نبذة مختصرة عن نبي الله سليمان عليه السلام
وأما سليمان عليه السلام فهو ابن داود عليه السلام، وهو أحد ثلاثة الذين ملّكهم الله المعمورة من أقصاها إلى أقصاها، وهم: ذو القرنين، وسليمان، وبختنصر، كما أنه أوتي من الكمالات ما لم يؤتها غيره، ومنها: أنه يفهم نطق الطير، قال: وعُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ [النمل:16]، فإذا صاح الطير فإنه يعرف ما يقول، وهذه من أعظم الكرامات والمعجزات، وعُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ [النمل:16].ومما يذكر عن فهمه للطير أنه سئل مرة عن صياح صرد وهو طائر معروف إلى الآن، فقال لهم: يقول: لدوا للموت وابنوا للخراب، وهي كلمة حق، أي: لدوا أيها الوالدين من الرجال والنساء للموت، إذ لو لم نلد ماذا سيأخذ الموت؟ والذين يبنون العمارات والمنازل إنما يبنونها لتكون خراباً وإن بلغت عنان السماء، بل والله لا بد وأن تئول إلى خراب، وكانت هذه موعظة عجيبة من هذا الطائر.
نبذة مختصرة عن نبي الله داود عليه السلام
وأما داود عليه السلام هو أبو سليمان عليه السلام، وقصته موجزة في سورة البقرة، وهو أنه كان في جيش يقوده طالوت لقتال جالوت، وذلك أن بني إسرائيل لما استعمروا وشردوا وطردوا كما هي حالهم في وقت مضى، سألوا الله عز وجل بواسطة نبي من أنبيائهم أن يملك عليهم رجلاً يجاهدون معه ويستردون ملكهم ويعودون إلى ديارهم، وهذا مبين بإجمال في سورة البقرة، قال تعالى: وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ [البقرة:248] الآية، ثم جاءهم الأمر من الله بأن فلاناً هو الذي سيقودكم، فحملهم الكبر وقالوا: كيف يحكمنا هذا ويقودنا ولم يؤت كذا وكذا من المال والجسم، فألزمهم الله بقبول ولايته، وذلك أنه أعطاهم آية يندهشون أمامها ويسلمون له، وهذه الآية هي أن الملائكة تأتيهم بالتابوت من أرض بابل بالعراق التي احتلها العدو، وبالفعل جاء التابوت وفيه آثار موسى وهارون، فما كان منهم إلا أن سلموا له، أي: سلموا بقيادة طالوت لهم، ومشى معهم ليحارب من احتل بلادهم، وامتحنهم في الطريق ليرى الصابر من العاجز الجزع الذي لا يقاوم ولا يقاتل، فقال لهم: سوف نمر بنهر فلا تشربوا منه، ومن أُلجئ واضطر إلى الشرب فلا يزيد على غرفة يغرفها بيده، وما إن وصلوا إلى النهر حتى أكبوا عليه كالبهائم، ولم ينج إلا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً على عدة أهل بدر، والباقون قال لهم: أنتم لا تصلحون للقتال، فعادوا منهزمين قرابة أربعين ألفاً، وقاتل طالوت بثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً وانتصر، وسبب الانتصار هو أن جالوت خرج من جيشه يطالب المبارزة، وكان جباراً من الجبابرة، فنادى طالوت: من يبارزه؟ من يبارزه؟ فما استطاع أحد أن يخرج إليه، فخرج إليه داود وكان شاباً صغيراً، فتقاتلا فنصره الله على جالوت، ومن ثم رفعه الله تعالى، وأصبح ولي عهد ثم أصبح هو الملك، وأوحى الله إليه ونبأه وأرسله.ومما أعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن داود أنه كان يأكل من عمل يده، وكان يصوم يوماً ويفطر يوم، ومع هذا كان لا يقعد عن الجهاد، وقد كان ينسج الدروع، قال تعالى: وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ [الأنبياء:80]، أي: لتحفظكم من عدوكم، وهنا يروى أن لقمان الحكيم عليه السلام مر بداود وهو عند منزله ينسج الدروع للقتال ويبيعها، فوقف لقمان وهم أن يسأله لماذا هذه؟ أو ماذا تصنع بها؟ فأدركته الحكمة فسكت، فلما فرغ داود من نسج الدرع أخذ يقيسه على جسمه، ثم قال: نعم لبوس الحرب أنتِ، فقال لقمان عليه السلام: الصمت حكمة وقليل فاعله، إذ لو ما صمت وسأل كان أهان نفسه وأذلها، وسأل عما لا يعنيه ولا حاجة له به، لكن لما صبر وصمت وآثر الصمت على النطق استفاد العلم بدون ما سأل.كما أن داود عليه السلام حكم فترة من الزمن، ولما توفي ولى ولده سليمان، وهناك أيضاً حادثة أشير إليها وهي أن سليمان كان أمام المحكمة وهو طفل يلعب مع الأولاد، فاختصمت امرأتان في طفل لهما، فلم خرجتا من مجلس القضاء سألهما سليمان: بم حكم أبي؟ قالوا: حكم بكذا وكذا، والقضية هي أن امرأتين نامتا في مكان ما، فجاء فاختطف ذئب أو حيوان فأخذ أحد الطفلين لهما، ولما استيقظت إحداهن وجدت أن طفلها غير موجود، فضمت إليها طفل جارتها، وقالت: هذا ولدي، فبكت الأولى وترافعا وتقاضيا عند الملك داود، فحكم بالطفل للكبرى اجتهاداً، إذ الصغيرة لا يمكن أن تصدق، ثم كيف تلد وهي لازالت صغيرة؟ بينما الكبرى معقول أن تكون هي أمه، فقال سليمان لأبيه: اذبح هذا الولد، فالتي ترضى بذبحه ليست بأمه، فلما قال: هاتوا الولد ليذبح، صاحت الأم وقالت: لا يذبح، إنه ليس بولدي، بينما الأخرى قدمته ليذبح، إذ لو كان طفلها وفلذة كبدها فإنها لا تعطيه ليذبح.وهناك حادثة أخرى وهي حادثة الزرع، وقد قال الله فيها كما في سورة الأنبياء: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا [الأنبياء:79]، والشاهد عندنا هو أن سليمان تربى في حجر داود، وكان من أنبياء الله ورسله.
بيان المراد بالزبور في قوله تعالى: (وآتينا داود زبوراً)
وقوله تعالى: وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا [النساء:163]، والزبور هو الكتاب، وهو مأخوذ من الزبر الذي هو الكتب، والزبور مائة وخمسون سورة، وليس فيه حكم ولا حلال ولا حرام، وإنما هو حكم ومواعظ، والتوراة هي التي تطبق ويحكم بها وتنفذ أحكام الله فيها، أما الزبور فهو كتاب فقط فيه عظات وحكم فقط، وكان داود عليه السلام إذا قرأه بصوته الحسن يلتف حوله الإنس والجن والطير والحيوان.
تفسير قوله تعالى: (ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك ...)
وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء:164]. وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ [النساء:164]، أي: ورسلاً أرسلناهم يا نبينا وقصصنا عليك قصصهم في القرآن الكريم. وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ [النساء:164]؛ لأنه لا فائدة من ذكر قصصهم، إذ لا يستفيد منها شيئاً، مع أن هناك أمماً في شرق أوروبا وفي الصين وفي اليابان وفي مناطق بعيدة ما أوحى الله تعالى على نبينا من شأنهم شيئاً، إذ ليس هناك فائدة في ذلك، لكن الجهات القريبة من الجزيرة هي التي ينتفع أهل القرآن بمعرفة قصصها، وإلا ما من أمة إلا وقد نبأ الله فيها وأرسل إليها رسولاً، بل ما خلت أمة من نذير قط، لكن الذي ذكر تعالى لنا هذه المنطقة حول الشرق الأوسط، أما الرسل الذين أرسلوا خارج الشرق الأقصى أو الغرب الأبعد فما ذكر تعالى عنهم شيئاً، ولكن نؤمن إيماناً يقينياً أنه ما من أمة إلا وقد خلا فيها نذير، ولهذا قال تعالى: وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ [النساء:164]؛ لأنه لا فائدة في قصصهم والتحدث عنهم؛ لأن العرب واليهود وغيرهم ما عرفوا هؤلاء ولا سمعوا عنهم، فما يستفيدون من قصصهم والحديث عنهم.ثم قال تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء:164]، وهذه حجة أخرى، إذ إن اليهود يعترفون بأن موسى عليه السلام الكليم قد كلمه الله كفاحاً بلا واسطة في جبل الطور، وهذا الذي كلم موسى تكليماً لا يرسل نبياً آخر محمداً ويوحي إليه، وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء:164]، و(تكليماً) مصدر لتأكيد الكلام لا مجرد إيحاء وإعلام سريع، وإنما كان كلاماً حقيقة، ويدل لذلك أنه لما سمع موسى كلام ربه قال: رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف:143]، فلولا أنه سمع كلام الله حقيقة ما كانت تتطلع نفسه إلى رؤية الله عز وجل، أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ [الأعراف:143]، فعجز عن رؤية الجبل لما تهدم وتحطم.
تفسير قوله تعالى: (رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ...)
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء:165]. رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ [النساء:165]، أي: مبشرين أهل الإيمان وصالحي الأعمال، ومنذرين أهل الشرك والذنوب والآثام، وعلة ذلك: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165]، فلولا الرسل الذين يُرسلون لكان لأهل البلاد حجة يوم القيامة ولقالوا: يقولون: ما جاءنا من نذير، وبالتالي فكيف نعبدك؟ ما بلغنا أمرك ولا نهيك، فلمَ تؤاخذنا؟ إذاً فلقطع هذه الحجة ما خلت أمة إلا وأرسل الله فيها رسولاً أو بعث فيها رسولاً، رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165]، وحتى الأمم التي تُهلك وتدمر، ما دمر الله أمة ولا قرية ولا أهلك بلاداً إلا بعد إقامة الحجة عليها، أو قبل أن يرسل الرسول ويدعوهم ما أهلك الله أمة لا بالجوع ولا بالمرض ولا بغير ذلك. وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء:165]، غالباً قاهراً لا يمانع فيما يريد أن يفعله، وحكيماً في كل أفعاله، إن أعطى لحكمة، وإن منع لأخرى، وإن أعز لحكمة، وإن أذل لحكمة، لا يصدر أبداً أمره إلا مع حكمة مسلَّمة لا ينازع فيها العقلاء.
تفسير قوله تعالى: (لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه ...)
لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [النساء:166]. لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ [النساء:166]، يا بني إسرائيل! يا من أنكرتم على محمد نبوته ورسالته، وقلتم: من يشهد له؟! فمثلاً داود شهد لسليمان، ويحيى شهد لزكريا، ومحمد من يشهد له؟ لا أحد، إذاً تريدون من يشهد له؟ الله هو الذي شهد له، أبعد شهادة الله تطلبون شهادة؟! إن شهادة البشر كلهم لا تساوي شهادة الله؛ لأن الله عليم حكيم. لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ [النساء:166]، أنك أهْلٌ لهذه الوظيفة، وأنك متهيئ لحمل هذه الرسالة، وَالْمَلائِكَةُ [النساء:166]، أيضاً، يَشْهَدُونَ [النساء:166]، أبعد شهادة الملائكة تطلبون شهادة؟ إن جبريل هو الذي يأتي بالقرآن، فكيف لا تُقبل شاهدته؟! وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [النساء:166].
قراءة في كتاب أيسر التفاسير
نسمع بعد هذه البيانات موجز لهذه الآيات فلنتأمل.
معنى الآيات
قال الشارح: [ روي أن اليهود عليهم لعائن الله لما سمعوا ما أنزل الله تعالى فيهم في الآية السابقة أنكروا أن يكون هذا وحياً، وقالوا: لم يوح الله تعالى إلى غير موسى ]، أي: لما نزلت الآيات الأولى وأبطلت حجتهم، فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا [النساء:160] إلى غير ذلك، ذكر أربعة أو خمسة عيوب من عيوبهم، فقالوا: ما نسلم أن هذا يوحى إليه، إذ ما أوحى الله إلا إلى موسى فقط.قال: [ فرد الله تعالى عليهم بقوله: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [النساء:163] ]، فأي حجة بقيت لهم؟ قال: [ فذكر عدداً من الأنبياء، ثم قال: ورسلاً، أي: وأرسلنا رسلاً قد قصصناهم عليك من قبل، أي: قص عليه أسماءهم وبعض ما جرى لهم مع أممهم، وهم يبلغون دعوة ربهم، وأرسل رسلاً لم يقصصهم عليه، وفوق ذلك أنه كلم موسى تكليماً، فأسمعه كلامه بلا واسطة، فكيف ينكر اليهود ذلك ويزعمون أنه ما أنزل الله على بشر من شيء، وقد أرسلهم تعالى رسلاً مبشرين من آمن وعمل صالحاً بالجنة، ومنذرين من كفر وأشرك وعمل سوءاً بالنار، وما فعل ذلك إلا لقطع حجة الناس يوم القيامة، حتى لا يقولوا: ربنا ما أرسلت إلينا رسولاً، هذا معنى قوله تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165]، أي: بعد إرسالهم، وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا ، غالباً لا يمانع في شيء أراده، حَكِيمًا [النساء:165]، في أفعاله وتدبيره.هذا بعض ما تضمنته الآيات الثلاث، أما الآية الرابعة، وهي قوله تعالى: لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [النساء:166].فقد روي أن يهوداً جمعهم النبي صلى الله عليه وسلم وأبلغهم أنه رسول الله صدقاً وحقاً، ودعاهم إلى الإيمان به وبما جاء به من الدين الحق، فقالوا: من يشهد لك بالرسالة إذ كانت الأنبياء توجد في وقت واحد فيشهد بعضهم لبعض، وأنت من يشهد لك؟ فأنزل الله تعالى قوله: لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ [النساء:166]، يريد بإنزال الكتاب إليك شهادة منه لك بالنبوة والرسالة ]، أي: كيف ينزل عليه الكتاب وما هو برسول ولا نبي؟ لا يعقل هذا أبداً.قال: [ وبكل ما تحتاج إليه البشرية في إكمالها وإسعادها، إذ حوى هذا الكتاب أعظم تشريع تعجز البشرية لو اجتمعت أن تأتي بمثله، أليس هذا كافياً في الشهادة لك بالنبوة والرسالة؟ بلى، والملائكة أيضاً يشهدون، وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [النساء:166]، فلا تُطلب شهادة بعد شهادته تعالى لو كانوا يعقلون ].
هداية الآيات
قال: [ من هداية الآيات: أولاً: تقرير مبدأ الوحي الإلهي ]، أي: تقرير وجود وحي يوحيه الله تعالى إلى من يصطفي من الناس، فما من نبي إلا وأوحى الله إليه، ومعنى الإيحاء: الإعلام السريع الخفي يقع في قلب الرجل فيفهم عن الله تعالى ما طلب منه، إذ إن الله يعد الإنسان إعداد خاصاً بتطهير روحه وتزكية نفسه، ثم يلقي إليه بذلك الحكم أو المعنى فيجده في نفسه وهو موقن بأن هذا كلام الله تعالى، كما تسمع أخاك يكلمك فلا تشك أبداً في أنه كلمك، والله عز وجل قد كلم موسى وكلم نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم كفاحاً، أي: وجهاً لوجه، إلا أن نبينا في الملكوت الأعلى وموسى في الملكوت الأسفل، كما أنه كان سبحانه يبعث بالملك فيكلمه نيابة عن الله.والشاهد عندنا: تقرير مبدأ الوحي، والوحي قد انقطع، إذ آخر من يوحى إليهم الأنبياء وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم.قال: [ ثانياً: أول الرسل نوح عليه السلام، وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم.ثالثاً: إثبات صفة الكلام لله تعالى ]، إذ الله يتكلم، فقد كلم موسى، وكلم محمداً، وكلم من شاء أن يكلم من أنبيائه ورسله، وصفة الكلام صفة كمال لا صفة نقصان، لكن لا يخطر ببالك أن كلام الله ككلامك، إذ الله عز وجل سميع بصير، فهل يخطر ببال عاقل أن سمع الله كسمع المخلوق أو بصره كبصر المخلوق؟ مستحيل أبداً.ودائماً اجعلوا هذه الظلة على رءوسكم: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11]، فاذكر يد الله، وقدم الله، وكلام الله تعالى، وكل ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربنا، ولكن لا يخطر ببالك شيء اسمه يشبه كلام الله أو ذات الله أو صفات الله، إذ سبحانه وتعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11].قال: [ رابعاً: بيان الحكمة في إرسال الرسل، وهي قطع الحجة على الناس يوم القيامة ]، فلو سئلت: لم يرسل الله الرسل؟ لكان الجواب: من أجل ألا يحتج الناس يوم القيامة لما يأتي الحساب والجزاء فيقولون: ربنا ما أرسلت إلينا رسولاً، لم تعذبنا؟ فإرسال الرسل من أجل قطع الحجة على البشر يوم القيامة، وهذا الوجه الأول، والوجه الثاني: إرسال الرسل من أجل هداية الخلق وإصلاحهم وإكمالهم وإسعادهم، لا لمجرد العبادة فقط.قال: [ خامساً: شهادة الرب تبارك وتعالى والملائكة بنبوة خاتم الأنبياء ورسالته ] وتذكرون شهادة الله لنفسه: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:18]، فهذه شهادة الله عز وجل لنفسه، وهو أعلم بنفسه وبخلقه وكائناته أنه لا إله إلا هو، لكن لو قيل لك: كيف عرفت أنه لا إله إلا الله؟ فأيسر جواب أن تقول: لأن الله قد شهد بذلك، وملائكته شهدوا بذلك، وأهل العلم شهدوا بذلك، فكيف لا أشهد أنا؟ هل أنا أعلم منهم؟مرة أخرى: هذه الجملة: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ [آل عمران:18]، أكبر حجة لك إذا سئلت: كيف شهدت أن لا إله إلا الله؟ فتقول: أنا شهدت ذلك بشهادة الله وبشهادة ملائكته وأنبيائه ورسله؛ لأن أهل العلم هم الأنبياء والرسل، فهل تقبل شهادة بعد شهادة الله تعالى؟قال: [ خامساً: شهادة الرب تبارك وتعالى والملائكة بنبوة خاتم الأنبياء ورسالته ]، إذاً فكيف يكفر به النصارى أو اليهود، والله يشهد له بأنه نبيه ورسوله فقال: لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ [النساء:166]؟!قال: [ سادساً: ما حواه القرآن من تشريع وما ضمه بين دفتيه من معارف وعلوم أكبر شهادة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة ]، أي: أن القرآن قد حوى العلوم والمعارف بكل فنونها وأصنافها، وأعظمها التاريخ البشري، فهل صاحبه لا يكون رسولاً؟! يأتيك ورقة من رجل مكتوب فيها كلمة فتصدق أن هذا قد بعثه فلان، فكيف إذاً بصاحب هذا الكتاب العظيم الجليل وتقول ما هو برسول؟! كيف يعقل هذا الكلام؟! ولكن الشهوات والأهواء والأطماع والعادات السيئة ودفع الشياطين لهم، جعلهم ينكرون الحق، وليس بعجيباً هذا ولا غريباً، والهداية بيد الله تعالى.فاللهم اهدنا، اللهم اهدنا، وخذ بأيدينا إلى رضاك يا رب العالمين.وصلى الله على سيدنا محمد.