واعلم أن الفقه أنواع:
أحدهما: معرفة أحكام الحوادث نصاً واستنباطاً، وعليه صنف الأصحاب تعاليقهم المبسوطة على مختصر المزنى.
والثاني: معرفة الجمع والفرق، وعليه جل مناظرات السلف حتى قال بعضهم: الفقه فرق وجمع، ومن أحسن ما وصف فيه كتاب الشيخ أبي محمد الجويني، وأبي الخير بن جماعة المقدسي، وكل فرق بين مسألتين مؤثر ما لم يغلب على الظن أن الجامع أظهر.
قال الإمام - رحمه الله -: "ولا يكتفي بالخيالات في الفروق، بل وإن كان اجتماع مسألتين أظهر في الظن من افتراقهما وجب القضاء باجتماعهما، وأن انقدح فرق علي بعد".
إلى أن قال: فائدة:
كان بعض المشايخ يقول: "العلوم ثلاثة علم نضج وما احترق وهو علم الأصول والنحو، وعلم لا نضج ولا احترق وهو علم البيان والتفسير، وعلم نضج واحترق وهو علم الفقه والحديث".
وكان الشيخ صدر الدين بن المرحل - رحمه الله - يقول: "ينبغي للإنسان أن يكون في الفقه قيماً، وفي الأصول راجحاً، وفي بقية العلوم مشاركاً"[31].
((تطور الفقه))
من المعلوم أن الأصل الأول للفقه هو القرآن الكريم الذي أنزله الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان... لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. والأصل الثاني هو السنة النبوية وهي مجموعة أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله وتقريراته، فهذان الأصلان لا خلاف فيهما[32].
وكل الأصول الأخرى راجعة إليهما من إجماع وقياس واستدلال وهو كما يقول علماء الأصول دليل ليس بكتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس كاستصحاب الحال، وشرع من قبلنا والاستحسان عند الحنفية والمالكية والمصالح المرسلة[33].
وأنواع هذا الدليل ليست موضع اتفاق بين العلماء، ذكرنا هذه المصادر كتوطئة لتطور الفقه، لأن التطور الزمني للفقه كان نتيجة لتسلسل ظهور هذه الأدلة وبروزها، والمكانة التي أخذتها في التشريع.
فالطور الأول: هو طور نزول الوحي وحياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو طور تأسيس الشريعة، وكمال العقيدة، واقرار أصول الحلال والحرام اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي... الآية.
((وإن الحلال بين وإن الحرام بين... )) الحديث.
فهذا الطور من مبعث سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى وفاته، وهي فترة الوحي أي نزول القرآن الكريم، وتلقى السنة المطهرة عنه - صلى الله عليه وسلم -. ثم جاء عصر الصحابة - رضي الله عنهم - الذي امتد ما يناهز القرن، وانتشر الإسلام، وتفرق الصحابة في شتى الأقطار والأصقاع ينشرون الإسلام بين أقوام مختلف الأعراق والأعراف والطباع فاعترضتهم قضايا فقهية بعضها يمس أنظمة الدولة الإدارية والمالية كقضايا الأراضي المفتوحة والتي أصبحت فيما بعد خراجية ومشكلات دون ذلك كميراث الجد مع الأخوة.
إلا أن مركز الدولة واهتمام الخليفة شخصياً بالقضاء والفتوى سهل الإجماع في كثير من المسائل، حيث يجمع الصحابة عند النازلة فيستشيرهم فيجمعون على أمر، فيصبح إجماعهم امراً لا معقب له وحجة على القرون من بعدهم.
وقد لا يجمعون فيظل باب الإجتهاد مفتوحاً في وجه من بعدهم، وبروز أهمية الإجماع في التشريع يُمثل الطور الثاني من أطوار الفقه وما كان لهذا التطور أن يحدث في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن الإجماع في عهده غير ممكن لنزول الوحي فالحجة في حياته - صلى الله عليه وسلم - هي القرآن والسنة، فالمرجع الوحيد في النوازل هو النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وفي الطور الثاني الذي يمثله عهد الصحابة رضوان الله عليهم برز القياس وظهرت بوادره الأولى في قياس الشارب على القاذف عند من أثبته. إلى غير ذلك من المسائل التي احتاج الصحابة فيها إلى إعمال أوجه الرأي، وتقليب أوجه النظر، كحادثة الوباء في الشام الطاعون التي وقع فيها الحوار بين عمر بن الخطاب وأبي عبيدة - رضي الله عنهما - واختلف الصحابة عليهما، فأيدت طائفة رأي عمر، وأيدت أخرى رأي أبي عبيدة حيث قال لعمر: أفراراً من قدر الله؟ فقال له عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة: نعم: فراراً من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كانت لك إبل في واد له عدوتان إحداها خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ وإن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله[34].
ولم ينكر أحد عليهما استعمال الرأي والقياس.
وكان ذلك قبل أن يأتي عبد الرحمن بن عوف بحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وتنامى القياس في عصر التابعين، وتابعي التابعين، فظهر أئمة الفتوى في هذا العصر، ونضجت الآراء التي نقلت عن الصحابة، وتكونت مدارس متعددة على هدى الاجتهادات، المختلفة، وتباينت هذه المدارس لا في الفروع فقط ولكن أيضاً في نظرتها إلى الأصوال التي تؤخذ منها الأحكام، هذا التباين ليس ناشئاً فقط عن تفاوت أصحابها في فهم القرآن والاطلاع على السنة، فهم متفاوتون فعلاً في ذلك، فقد يطلع بعضهم على ما لم يطلع عليه غيره، ويصح عنده ما لم يثبت عند غيره. ولا بسبب اختلافهم في تفسير النصوص من الناحية اللغوية فحسب. فقد اختلفوا في ذلك ولكن الاختلاف قد ينشأ بسبب تقدير بعضهم لأهمية دليل على حساب آخر، مما يوجد اختلافاً في ترتيب الأدلة من إمام إلى آخر، فيحكم هذا برجحان دليل يحكم غيره بكونه مرجوحاً، فعلى سبيل المثال أبو حنيفة النعمان بن ثابت يمنع العمل بخبر الآحاد في قضايا عموم البلوى، وهي القضايا التي يحتاج إليها كل الناس حاجة ماسة تقتضي السؤال عنها لكثرة تكررها، وقضاء العادة بنقل الخبر فيها متواتراً كما نقل الكمال بن الهمام[35] وخالفه الجمهور فسميت مدرسة أبي حنيفة بمدرسة الرأي.
وعلى العكس من ذلك فإن الإمام أحمد يفضل الحديث الضعيف على الرأي، ويجب أن نشير إلى أن هذا الضعف يجب ألا يصل درجة البطلان أو النكارة، فهذا لا يحتج به الإمام أحمد كما يقول الإمام ابن القيم[36].
مما جعل مدرسته تسمى مدرسة أهل الحديث..
والإمامان مالك والشافعي أقرب إلى مدرسة أهل الحديث مع إختلاف أيضاً بين مالك وغيره في تقديم عمل أهل المدينة على غير الواحد في القضايا التي تدعو الحاجة إلى انتشارها بين الناس[37]. وكذلك فإن مذهبه عرف عنه الأخذ بالمصالح المرسلة، وسد الذرائع وإعطاء الوسائل في كثير من الحالات حكم المقاصد.
وهذا هو الطور الثالث الذي انتهى إليه تطور التعامل مع النصوص، وكان من نتيجته ميلاد أصول الفقه، التي تهدف إلى وضع ضوابط من شأنها أن تؤصل كيفية التعامل مع الكتاب والسنة، في استنباط الأحكام واستخراج المسائل، فاهتمت بدلالات الألفاظ الشرعية وتعريف الأحكام والمفاهيم وتعريف الأدلة الأصلية والفرعية، والتعادل والتراجيح[38].
أما الطور الرابع: فهو اقتصار كثير من الفقهاء على تقليد مذهب معين لا يجيزون لأنفسهم الخروج عنه، ولا الاقتباس من خارجه مما عطل نمو الفقه بمعنى الاستنباط، والتعامل مع المشكلات المتجددة في ضوء النصوص الشرعية، والأقيسة المطابقة للمعايير المقررة.
فقد آثرت أن أقسم تطور الفقه على ضوء تطور التعامل مع النصوص وبروز نوع من الأدلة بشكل أكثر ظهوراً في فترة معينة لأن ذلك هو حقيقة التطور الذي على ضوئه يمكن تقويم الحركة الفقهية بشكل أكثر وضوحاً.
وقد تعرض بعض المؤلفين في هذا العصر لأطوار الفقه فقسمها تقسيماً مشابهاً إلا أنه ليس مماثلاً في منطلقاته تماماً للتقسيم الذي ذكرته آنفاً.
فمن هؤلاء على سبيل المثال محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي الفاسي، في كتابه الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي.
وكذلك المستشرقة: بوجينا غيانة في كتابها تاريخ التشريع الإسلامي، فقد قسم الفاسي أطوار الفقه إلى أربعة أطوار:
الأول طور طفولة الفقه وهو من أول بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى وفاته.
والثاني سماه طور الشباب وهو زمن الخلفاء الراشدين إلى آخر القرن الثاني.
والثالث سماه طور الكهولة إلى آخر القرن الرابع.
والرابع سماه طور الشيخوخة والهرم وهو ما بعد القرن الرابع إلى زمانه مبيناً الأسباب الموجبة لتلك التطورات، مقدماً أمام كل قسم ملخص التاريخ السياسي لتلك المدة في الأمم الإسلامية بالإجمال[39].
هذا كلامه في مقدمته وهو كلام قد يكون مقبولاً لولا وصفه لطور النبي - صلى الله عليه وسلم - بطور الطفولة، فهو خطأ في العبارة وغلط في المضمون، فلو أطلق عليه كما أطلقنا طور التأسيس والكمال لكان أولى وأحق.
وأما المستشرقة بوجينا غيانا في كتابها تاريخ التشريع الإسلامي فقد تعرضت للأطوار الأربعة بشكل يختلف قليلاً عن سابقه إلا أنها في نهاية التقسيم وصلت إلى ستة أطوار:
فتقول:
في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان المرجع الأول، والأخير في أمور الدين...
ثم ذكرت الطور الثاني.
وهو ما بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت الإجماع والقياس...
وذكرت جماعة من الصحابة ممن اشتهر بالفقه كالخلفاء الأربعة وذكرت الطور الثالث وهو عهد التابعين.
وذكرت الطور الرابع وهو طور التقليد، وطور الشيخوخة إلا أنها أوضحت أن بعض العلماء لم يرضخوا للتقليد ودعوا إلى الاجتهاد والتجديد وسمت ثلاثة منهم: العلامة ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية/ والشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله - تعالى -وأثنت على دعوتهم.
إلا أنها وصلت في النهاية إلى ستة أطوار:
1 - التشريع في عهده - عليه الصلاة والسلام -.
2 - في عهد الخلفاء الأربعة.
3 - بعد هذا العهد إلى أوائل القرن الثاني.
4 - من أوائل القرن الثاني إلى منتصف القرن الرابع.
5 - من منتصف القرن الرابع إلى سقوط بغداد 656هـ.
6 - التشريع من سقوط بغداد إلى الآن.
هذا التقسيم أخذته من الشيخ محمد الخضري بك في كتابه تاريخ التشريع الإسلامي وأخذت تقسيمها الرباعي من الحجوي والأستاذ عبد الوهاب خلاف تاريخ التشريع الإسلامي لبوجينا من ص24 إلى ص33.
وفي العصر الحديث ظهرت بوادر مشجعة تشير إلى تنامي الوعي الفقهي، وظهور روح اجتهادية شوروية تعتمد على المجامع الفقهية التي أنشئت هنا وهناك وبدون أن أعلن تسمية ما يصدر عنها بإجماع فإنه يمكن أن يسمى بفقه جماعي، أو أن أطلق عليه فقه الشورى انطلاقاً من الأمر بالشورى الوارد في القرآن وما ورد في الخبر الذي رواه الطبراني بسنده يرفعه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفيه كيف نفعل في أمر لم نجده في كتاب الله ولا سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
فقال: سلوا الصالحين واجعلوه شورى[40].
وفيه عبد الله بن كيسان وضعفه الجمهور، والضعيف يحتج به عند بعضهم في فضائل الأعمال بشروط والشورى من فضائل الأعمال.
وكذلك فإن ظهور موسوعات فقهية بدأت بمحاولة في الشام صدر قرار إنشائها سنة 1956م.
وبعدها الموسوعة المصرية، والموسوعة الكويتية وهي في طور التحرير والموسوعة الأردنية في طور النشوء وغيرها.
وكذلك قامت دعوات إلى تدريس في الفقه في الجامعات القانونية صادرة من مؤتمرات قانونية، كتلك الصادرة عن الندوة الأولى لعمداء كليات الحقوق بالجامعات العربية التي انعقدت في أبريل سنة 1973م، ببيروت.
أو الندوة الثانية لعمداء كليات الحقوق في العالم العربي التي انعقدت في بغداد سنة 1974م.
إلى غير ذلك من المؤتمرات كمؤتمر وزراء الداخلية والعدل، في الجامعة العربية.
هذه كلها مؤشرات للتطور الحديث الذي تشهده ساحة العودة إلى الفقه متمثلة في المجامع والموسوعات والندوات والمؤتمرات، وإذا ساعده ظهور بعض الدوريات والمجلات فإن من شأن ذلك أن يقدم ثروة لا يمكن تقديرها لفائدة فقهنا الإسلامي.
((مكانة الفقه))
مكانة الفقه بمختلف معانيه السابقة، مكانة منيفة ومنزلة شريفة، ولقد ذكرنا من الأحاديث عند كلامنا على معناه ما فيه كفاية، إلا أننا نضيف هنا بعض الإشارات إلى أهمية تعلم الفقه:
أولاً: قوله - تعالى -في سورة التوبة: وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين... الآية.
ففي هذه الآية إشارتان لطيفتان:
الأولى: إن هذه الآية جاءت بعد قوله - تعالى -: ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله الآية.
وهي تحض على النفير للجهاد، ثم قوبلت بآية تحض على النفير للتفقه في الدين، أو القعود عن النفير للتفقه حسب أوجه التفسير المعروفة في الآية.
وهذا يدل على أن طلب العلم والتفقه في الدين فرض كفاية.
الثانية: كلمة التفقه تدل على بذل الجهد، والتكلف والوسع في طلب الفقه كما يدل على فضل طلب الفقه.
حديث: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين))[41].
وفي الحديث: ((ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في دين، ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد، ولكل شيء عماد وعماد هذا الدين الفقه)).
والحديث ((خير دينكم أيسره، وأفضل العبادة الفقه)) أخرجه بن عبد البر من حديث أنس بسند ضعيف[42].
والحديث: ((إنكم أصبحتم في زمان كثير فقهاؤه قليل قراؤه وخطباؤه قليل سائلوه كثير معطوه، العمل فيه خير من العلم، وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه كثير خطباؤه، قليل معطوه كثير سائلوه، العلم فيه خير من العمل))[43]... رواه الطبراني من حديث حزام بن حكيم عن عمه وقيل عن أبيه وإسناده ضعيف... وأخرجه أبو عمر بن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله.
وأخرج أبو عمر موقوفاً على ابن هريرة: لأن أجلس ساعة فافقه في ديني أحب إلي من أن أحيي ليلة إلى الصباح.
وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: ما عبد الله بمثل الفقه[44].
ولذلك جزم العلماء بأن الفقه أفضل العلوم[45].
ففضائل الفقه لا تحصى، ومزاياه لا تعد.
قال الحجوي: "الأمة الإسلامية لا حياة لها بدون الفقه، ولا جامعة تجمعها سوى رابطة الفقه وعقيدة الإسلام، ولا تتعصب لأي جنس فهي دائمة بدوام الفقه، ومضمحلة باضمحلاله".
إلى أن يقول: "فالفقه الإسلامي من مفاخر الأمة الإسلامية، كيف لا... وهو مؤسس على روح العدل والمساواة واحترام الملك لذوبه... وإحترام النواميس الطبيعية، وقد اعتبر درء المفاسد، كمقدمة على جلب المصالح، وسد الذرائع، والمصالح المرسلة، ولا ضرر ولا ضرار، وتقديم الأهم على المهم[46] وبنيت أحكامه على مصالح العباد وعلى التسهيل والتيسير يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر الآية".
الخلاصة
بعد استعراضنا أقوال العلماء حول تعريف الفقه لغة واصطلاحاً وتطور الفقه سواء من الناحية المصطلحية أو من ناحية المضمون ومكانة الفقه يمكن أن نستخلص ما يلي:
أولاً: كلمة الفقه في اللغة تعني الفهم والفطنة والإدراك، والعلم عند أكثر علماء اللغة وهي معان متقاربة ومتجاورة بعضها بالأصالة وبعضها بالتبعية.
فالفهم هو الأصل والعلم بالتبع من باب التعبير عن اللازم بالملزوم، فالعلم يلزم منه الفهم والفقه أيضاً هو فهم خفايا الأمور وخباياها.
والفقه يرجع في أصل معناه إلى الشق والفتح عند بعض اللغويين وهو قول تعرضنا له بالنقد والتمحيص.
كلمة الفقه تطورت من أصل في الجاهلية: هو فحل فقيه أي فطن يميز النوق الحوامل من الحوائل. إلى رجل فقيه أي فطن في الدين عالم بأسراره وفقيه أي مجتهد مستنبط للأحكام.
وأخيراً إلى فقيه حافظ لبعض المسائل الفقهية ولو لم يكن مجتهداً للفقه عند أكثر الأصوليين معنى قائم بالفقيه وهو العلم الحاصل له بأحكام الشريعة عامة منصوصة أو مستنبطة وهو قول جيد رجحه ابن عابدين.
علم حاصل عن طريق الأدلة القطعية وهو قول الكمال بن الهمام وقول إمام الحرمين في البرهان.
علم حاصل عن طريق الاستنباط والاجتهاد وهو قول السمرقندي وإمام الحرمين في الورقات وشارحاه العبادي والمحلي.
علم بالأحكام الشرعية العملية مكتسب من طريق الأدلة التفصيلية وهو قول تاج الدين بن السبكي وشروحه والغزالي في المستصفى والسمة المشتركة بين هؤلاء جميعاً أن الفقه هو صفة للفقيه وليس شيئاً مستقلاً عنه.
علم قائم بذاته وليس وصفاً قائماً بالمجتهد وهو علم من علوم الشريعة من عبادات ومعاملات وحدود، فالفقه هو نفس الأحكام وليس مجرد العلم بها على حد تعبير الشيخ مصطفى الزرقاء[47].
الفقه علم شامل للعقيدة والمعاملات والعبادات مرادف لعلم الدين، وهذا إطلاق كثير في كلام المتقدمين وهو الحقيقة الشرعية للفقه وهو الذي يجب المصير إليه وهو الحق إن شاء الله، فالحديث يقول:... ورب حامل فقه... وهو عام في الكتاب والسنة فقد يكون المحمول عقيدة كما قد يكون أحكاماً عملية فتخصيصه ببعض أفراده إنما هو تخصيص عرفي مصطلحي وقد نبه العبادي على أن هذا التخصيص ليس، مصطلحاً شرعياً وإنما هو مصطلح أصولي على أنه تردد في آخر كلامه.
وإنما تصرف الأصوليون في كلمة الفقه بالتخصيص ليصلوا بذلك إلى تعريف الفقيه وهو المجتهد الذي يتصف بالملكة الراسخة والفهم الصائب الذي ينفذ من خلاله إلى أغوار الشريعة فيدرك حكمها ومراميها يحمل النظير على النظير ويعرف حكم المفهوم من المنطوق، بصيراً بموارد الشريعة ومقاصد الشارع.
فهذا الذي يوصف بأنه فقيه أهل للاستنباط وعلمه القائم به هو الذي يوصف بأنه فقه وكأنهم أخذوا ذلك من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ((رب حامل فقه غير فقيه))، فإنه يدل على أن الفقيه الكامل لابد أن يتصف بوصف زائد على التحمل كما يدل من جهة أخرى على إطلاق الفقه على رواية سائر علوم الدين.
وفي الختام فإن الفقه قد مر بأدوار وأطوار اقتضتها طبيعة الزمان وضرورة الأوان فخرج منها منتصراً وعلى مشاكلها مقتدراً وهو علم له منزلة رفيعة في معارج علوم الشريعة من أوسعها وأكثرها فائدة وأغناها وأطيبها مائدة فهو بحر لا يدرك له ساحل ومعين لا ينضب وفيه حل لكل مشاكل المعاملات ومسائلها يحافظ على الثوابت ويستوعب المتغيرات مرونة في غير ميوعه وثباتاً في غير جمود. دائم العطاء متسع الأرجاء فكيف وأصله الذي يستمد منه مادته وينال بفضله ديمومته كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وسنة نبيه الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً... وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين...
ــــــــــــــــــــ
[1] تاج العروس للزبيدي، جـ9، ص402.
[2] الفتح/ 1/ ص165.
[3] مقاييس اللغة 4/442 جـ21 تحقيق عبد السلام محمد هارون، مصطفى البابي الحلبي.
[4] الزمخشري، الفائق، البابي الحلبي، جـ3، ص134.
[5] (تاج العروس) للزبيدي جـ9 ص402.
[6] الزمخشري، الفائق، البابي الحلبي، جـ3، ص134.
[7] عن نشر البنود على مراقي السعود للشنقيطي 1/115.
[8] نفسه ص111.
[9] المرجع السابق ص19، ويراجع إرشاد الفحول للشوكاني ص16.
[10] إعلام الموقعين 1/219.
[11] موسوعة الفقه المصرية.
[12] التاج 7/49.
[13] التاج 1/144.
[14] هود الآية 91.
[15] الإسراء الآية 44.
[16] الإنعام من الآية 65.
[17] الفتح 1/164 165.
[18] الموافقات للشاطبي 1/5 إلى آخر القصة.
[19] فيض القدير على الجامع الصغير المناوي جـ6.
[20] الفتح 1/164 165.
[21] القرطبي 8/296.
[22] نفسه...
[23] الموسوعة المصرية 1/11 مع تصرف.
[24] البرهان 1/85 86.
[25] الموسوعة المصرية، ص11 وما بعدها.
[26] ميزان الأصول قطر، ص9 10.
[27] الموسوعة المصرية، 1/60.
[28] إرشاد الفحول 12، 13، 14 انتهى منقولاً بالمعنى وباختصار شديد.
[29] نشر البنود 1/19 ومن المعلوم أن الشنقيطي يعتمد في نظمه غالباً على جمع الجوامع لابن السبكي، ولفظ جمع الجوامع (والفقه العلم بالإحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية) جـ1، ص32 33 بشرح المحلي وحاشية البنان.
[30] إحياء علوم الدين. جـ1، ص28.
[31] بدر الدين الزركشي، المنثور في القواعد، تحقيق الدكتور: تيسير فاتق أحمد محمود، ط1، 1402هـ، نشر: وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية الكويت، جـ1، ص67 72.
[32] يرجع إلى مقدمات ابن رشد الكبير، ص14.
[33] الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، محمد بن حسن الثعالبي الفاسي، ص22.
[34] المقدمات الكبرى لابن رشد، ص20 21.
[35] التحرير والتحرير 2/295.
[36] إعلام الموقعين 1/31، 77.
[37] المدارك للقاضي عياض 1/68 و71.
[38] يراجع في هذا المحلى على جمع الجوامع للسبكي 1/ص23، وما بعدها.
[39] محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي الفاسي، مقدمة كتابه السابق الذكر.
[40] الغزالي إحياء علوم الدين، تعليقات الزين العراق على الأحياء. جـ1 ص20 مطبعة دار الكتب الكبرى.
[41] يراجع في ذلك كله: القرطبي في التفسير 8/294 295، والتحرير والتنوير لابن عاشور 11/61 62.
[42] الطبراني في الأوسط، وأبو بكر الآجري في فضل العلم، وأبو نعيم في رياضة المتعلمين من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف الزين العراقي على الإحياء ص7.
[43] نفسه.
[44] جامع بيان العلم وفضله: 24.
[45] التحرير والتنوير 11/62.
[46] الحجوي ص14.
[47] المدخل الفقهي جـ1، ص60.