عرض مشاركة واحدة
  #10  
قديم 20-05-2021, 05:00 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,570
الدولة : Egypt
افتراضي رد: قراءة في ديوان: ملحمة التاريخ

تَنَاثَرَ فِي سَاحَاتِهَا عُلَمَاؤُهَا

لَآلِئُ فِي سَاحٍ وَفِي غَزَوَاتِ


أليس هؤلاء القوم من أبناء الهند الذين فتح الله عليهم، وهدى قلوبهم إلى دينه الحق، فقاموا يَنشُرون نور الشريعة السمحة، ويقدمون أرواحهم في سبيل الله - جلَّ جلاله؟ لكن لما تَراخَى العزم، وأقبلت الشهوات، وأطلَّت الفتنة بقرونها، والغُزَاة يَغزُونها بمكرهم وكَيْدِهم، تَحقَّقت سُنَّة الله العزيز، التي لا تَبدِيل لها، فهَوَى البناء، وبقي المخلصون يُكافِحون ويُجاهِدون في كلِّ سبيل، ويُعانُون من حشود العقبات، التي لا نهاية لها، وهذه ملحمة التاريخ ودَوِيُّه عبر الزمن:



مَضَتْ سُنَّةُ اللهِ الْعَزِيزِ بِخَلْقِهِ

فَأَهْوَى بِنَاءٌ بَعْدَ طُولِ ثَبَاتِ




وَظَلَّ غرس التقى وَرِجَالُهُ

يَشُقُّونَ مِنْ دَرْبٍ وَنَهْجِ ثِقَاتِ




إِلَى اللهِ فِي صَبْرٍ وَعَزْمٍ وَدَعْوَةٍ

يُغَالِبُهُمْ حَشْدٌ مِنَ الْعَقَبَاتِ




دَوِيٌّ مِنَ التَّارِيخِ مَا زَالَ عَالِيًا

يُرَجِّعُ مِنْ ذِكْرَى وَمِنْ حَسَرَاتِ



والشاعر الدكتور عدنان النحوي في كلِّ ذلك لا يَتَخلَّى عن عواطفه، وتمازجها مع تاريخ الأمَّة التي ينتمي إليها عقيدة صارت في قلبه هي العرق الأصيل الذي يفوح من عبق الرسالة المحمدية، التي يَنتَشِر نورها عبر الزمان والمكان، بأسلوبه وخصوصيَّته وانفعالاته وآماله وآلامه، التي يُعَبِّر فيها عن كلِّ مَشاعِر المسلمين الصادقين، الذين يَنتَمُون لمدرسة لقاء المؤمنين، وإن لم يُسَجِّلوا أسماءَهم بالمداد، فقد سجَّلوها بالعمل والنهج والاعتماد.



ولا تَعتَرِض الشاعر حيرة في اختيار الفَواجِع من تاريخ المسلمين وحاضرهم؛ فحيثما يَمُدُّ يده يجد وَفْرَة من المآسِي التي تحرق قلوب المخلِصين؛ فهذه فاجعة الأندلس، جعلت الشاعر يئنُّ بألحانه الحزينة، ويَصُوغها على بحر الطويل، ورويِّ التاء المكسورة المسبوقة بمدِّ الألف، وفي أربعة وستِّين بيتًا، يُتابِع بها ملحمته، فلا يجد حاجةً للتصريع، وإن اختَلَف الموقع الذي يتحدَّث عنه، ويعلو صوته بأنَّات صارخة، عساه يُسمِع أصحاب القرار في هذه الأمَّة فتتحرَّك قلوبهم وأيديهم لنجدة أمَّتهم، والعودة بها إلى مقام القادَة التي أرادَهَا الله - عزَّ وجلَّ - لها:



تَعُودُ بِيَ الذِّكْرَى فَأَلْقَى فَوَاجِعًا

بِأَنْدَلُسِ الْغَنَّاءِ وَالْقَصَبَاتِ




أَقَامَ بِهَا الْإِسْلاَمُ دَهْرًا بَنَى بِهَا

حَضَارَةَ عِلْمٍ وَافِرِ الْبَرَكَاتِ




لَقَدْ سَكَبُوا أَزْكَى الدِّمَاءِ بِأَرْضِهَا

وَأَصْفَى وَفَاءٍ كَانَ مِنْ مُهَجَاتِ




فَكَيْفَ تَهَاوَتْ بَعْدَ ذَلِكَ وَانْطَوَتْ

صَحَائِفُ مَجْدٍ مِنْ عُلاً وَسَرَاةِ




بِمَاذَا جَزَيْتِ الْقَوْمَ يَا دَارُ بَعْدَمَا

بَنَوْا فِيكِ أَمْجَادًا وَعِزَّ بُنَاةِ




فَجَازَيْتِهِمْ قَتْلاً وَحَرْقًا وَفِتْنَةً

وَتَعْذِيبَ آلاَتٍ وَقَطْعَ صِلاَتِ



بهذه الأبيات يُجمِل الشاعر الحكاية كلها، لكن مشاعره تُفِيض عن هذا الحدِّ، فيَصُوغ العبرة مَرَّة، والحزن مَرَّة، والألم مَرَّة، يتنقَّل من فاجعةٍ إلى أخرى، ولكنَّه على يَقِين من أنَّ قدر الله هو الذي يَجرِي، وما يقوم به الإنسان هو جزاء اختياره، ووقوعه في محظورات الشريعة، وما نهى الله ورسوله عنه:



رُوَيْدَكِ، مَا يَجْرِي قَضَاءٌ وَحِكْمَةٌ

مِنَ اللهِ حَقٌّ جَاءَ دُونَ فَوَاتِ



يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 19.36 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 18.73 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.24%)]