
29-05-2021, 03:31 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,684
الدولة :
|
|
رد: تصورات مغلوطة وسبل علاجها
تصورات مغلوطة وسبل علاجها (4/7)
د. مشعل عبدالعزيز الفلاحي
في الحلقة الثالثة من بناء هذه التصورات، أكَّدنا على أن زمن الحصة غير كافٍ لإحداث التغيير الذي ننشده في مستويات أبنائنا التربوية والتعليمية، وأن الجلبة على المعرفة واعتقاد أنها غاية هو أحد التصورات التي كَتبتْ بعضَ تأخُّرِنا، وأكدنا على أن السبيل لإحداث التغيير يأتي من خلال العناية بالقيم والمُثُل، وتحديدِ الأهداف بدقة، وممارسةِ أدوارنا التربوية بكل تميُّز، وحين يكون ذلك، يمكن أن نشكل قيمًا كبيرة فيمن نربيهم ونُعْنى بهم.
واليوم نعرض التساؤل الرابع، وهو:
هل الانتهاء من المقرر الدراسي أولوية، حتى لو كان على حساب الكيف؟
وقبل أن نجيب على هذا التساؤل، ينبغي أن ندرك أن هذه المقرراتِ صُمِّمتْ لأهداف واضحة، وبُنيتْ على أسس متينة، والنجاح الأمثل لكل معلمٍ يتعامل مع هذه المقررات الجمع بين الكم والكيف؛ لأنه حين نُعنى بالكم نكون خسرْنا الأثر الذي نسعى لتعميقه في شخصيات طلابنا، ونخرج في كثير من الأحيان مسرورين بالنهاية، والحقيقة المرَّة أننا خسرنا كلَّ شيء؛ لأن هذه العلوم والمعارف لم تسهم في تشكيل شخصية ذلك الطالب، ولم تسهم في توجيه قيمه، وتصحيح سلوكه، وحينئذٍ نكون خسرنا طاقاتنا في أجيال الأمة، وليس بعد هذه الخسارةِ خسارةٌ أخرى، وحين نُعنى بالكيف فحسب، يكون قد فات أبناءنا مفاهيمُ ومهاراتٌ وقيم كبيرة جدًّا، قد لا يمكن تعويضها في مرحلة قادمة.
إن الناظر في ممارسات الزملاء في الميدان التربوي يلحظ - وبشدة - العناية بالكم، والحرص على إنهاء المقرر، وبذْل الجهود الكبيرة في استنفاد مفردات المقرر قبل صافرة نهاية العام، ومكمن الخطر في هذه التصرفات أن طلابنا حُرِموا الكيف والكم في آن واحد.
إني أجزم أن اللهث بهذه الطريقة من أجل الوصول لآخر ورقة في المقرر جنايةٌ على الطالب؛ لأن دور المعلم يتحوَّل حين ذلك إلى مجرد قارئ لهذه العلوم، ومتصفح للكتاب فحسب، ولاهث وراء صفحات المقرر ليس إلاَّ، وحين نريد الكم بعينه، فإنه لا يتم بهذه الطريقة العشوائية، وإنما يعطى قدره من الحرص والوقت والجهد؛ حتى يتمكن الطالب من إدراك الكم المراد فيه.
وكل من يرى أنه خرج من عهدة المسؤولية والأمانة بهذه الطريقة، فهو مخطئ في حق نفسه، وفي حق طلابه، وفي حق وطنه وأمته، فكيف إذا كان هذا كله في الكم؟ فماذا بقي للكيف؟!
إن السبب الأكبر في حدوث الخصام والنزاع بين الكم والكيف، ليس في كثرة المقرر بالدرجة الأولى؛ وإنما في طريقة تقديم الدرس في أثناء الحصة، وأي معلمٍ يحرص على السير وفق تنظيم الكتاب، ويعنى بكامل مفردات المقرر - هو سببٌ في إحداث هذا الخصام والنزاع، ولا سبيل للخروج من هذه المشكلة إلا بجملة أمور، من أهمها: معرفة الهدف من الدرس قبل دخول الحصة، ومحاولة التمرُّد على الروتين في لزوم طرائق تدريس محددة، ومحاولة التجديد.
إن المشكلة لا تكمن في وضعية الطالب، وكثرة المقرر، وروتين النظام، بقدر ما تكمن في المعلم الذي يريد أن يصوِّت بكل كلمة في الدرس على ذهن الطالب، في أسلوب إلقائي بارد، ضعيفٍ، مُمِلٍّ، ولن نستطيع التأثير في طلابنا إلا إذا أدركنا أن دور المعلم يكمن في معرفة هدفه من الدرس أولاً، وقدرته على التعامل مع طالب اليوم بطريقة مؤثِّرة، ونبذ الروتين العقيم في أساليب التدريس.
وأخيرًا:
أرجو أن ندرك أن إصلاح الأجيال القادمة ليس في كمية ما يأخذون ويتلقَّوْن، بقدر ما هو في أثر هذه المعارف على نفوسهم، إن معلومة واحدة كافية لتغيير جيل كامل؛ بشرط أن يحتف بها مؤثِّراتٌ قوية، يديرها معلم يعيش همَّ أمتِه، ويرى النور القادم يتسلَّل من خلال أجيالها القادمة.
إضاءة:
((لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا، خيرٌ لك من حمر النَّعم)).
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|