عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 30-05-2021, 03:07 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,897
الدولة : Egypt
افتراضي رد: أطفالنا والمكتبات


ومِن المكتبات المُرتبِطَةِ بالمكتبات المدرسيَّة: ما يُسمَّى بـ"مكتبات الفُصول"، وهي مكتباتٌ صغيرةُ الحجمِ، تُؤسَّس داخلَ الفُصولِ الدِّراسيَّة، وخاصَّةً في المدارسِ الابتدائيَّة، تتكون مُحتوياتُ هذه المكتباتِ الفَصليَّةِ - غالبًا - مِن الموادِّ التي يَحتاجُها المُدِّرسون للتَّدريسِ؛ لكنَّها مع ذلك تَشتَمِلُ على بعض الكتب التي يُفضِّل الأطفالُ قراءتَها.

مُقتنياتُ مكتباتِ الفُصولِ مُتغيِّرةٌ؛ إذ تقومُ المكتبةُ المركزيَّةُ بالمدرسةِ بتجديدِ مُحتوياتِها وتحديثِها بين حينٍ وآخَرَ حَسبَ الحاجةِ، تُمثِّلُ مكتباتُ الفُصولِ أهميةً خاصَّةً في المدارس؛ إذ هي تُخفِّفُ العِبءَ عنِ المكتبة المركزيَّة، وتُقدِّم لطُلاَّبِ الفَصلِ بعضَ الخِدْماتِ التي تُقدِّمها المكتبةُ المركزيَّةُ بالمدرسة، إنَّ مكتباتِ الفصول تُساهم كثيرًا في خِدمة الطُلاَّب والمدرسين؛ لكنَّها مع ذلك لا تُغني أبدًا عنِ المكتبة المركزيَّة التي يَجِبُ ألاَّ تَخلُوَ منها أيُّ مدرسةٍ.

رابعًا: مَكتباتُ الأَندِيةِ:
يَتوفَّرُ في المملكة العربيَّة السُّعودية وفي غيرِها مِن دُولِ العالَم العربيِّ الكثيرُ مِنَ الأنديةِ الأدبيَّة والرِّياضيَّة؛ وفي مُعظمِها - إنْ لم يكنْ كلّها - مكتباتٌ، وقد تكون مكتباتٍ جَيِّدَةً، إلاَّ أنَّ المكتباتِ الموجودةَ في هذه الأنديةِ لا تَهتمُّ كثيرًا بالأطفال؛ فهي وإنْ راعتْ إلى حدٍّ مَا مُيولَ بعضِ الشَّباب واهتماماتِهم، مِمَّن يَنتمُون إلى ما يُسمَّى بالطُّفولة المُتأخِّرَة، إلاَّ أنَّها لا تَحسِب حسابًا يُذكَر للأطفال الصِّغار، كما أنَّ الَّذين يستفيدون مِن مكتبات الأنديةِ - وهم مع الأسف قِلَّةٌ - هُم مِن الذُّكور فقط؛ أمَّا الإناثُ فليس لهنَّ - كما يبدو - نصيبٌ يُذكر في هذه المكتبات.
مِن هنا؛ فإنَّ وَضْعَ مكتباتِ الأنديةِ الأدبيَّةِ والرِّياضيَّة يحتاج إلى إعادة نظرٍ؛ إذ مِن غَيرِ العدل والإنصاف، ومِن غَيرِ المفيد أيضًا تُجاهُلُ احتياجاتِ شرائحَ مهمةٍ وكبيرةٍ مِنَ المجتمع واهتماماتِها، وخاصَّةً الأطفالَ، مِن هنا فإنَّه ينبغي تَفعيلُ دَورِ هذا النَّوْع مِنَ المكتبات، وتوسيعُ خِدْماتِها وأنشطتِها؛ لتشملَ الأطفالَ مِنَ الجِنسينِ ومِن جميع الأعمار.

إنَّ اقتصارَ خِدْماتها على شريحةٍ مُعينةٍ مِنَ المجتمع، وإهمالَ الشرائحِ الأخرى رَغمَ أهمِّيَّتِها وكِبَرِ حجمها - هو تعطيلٌ واضحٌ لوظائفِ مكتباتِ الأنديةِ وأهدافِها، إنَّ الاختلاطَ بين الذُّكور والإناث - وفي جميع المستويات العُمريَّة - غيرُ مسموحٍ به في كثيرٍ من الدُّول المحافظة؛ وذلك تبعًا للتعليماتِ الشَّرعيَّة، وهذا شيءٌ طبيعيٌ؛ بل هو واجبٌ يَفرِضه الدِّين الإسلاميُّ الحنيفُ، لكن هذا لا يَعني إهمالَ حقوقِ الفتاة، أو التقليلَ مِن أهمِّيَّة دَورِها، وبالتَّالي فإنَّه لا بُدَّ مِن إيجاد حُلولٍ جَذْريَّة وفعَّالة ومُنصِفة تُسهم في القضاء على أوقاتِ فَراغ جميع فِئات المجتمع، وتُلبِّي احتياجاتِهم الهادفةَ والبنَّاءةَ، وتَستجيبُ لتطلعاتِهم السَّاميَّة، وهذا ليس بالصَّعب أو المستحيل، إذا ما تَوفَّرت الرَّغبةُ الأكيدةُ، والعزيمةُ القويَّةُ، والنِّيةُ السَّليمةُ والصادقةُ، والأهدافُ النَّبيلةُ والمُخلِصةُ.

خامسًا: مكتبات الهَيئات والمُنظَّمات الخَيريَّة:
في كثيرٍ مِنَ الدُّول، وخاصَّةً المُتحضِّرةَ منها يُوجد هَيئاتٌ، أو مُنظَّماتٌ خَيريَّةٌ، يُؤسِّسها فردٌ أو أكثرُ، تُعْنى بالفرد، سواءٌ كان كبيرًا أم صغيرًا، ذَكرًا أم أُنثى، وهذه العِناية بالفرد تختلف باختلاف الاهتماماتِ والأهدافِ العامَّةِ لهذه الهَيئة أو المُنظَّمة الخَيريَّة، ومِنَ الأشياءِ التي تُعنى بها: إنشاءُ مكتباتٍ تُسهم مع المكتبات الأخرى - إنْ وُجِدت - في خِدمة أفراد المجتمع في كُلِّ ما مِن شأنِه رَفْعُ نِسبةِ الوَعيِ عندَهم، وتطويرُ مستواهم الثقافيِّ، وتوثيقُ عُرى العَلاقاتِ الطَّيِّبَة بينَهم، وإشغالُ أوقاتِ فَراغِهم بِما يعود عليهم بالنَّفعِ والفائدة.

إنَّ رَفْعَ نِسبة الوعيِ عند أفراد المجتمع لهو هدفٌ نَبيلٌ؛ إذ به يُصانُ المجتمعُ - بتوفيق الله - مِن كلِّ ما قد يُعَرِّضُ كِيانَه أو مُستقبلَه للمَخاطرِ، أو يُنغِّص عليه حَياتَه اليَوميَّةَ؛ فالوعيُ خيرُ سِلاحٍ يَتحصَّن به الفردُ، ويُحصِّن به أُسرتَه ومُجتمعَه.

إنَّ لمكتباتِ الهَيئاتِ أو المُنظَّمات الخَيريَّة أهدافًا ساميةً، تَصبُّ في خِدمة المجتمعِ بجميع فِئاته، كِبارِه وصِغارِه، ذُكورِه وإِناثِه، وهذه الخِدمة الخيريَّة إنَّما تأتي نتيجةَ إدراكٍ للدَّورِ الذي تقوم به القراءةُ في حياةِ الأفرادِ بصفةٍ عامَّة، والأطفالِ بصفةٍ خاصَّةٍ، حيثُ بها يرتفع مُستواهم العِلميُّ والثقافيُّ، ويَتحقَّق بهذا التثقيفِ الذاتيِّ النُّموُّ المُتواصِلُ للحصيلةِ المعلوماتيَّة، وبِها تُصقَل المواهبُ والقُدْراتُ؛ مِمَّا يُكسِبُهم - بالتالي - الوعيَ الكافيَ، والإدراكَ القويَّ الَّذي يُمكِّنهم مِنَ التَّمييزِ بين الخَيرِ والشرِّ، وبين الحقِّ والباطل، والصوابِ مِنَ الخطأ، والرَّديءِ مِن الجَيِّد، والضارِّ مِنَ النافعِ؛ وغيرِ ذلك مِن الفوائد التي لا تَنعكِس إيجابيَّاتُها عليهم وعلى أُسَرِهم ومجتمعاتِهم فحسبُ؛ بل على الإنسانيَّةِ جَمعاءَ؛ هذا فَضلاً عمَّا تُحقِّقه القراءةُ مِن شغْلٍ لأوقاتِ الأفرادِ، وخاصَّةً الأطفالَ والشَّبابَ بِما يُفيد ويُمتع.

إنَّ أطفالَنا وشبابَنا يُعانون اليومَ مِن نقصٍ كبيرٍ في المراكز الثَّقافيَّة، بما فيها المكتباتُ، هذا إلى جانبِ ضَعفِ الإنتاج الفِكريِّ المُوجَّهِ لهم وَقِلَّتِه، سواءٌ في المَجلاَّتِ أم الكُتب، في وقتٍ هُم في أَمسِّ الحاجة إلى إنتاجٍ يَشْغَل فَراغَهم، ويَستجيبُ لميولهم واهتماماتهم، ويَتناسبُ ومُستوياتِهم التَّعليميَّةَ، وقُدْراتِهم الذِّهنيَّةَ، تقول تغريد محمد القدسي عَنِ احتياجاتِ الطِّفل العَربيِّ: "إنَّه يحتاج إلى التوجيه في عالَم اليومِ الذي نَعيشُه، والَّذي تَطوَّرَت فيه احتياجاتُ الأطفالِ تَطوُّرًا كَبيرًا؛ مما يَجعلُنا في مَأْزِقٍ يَتطلَّب الخُروجُ منه أنْ نُقرِّبَ الأطفالَ مِنَ القِراءةِ ومَصادرِها"[17].

هذا النَّوعُ مِنَ المكتباتِ -أي: مكتباتِ الهَيئاتِ والمُنظَّماتِ الخَيريَّة -لا يُوجد منه في المملكة - مع الأسف - حتَّى الآنَ - وَحَسبَ معلوماتي - سِوى مكتبةٍ واحدةٍ في مَدينةِ الرِّياض، وهي مَكتبةُ الطِّفلِ التَّابعةُ لمركز المَلِك فَيْصَل للبحوثِ والدِّراساتِ الإسلاميَّة، وهي مكتبةٌ لا بأسَ بها، ولكنْ خِدْماتُها تَقتصر على الأطفالِ الَّذين تَتَراوحُ أَعمارُهم ما بَينَ 5 - 12 سنةً، كما أنَّها لا تستطيع أنْ تَخدُمَ الجِنسَينِ -أي: الذُّكورَ والإناثَ - في وقتٍ واحد، كما لا يَتوفَّرُ لها فروعٌ، لا في مَدينةِ الرِّياض ولا في غَيرِها مِن مُدنِ المملكة.

ما الَّذي يَحتاجُه الأطفالُ مِنَ المَكتبات؟
تُشكِّل الطُّفولةُ هاجسًا لَدَى مُعظمِ المُربِّينَ؛ ولهذا فهي تَحظى في كَثيرٍ من دُول العالَم باهتمامٍ كبيرٍ في مجالاتٍ كثيرةٍ، يأتي ضِمنَ أَولوياتِها الاهتمامُ بالخِدْماتِ المَكتبيَّةِ التي تُقدَّم للأطفال، باعتبارها مِنَ الخِدمات الأساسيَّةِ التي يَجِبُ أنْ تُوَفَّرَ لهم، وباعتبارِها أيضًا حقًّا مَشروعًا مِن حُقوقِهم، ولأنَّها مِنَ العواملِ الهامَّة والمُؤثِّرة في تكوينِ جِيلٍ واعٍ، مُسلَّحٍ بالعِلمِ والمعرفة، والثَّقافةِ الواسعةِ، وإذا كانتْ مُؤسَّسات التَّعليم تَقوم بِدَورٍ كبيرٍ في بِناءِ شَخصيةِ الفَردِ، وإعدادِه لممارسةِ دَورِه في الحياة، فإنَّ مكتباتِ الأطفالِ بما تحتوي عليه مِن أَوعيةِ مَعلوماتٍ، وما تُقدِّمه مِن خِدْماتٍ، وما تَقومُ به مِن أَنشطةٍ تُسهِم إِسهامًا فاعلاً في تَحقيقِ أهدافِ التَّعليمِ، والخِدْماتُ المكتبيَّةُ للأطفالِ هي مَظهرٌ حَضاريٌّ، يَدُلُّ على رُقِيِّ الأُمَّة، وارتفاعِ وعي المجتمع، وتَقَدُّمِ مستواه التعليميِّ والثقافيِّ والفِكريِّ، يقول محمد فتحي عبدالهادي: "كُلَّما ارتقى النِّظامُ الاجتماعيُّ والتعليميُّ في جماعةٍ مِنَ الجماعاتِ، وتَطوَّرتِ البيئةُ الثَّقافيَّةُ، والاقتصاديَّةُ، والاجتماعيَّةُ؛ اتَّسعت خِدْماتُ المكتباتِ، وتَنَوَّعتْ، وشَمِلَت كُلَّ أفرادِ المجتمع بما فيهم الأطفال، الَّذين هُم رِجالُ الغَدِ، وعِمادُ المُستقبل"[18].

تستطيع مكتباتُ الأطفال أنْ تُحقِّقَ أهدافَها، وأنْ تَنالَ رِضا مجتمعِها إذا قامت بتوفير الآتي:
أوَّلاً: المُقتنيات:
لكي تتمكنَ المكتبةُ - أيُّ مكتبةٍ - مِن تَحقيقِ أهمِّ أهدافِها، وهو تفعيلُ استخدامِ مُقتنياتِها؛ ينبغي عليها أنْ تَبنيَ بشكلٍ جَيَّدٍ، ومُتوازنٍ، ومُتجدِّدٍ - مَجموعاتٍ كافيةً، ومُتنوِّعةً مِن أَوعية المعلوماتِ التي تُلبِّي احتياجاتِ المستفيدِينَ، وعلى رأسِهم الأطفالُ؛ على أنْ يُؤخذَ في الاعتبارِ تَناسُبُ هذه الأوعيةِ مِن اهتماماتِهم ومُيولِهم، ومُستوياتِهم التَّعليميَّةِ، والثَّقافيَّةِ، وقُدْراتِهم الذِّهنيَّةِ، هذه المقتنياتُ يُفترَض أنْ تَشتمِلَ على الكُتب، والدَّورِياتِ، والوسائلِ السَّمعِيَّة والبَصريَّة، والسَّمعِ بَصريَّة، بما في ذلك الأقراصُ المليزرة.

أيضًا لا بُدَّ مِن تَرتيبِ أَوعيةِ مَعلوماتِ الأطفالِ وتنظيمِها بطريقةٍ سهلةٍ، واضحةٍ وجَذَّابةٍ؛ بحيثُ تُثيرُ اهتمامَ الأطفالِ، وتُشجِّعُهم على استخدامِها؛ لِيَتمكَّنوا بالتالي مِنَ الاستفادةِ منها، والاستمتاعِ بما فيها مِن مَعلوماتٍ.

مِنَ الأُمورِ التي يَنبغي مُراعاتُها في كُتبِ الأطفالِ ومَجلاَّتِهم - وخاصَّةً صِغارَ السِّنِّ -: أنْ تكونَ مُجلَّدَةً، وكِتابتُها واضحةً، ولُغتُها سَهلةً، وأن تَكونَ مَدعومةً بِصُورٍ، يُفضَّل أن تَكونَ مُلوَّنَةً، على أنْ تَكونَ الصُّورُ والأسماءُ مِمَّا هو مألوفٌ ومُتعارَفٌ عليه، كذلكَ يَجبُ مُراعاةُ أنْ تكونَ القِصصُ قَصيرةً؛ ذلكَ أنَّ الطِّفلَ - بطبعه - مَلولٌ، ولا يُحِبُّ الإطالة.

يَختلِفُ حجمُ المقتنيات المُخصَّصة للأطفالِ مِن مَكتبةٍ إلى أخرى حَسبَ نَوعِ المكتبة، ونِسبةِ رُوَّادِها مِنَ الأطفالِ؛ فالمكتبةُ المَدرسيَّة - مثلاً - يُفترضُ أنْ تكونَ مُعظمُ أَوعيتِها للأطفال، سواءٌ منها ما يَدعَم المَناهجَ، أو ما يُخصَّص للتَّرويحِ والثَّقافةِ العامَّة؛ بينما يَنبغي أنْ تُشكِّلَ مَجموعةُ أوعيةِ المَعلوماتِ الخاصَّةِ بالأطفال في المكتبة العامَّةِ نِسبةً تتراوحُ ما بَينَ 20 - 30% مِن مجموع المُقتنياتِ، يقول حسن محمد عبدالشافي: "لا تُوجدُ مَعاييرُ عَددِيَّةٌ للمكتباتِ العربيَّةِ، وأَقترِحُ أنْ تكونَ النِّسبةُ المِئويةُ لعدد كُتبِ الأطفال بالمكتبات العامَّة 30% مِن جُملةِ عدد الكتب في المكتبة"[19]، وتُشيرُ نعمات مصطفى إلى أنَّ مكتباتِ الأطفالِ تَحرِص على تخصيص نِسبةٍ تصل إلى 20% مِن مِيزانِيَّةِ الاقتناءِ لِتَنمِيةِ مجموعةِ ثقافةِ الطِّفل كي تَبقى حَيَّةً مُتجدِّدةً، مُشيرةً إلى أنَّ مجموعةَ ثقافةِ الأطفالِ في مَكتباتِ إنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية تَتجدَّدُ سَنويًّا بإضافةِ عددٍ مِنَ الكُتبِ يَصل إلى 500 عنوان سنويًّا"[20].

إنَّ أَيَّ مَكتبةٍ لن تَستطيعَ تَحقيقَ أَهمِّ أهدافِها، وهو كَسْبُ رِضا المُستفيدِينَ، وتَفعيلُ استخدامِ مُقتنياتِها - إلاَّ إذا كانت هذه المُقتنياتُ قَويَّةً كمًّا ونَوعًا؛ بحيثُ تَتمَيَّزُ بالجودةِ والتَّنوُّعِ والشُّمولِ، وتكونَ قادرةً على تَلبِيةِ احتياجاتِ الرُّوَّادِ الثَّقافيَّةِ، والتَّعليميَّةِ، والتَّربويَّةِ، على أنَّه يُمكِن التَّعرُّفُ على اهتماماتِ المُستفيدِينَ، ومُيولِهم عن طريق تَوزيعِ استبانات عليهم بَينَ الحِينِ والآخَرِ للاستئناسِ بآرائِهم، أو عن طريق سِجلاَّتِ الإعارةِ؛ حيثُ يُمكِنُ بواسطتها التَّعرُّفُ على المَوضوعاتِ الَّتي يَميلونَ إليها، ويُفَضِّلون قِراءتَها.

ثانيًا: الخِدْمات والأَنشِطَة:
مِنَ المعاييرِ الَّتي يُقاسُ بها نجاحُ المكتبات: نَوعُ الخِدْماتِ الَّتي تُقدِّمُها، وحَجمُها، والأنشطةُ الَّتي تقوم بها؛ فَكُلَّما تَعدَّدتِ الخِدْمات، وتَنوَّعتِ الأنشطةُ، وتَمَّ تَجديدُها، وتَفعيلُ دَورِها لِيَستجيبَ لاحتياجاتِ المجتمع الَّذي تَخدُمُه واهتماماتِه - كُلَّما كان ذلكَ أدعى إلى زِيادةِ الرَّوابطِ، وتَقويةِ الصِّلاتِ، ويُشكِّلُ الأطفالُ شريحةً كبيرةً مِنَ المجتمع، وبالتَّالي فلا بُدَّ مِن تَلبِيةِ احتياجاتِهم؛ أخذًا بعَينِ الاعتبارِ الفُروقَ الفَردِيَّةَ بَينَهم، وكذا اختلاف الاهتماماتِ والمُيولِ، وتَفاوُت القُدْراتِ الذِّهنيَّة، والمُستويات التَّحصيليَّة.

تُعتَبر المكتباتُ العامَّةُ والمَدرسيَّةُ أكثرَ أنواعِ المكتباتِ اهتمامًا بالأطفال، وهذا الدَّورُ لا يأتي مِن واقعِ الأهدافِ التي تَسعى إليها، أو المَهامِّ المَنُوطَةِ بها فَحسبُ؛ بل أيضًا لأنَّها المكتباتُ التي تَفتَحُ أَبوابَها له مُنذُ سَنواتِه الأُولى، وإذا كانتِ المكتباتُ المدرسيَّةُ تختلف عَنِ المكتبات العامَّةِ بالأهداف، حيثُ تُولِي اهتمامًا خاصًّا للوفاءِ بِمُتطلَّباتِ العَمليةِ التَّعليميَّة والتَّربويَّة للطُّلاَّب والطَّالباتِ واحتياجاتها؛ فإنَّ هذا لا يَعني إغفالَ الاهتماماتِ والاحتياجاتِ الفَرديةِ الأُخرى المُختَلِفَةِ لهم، ويأتي على رَأسِ أَولوياتِها اختلافُ المُيولِ القِرائيَّةِ، وهو ما تُركِّزُ عليه المكتبةُ العامَّةُ نَفسُها، وتُعطِيه كثيرًا مِنَ الأَولَوِيةِ والاهتمامِ، مِمَّا يُؤكِّدُ صِفةَ التَّكامُلِ، والتَّلاحُم بينَهما؛ وهو ما يَستوجِبُ التَّنسيقَ والتَّعاوُنَ في كثيرٍ مِنَ الخِدْمات والأنشطةِ المُوجَّهةِ للأطفال في كُلِّ ما يعودُ عليهم بالنَّفع والفائدة، ويُسهم في تَنشئتِهم تَنشِئةً سَليمةً تَدعَمُ تَكوينَهم العِلميَّ، والثَّقافيَّ، والتَّربويَّ.

هناكَ تَنوُّعٌ في أنماطِ الخِدْمات والأنشطةِ التي تُقدِّمُها المكتباتُ للأطفال وأشكالِها، ويُمكِن تَناوُلُ ذلك فيما يلي:
1 - الخِدْمات:
تَشملُ الخِدْماتُ الَّتي تُقدِّمُها المكتباتُ للأطفال المجالاتِ التَّاليةَ:
أ -تَأمينَ المُقتنياتِ التي تَتَناسبُ ومُستوياتِهم التَّعليميَّةَ، وقُدْراتِهم الذّهنيَّةَ، وتَتَّفِقُ مع مُيولِهم واهتماماتِهم، هذا مع عدمِ إغفالِ ما يَدعَم المناهجَ الدِّراسيَّةَ، ويَخدُم أبعادَها المُختلفةَ؛ ومنها: تَحويلُ التَّعليمِ مِنَ الطُّرُق التَّقليديَّةِ المُعتمِدَةِ على التَّلقينِ والحِفظِ إلى الطُّرُقِ الحديثةِ التي تدور حَولَ الفَهمِ، والنَّقدِ، والتَّحليل، ولأنَّ أَوعيةِ المعلومات في المَكتبةِ يَجبُ أنْ تَنموَ وتَتجدَّدَ؛ فإنَّه يُمكِن لِقِسمِ التَّزويدِ الاستئناسُ بآراءِ المُستفيدِينِ ومُقترحاتِهم أَو ذَوِيهم، هذا إلى جانبِ الرُّجوعِ إلى السِّجلاَّتِ الإحصائيَّةِ للإعارةِ الخَارجيَّةِ؛ مِن أَجْلِ التَّعرُّفِ على الميولِ القِرائيَّة للرُّوَّاد، وبالتَّالي العَمل على اختيارِ المُقتنياتِ الَّتي تُشبِعُ رَغباتِهم، وتُلبِّي اهتماماتِهم وَتُؤمِّنُها.

ب -تَدريبَ الأطفال على كَيفِيَّةِ العُثور على أوعيةِ المعلوماتِ، وعلى طُرُقِ الاستخدامِ السَّليمِ لهذه الأَوعيةِ، واستخراجِ المعلوماتِ منها، وتَنميةِ قُدْراتِهم البَحثِيَّةِ، وإِكسابِهم القُدْراتِ الذَّاتيَّةَ للاعتمادِ - بَعدَ الله تعالى - على أنفسِهم؛ مِثلُ هذه الخِدْماتِ تَفرِضُ على مكتباتِ الأطفالِ - وخاصَّةً العامَّةَ والمَدرسيَّةَ - إيجادَ مُوظَّفِينَ مُؤَهَّلِينَ، قادِرينَ على التَّعامُلِ مع الأطفالِ بِأَساليبَ مُميَّزةٍ، مُهذَّبةٍ، وخَلاَّقةٍ، وذات مَردودٍ سريعٍ، فعَّالٍ وإيجابيٍّ.

مِن هُنا؛ أوصتِ الدِّراساتُ التي أُجرِيَتْ حَولَ الخِدمةِ المَكتبيَّةِ للأطفالِ بألاَّ يَقومَ بخدمتِهم إلاَّ مَن تَتوفَّرُ لديه مُؤهِّلاتٌ دِراسيَّةٌ مُتخصِّصةٌ في مجالاتِ أَدبِ الأطفال، وعِلمِ نَفْسِ الطِّفلِ، وطُرُقِ التَّدريسِ، وتَوفَّرتْ له إمكاناتُ التَّدريبِ المِهنِيِّ الكافي في مجالِ الخِدمةِ المَكتبيَّةِ[21].

إنَّ تَعليمَ المَهاراتِ - أو مَا يُسمَّى بالتَّربيةِ المَكتبيَّةِ للأطفالِ - لَمِنَ الأهمِّيَّةِ بمكانٍ؛ لِمَا لها مِن فوائدَ كثيرةٍ، وهي أمانةٌ لا تقع مَسؤوليتُها على مُوظَّفِي المكتباتِ المَدرسيَّةِ فَحسبُ؛ بل وعلى مُوظَّفِي مَكتباتِ الأطفالِ في المكتباتِ العامَّة، ذلكَ أنَّ غَرْسَ الثِّقةِ بالنَّفسِ يُبعِدُ الأطفالَ عَنِ الاتَّكاليَّةِ، ويجعلُهم أكثرَ اعتمادًا على خِدمةِ أَنفسِهم بِأَنفسِهم؛ فَالمَثَلُ يقول: "إذا أَعطيتَ شخصًا سَمكةً، فإنَّه سَيجِدُ قُوتَ يَومِه، أمَّا إذا عَلَّمْتَه صَيدَ السَّمكِ، فإنَّه سَيجِدُ غِذاءَه طَوَالَ حَياتِه".

ج -الإعارةَ الخارجيَّةَ: مكتباتُ الأطفالِ مِثلُ مَكتباتِ الكِبارِ، يَنبغي أنْ تَتوفَّرَ فيها مُقتنياتٌ يُمكِنُ الوُصولُ إليها، والاستفادةُ مِنها؛ سواءٌ عن طريقِ القِراءةِ دَاخلَ المَكتبةِ، أم خارجَها، لِمَا يُمكِن استعارتُه.

ولأنَّ الأطفالَ لا يَمكُثونَعادةًفي المكتباتِ وَقتًا طويلاً؛ فإنَّه لَمِنَ المُهمِّ جِدًّا تَعويدُهم على القِراءةِ الخارجيَّةِ، والاستفادةِ مِن أوقاتِ فَراغِهم عَن طريقِ استعارةِ أَوعيةِ المَعلوماتِ الَّتي تُناسِبُ مُيولَهم واهتماماتِهم، وتَتَّفِقُ ومُستوياتِهم الثَّقافيَّةَ والتَّعليميَّةَ، على أنَّه لا يَنبغي أنْ تَقتصرَ الإعارةُ على الكُتبِ فقط؛ بل يَجبُ أنْ تَشملَ وسائلَ اللَّعِبِ التَّعليميَّةَ؛ لِمَا تُحقِّقُه مَجموعةُ اللَّعِبِ التَّعليميَّةُ مِن تَأثيرٍ إِيجابيٍّ وقويٍّ في تَنميةِ الحَصيلةِ المعلوماتيَّةِ، وتَقويةِ القُدْرات الذِّهنيَّة.

إنَّ تَشجيعَ الأطفالِ على استعارةِ أَوعيةِ المعلوماتِ مِنَ المكتباتِ ضَروريٌّ؛ ومِن أَجلِ هذا يَجبُ أنْ تَكونَ إِجراءاتُ الإعارةِ سَهلةً، ومُيسَّرةً، وألاَّ تُطَبَّقَ أنظِمةُ العُقوباتِ التي تُطبَّقُ على الكِبارِ - عادةً - على الصِّغار؛ فالحِرمانُ، أو دَفعُ غَرامةِ التَّأخيرِ قَد تَجعلُ الأطفالَ يَنفِرونَ مِنَ المَكتبةِ، أو يحجمونَ عَنِ الاستعارةِ، هذا لا يَعني التَّساهُلَ المُطلَقَ، أَوِ المُفرِطَ مَعهم في مُخالفةِ التَّعليماتِ وأَنظمةِ المَكتبةِ؛ ولكنْ يُمكِن للمكتبة أنْ تَقومَ بِتَرسيخ مَفهومِ التَّربيةِ المكتبيَّةِ في أذهانِ الصِّغارِ؛ كالهُدوءِ، والتَّعاوُنِ، واحترامِ مَشاعرِ الآخَرينَ وحُقوقِهم، والمحافظةِ على أَوعيةِ المعلوماتِ، والحِرصِ على سلامتِها، سواءٌ داخلَ المَكتبةِ أم خارجَها، هذا إلى جانبِ احترامِ القَوانينِ والأنظمةِ، والتَّقيُّدِ بالتعليماتِ، بِما فيها أَنظمةُ الإعارةِ الخارجيَّة.

د -الخِدمةَ المَرجعيَّةَ: تُعتَبرُ هذه الخِدمةُ مِنَ الخِدماتِ الأساسيَّةِ في جميع أنواعِ المكتبات؛ لِمَا لها من أَهمِّيَّةٍ بالغةٍ في الإجابةِ على استفساراتِ المُستفيدِينَ وأسئلتِهم عن حقائقَ ومعلوماتٍ مُعَيَّنةٍ، أوِ الإرشادِ إلى مَصادرَ تَتوفَّرُ فيها الإجاباتُ المطلوبةُ؛ لكنَّها بالنسبةِ للأطفالِ تَهدفُ إلى إرشادِهم، وتَدريبِهم على استخراجِ المعلوماتِ مِن مصادرِها، وبالتَّالي تَغرِسُ فيهم عَادةَ البَحثِ والاطِّلاعِ، والاعتماد - بعد الله - على النَّفسِ في استخراجِ المعلوماتِ، هذا إلى جانبِ تنميةِ المهاراتِ القِرائيَّةِ، وشَحذِ القُدْرات الذاتيَّةِ على تحديدِ مصادرِ المعلوماتِ المطلوبةِ للإجابةِ عن أَيَّةِ تَساؤلاتٍ قد تَعِنُّ لهم، أو مُشكلاتٍ تُواجهُهم، إنَّ الخِدمةَ المَرجِعيَّةَ هي في الحَقيقةِ خِدمةٌ فَنيَّةٌ مُتخصِّصةٌ، ذاتُ أَهمِّيَّةٍ عظيمةٍ، وفائدةٍ كبيرةٍ للمُستفيدِينَ؛ مِن هنا يَجبُ أَنْ تُوكَلَ مَهمَّةُ الخِدْمات المَرجعيَّة - وخاصَّةً في مكتباتِ الأطفالِ - إلى عَناصرَ مُؤهَّلةٍ تَأهيلاً فنيًّا، ونفسيًّا، وتربويًّا؛ ذلك أنَّ نجاحَ المكتبةِ يَتوقَّفُ أيضًا على قُدْراتِ العامِلينَ فيها، ومَهاراتِهم، وكَفاءاتِهم.
يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 36.84 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 36.21 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.70%)]