عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 26-05-2021, 04:52 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,455
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مصطلح الأدب الإسلامي: المسوغات والأبعاد

مصطلح الأدب الإسلامي: المسوغات والأبعاد


د. محمد ويلالي


فالشعراء الإسلاميون:


1- مؤمنون.
2- عاملون للصَّالحات.
3- ذاكرون لله، مُنْتَصرون من الظُّلم.

ويُضاف إلى كلِّ ذلك - بطبيعة الحال - الجانبُ الفَنِّي، الذي يَجْعل إبداع هؤلاء الشُّعَراء المتَّصفين بهذه الصِّفات أدبًا مقبولاً.

فأمَّا الإيمان فيمثِّل "المعيار الدِّيني"، بأن يكونَ الأديبُ مُسْلمًا ومؤمنًا، وأمَّا العمل الصالح فيمثِّل "المعيار السُّلوكي"، وأمَّا الذِّكر والانتصار من الظُّلم، فهي من موضوعات أشعارهم / أدبهم، التي تُنْبِئ عن وضوح الرُّؤيا، وصحَّة التصوُّر، فالمعايير إذًا ثلاثة:
1- المعيار الديني.
2- المعيار السلوكي.
3- معيار صحَّة التصوُّر، وسلامة القصد.

وهو ما يُمْكن التعبير عنه بهذه الترسيمة:


غير أن تَنْزيل هذه المعايير على الأُدَباء والنَّماذج، لا بُدَّ أن يتَّسِم بشيءٍ من المرونة، مراعاة للظَّرف الذي يَمُرُّ به الأدب الإسلامي، وهو ظرفُ استكمال النَّظرية، والدَّعوة لِهذا الأدب، وإقناع الْمُخالِفين، وانتهاج سبيل التَّأليف.

ومن ثَمَّ، فإنَّ الحكم على إسلاميَّة الأدب أو الأديب، يَحتاج إلى شيء من التفصيل:
فإذا كان الأديب غيْرَ مسلم، فإنَّه يبدو من التعسُّف أن نَجْعل أدَبَه الذي وافق فيه التصوُّر الإسلامي "أدبًا إسلاميًّا"، فبالأحرى أن نعدَّ هذا الأديبَ نفسه "أديبًا إسلاميًّا"؛ وذلك لاعْتبارات متعدِّدة:
1- إنَّ مِن أكْبَر ما يتَمَيَّز به الأدب الإسلامي: "الصِّدق"؛ صِدْق العقيدة، صدق التصوُّر، صدق التعبير، صدق الهدف.

ولا شكَّ أن هذا الأديب غيْرَ المسلم، لم يَسْتحضر هذا النَّوع من "الصِّدق"، بل غابتْ عنه تلك "الْخَفقة الصَّادقة"، وذلك "اليقين الثَّابت"؛ لِيَحل مَحلَّهما الشُّعور الفطريُّ الإنساني، الذي يُمْكِن أن يصدر عن كلِّ أديب توهَّجَت فيه إشراقة الفِطْرة، وصفاء الرُّوح، فكلُّ الناس قد يَمُرُّ بِمَوقفٍ واحدٍ مؤثِّر، يَنْفعل له، ويتأثَّر به، وهذا حدٌّ مشترك بين البشَر جَميعًا.

لكنَّ الإيمانَ الصَّادق بالجزاء الأُخْرَوي، والرقابة العُلْويَّة، والحيطة في كلِّ صغيرة وكبيرة، لا يُدْرِكه ولا يحسُّه، إلاَّ مَن خالط الإيمانُ شغاف قلبِه، وسَما به إلى درجة الاعتقاد الجازم.

مِن هنا تبدو نسبة أدب غَيْرِ المسلم إلى الأدب الإسلامي توسُّعًا يصعب قبوله.

2- إنَّ هذا الإطلاق فيه إضفاءُ "الإسلاميَّة" على غير المسلمين، مِمَّن لا يعترفون بالرِّسالات، والجنَّة والنَّار، والغيب، وفيه مِن الاستِهانة بالدِّين، ووَضْع لفظ الإسلام موضِعَ الشُّبهة ما هو بَيِّنٌ.

3- ما نقع فيه من الحيرة عند الوقوف على القصيدة الواحدة لِغَيْر المسلم، فيها حقٌّ، وفيها باطل، بعضها يُعانق الفطرة البشريَّة والسُّموَّ الإنسانِيَّ، وبعضها يَرْتكس في حَمأة الزَّيغ، ويتمرَّغ في وهْدَة الأوزار، فهل نعتبر خَيْرها وحقَّها "أدبًا إسلاميًّا"، وشرَّها وزَيْغَها "أدبًا غيْرَ إسلامي"؟ أم نعتَبِرُها في مُجملها غير إنسانية، ثم نستثني خَيْرها، فنجعله مِمَّا وافق الأدب الإسلامي، على غرار ما أَسْماه عبدالرحمن حبنكة: "كلمةُ حقٍّ صدرَتْ على لسانِ كافر أو شيطان

فإذا اختلَّ شرط إسلاميَّةِ الأديب "المعيار الدِّيني"، فإنَّ الأليق أن نجعل أدبه الإنساني أدبًا "موافقًا للأدب الإسلامي"، كما ذهب إلى ذلك د. أبو صالح عبدالقدُّوس.

فإذا نظَرْنا - على سبيل المثال - إلى مُعَلَّقة "امرئ القيس"، ذلك الشاعر الجاهليُّ، الذي كان معروفًا بالْمُجون والغزَلِ الفاحش، وشُرْب الخمر، وقضاء اللَّذَّات، واتِّباع الشهوات - سنرى أنَّها اشتملت على باطلٍ صريح، لا يُمْكن أن نُصَنِّفه إلاَّ في خانة "الأدب غير الإسلامي"، مثل قوله متغزِّلاً[67]: [الطويل]
فَمِثْلُكِ حُبْلَى قَدْ طَرَقْتُ[68] وَمُرْضِعٌ
فَأَلْهَيْتُهَا عَنْ ذِي تَمَائِمَ مُحْوِلِ [69]

إِذَا مَا بَكَى مِنْ خَلْفِهَا انْصَرَفَتْ لَهُ
بِشِقٍّ وَتَحْتِي شِقُّهَا لَمْ يُحَوَّلِ [70]

وَبَيْضَةِ خِدْرٍ لاَ يُرَامُ خِبَاؤُهَا
تَمَتَّعْتُ مِنْ لَهْوٍ بِهَا غَيْرَ مُعْجَلِ

تَجَاوَزْتُ أَحْرَاسًا إِلَيْهَا وَمَعْشَرًا
عَلَيَّ حِرَاصًا لَوْ يُسِرُّونَ مَقْتَلِي

فَجِئْتُ وَقَدْ نَضَّتْ[71] لِنَوْمٍ ثِيَابَهَا
لَدَى السِّتْرِ إِلاَّ لِبْسَةَ الْمُتَفَضِّلِ [72]

فَقَالَتْ يَمِينَ اللهِ مَا لَكَ حِيلَةٌ
وَمَا إِنْ أَرَى عَنْكَ الغَوَايَةَ تَنْجَلِي [73]

فَقُمْتُ بِهَا أَمْشِي تَجُرُّ وَرَاءَنَا
عَلَى إِثْرِنَا أَذْيَالَ مِرْطٍ مُرَحَّلِ [74]

فَلَمَّا أَجَزْنَا سَاحَةَ الْحَيِّ وَانْتَحَى
بِنَا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي قِفَافٍ عَقَنْقَلِ [75]

هَصَرْتُ بِفَوْدَيْ رَأْسِهَا فَتَمَايَلَتْ
عَلَيَّ هَضِيمَ الكَشْحِ رَيَّا الْمُخَلْخَلِ [76]




فهذه أبيات كلُّها دعوة إلى الرَّذيلة، وتَزْيينٌ للفاحشة، وتصويرٌ لأشكال العلاقات المشبوهة، بزينة مَكْشوفة، وعبارات مفضوحة، من غير عفَّة أو كناية، بل تراه يصف الفاحشة بكلِّ جرأة وتقَحُّم، ولعلَّ سبب نَظْم القصيدة[77] أكْبَرُ دليل على سوء القَصْد وفساد الطَّوية.

في حين نَجِد في القصيدة نفْسِها أبياتًا تَدُور في فلَكِ الإباحة والحياد، حازَتْ من الجودة الفَنِّية، ودقَّة التصوير، وحُسْن السَّبك ما سارتْ به الرُّكبان، وأصبح مَضْرِبَ الأمثال، من ذلك قولُه[78]:
وَلَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أَرْخَى سُدُولَهُ
عَلَيَّ بِأَنْوَاعِ الْهُمُومِ لِيَبْتَلِي

فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا تَمَطَّى بِصُلْبِهِ
وَأَرْدَفَ أَعْجازًا وَنَاءَ بِكَلْكَلِ

أَلاَ أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلاَ انْجَلِي
بِصُبْحٍ وَمَا الإِصْبَاحُ مِنْكَ بِأَمْثَلِ


يتبع




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 24.54 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 23.91 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.56%)]