، وليس ذلك بالبعيد - إن شاء الله تعالى.