عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 12-05-2021, 04:55 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,995
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )




تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة النساء - (78)
الحلقة (300)

تفسير سورة النساء (81)


إن الله عز وجل اتخذ إبراهيم خليلاً، وما استحق إبراهيم عليه السلام لهذه الخلة إلا بعد أن تعرض لصنوف من الابتلاءات والمحن، والتي وقف إزاءها بكل إيمان وتسليم، فتعرض عليه الصلاة والسلام للإلقاء في النار، وتعرض هو وزوجه سارة للفتنة عند ملك مصر، وترك زوجه هاجر وابنه إسماعيل بواد غير ذي زرع بأمر من الله عز وجل، ثم آخر ذلك امتثل لأمر ربه طائعاً حين أمره بذبح ولده إسماعيل، فلما أن كاد ينفذ فيه أمر ربه فداه سبحانه بذبح عظيم، فاستحق بذلك إبراهيم أن يكون خليل الرحمن.
تفسير قوله تعالى: (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ...)
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات في أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، حقق اللهم لنا هذا الرجاء، إنك ولينا ولا ولي لنا سواك.وما زلنا مع سورة النساء المدنية المباركة الميمونة، وها نحن مع هذه الآيات الخمس، فهيا نتغنى بها عدة مرات ثم نأخذ في شرحها وبيان مراد ربنا تعالى منها، فإن كان عقيدة عقدناها في قلوبنا فلا تنحل عقدتها حتى نلقى ربنا، وإن كان مراد الله منها أمراً تهيئنا للنهوض به، وصممنا على القيام به؛ لأنه أمر مولانا وسيدنا ومالك أمرنا، إذ كيف لا نطيعه؟! وإن كان نهياً عن عقيدة فاسدة، عن خلق سيء، عن عمل باطل، فإننا من الآن وكلنا عزم وتصميم ألا نأتي ما حرم الله علينا، وإن كانت الآيات تحمل بشرى استبشرنا وحمدنا ربنا وطلبناه المزيد، وإن كانت تحمل تحذيراً من خطر أو وقوع في شر، حذرنا مستعينين بربنا سائلين أن يقينا كل مكروه، وتلاوة هذه الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا * وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا * رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [النساء:163-166].
تقرير مبدأ الوحي الإلهي
معشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذه الآيات ترد على اليهود الذين فضحهم الله بالأمس وأزح الستار عنهم في الآيات التي درسناها، إذ لما بلغهم ذلك خافوا واضطربوا وأعلنوا عن مكرهم وخداعهم، وقالوا: إن محمداً لا يوحى إليه، وما قاله من كلام إنما هو من تلقاء نفسه، وليس وحياً من الله وكلامه، والله ما أوحى إليه ولا يوحي إليه، وأشاعوا هذه بين أقوامهم للخروج من الورطة التي تورطوا فيها، فرد الله تعالى عليهم بقوله: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى [النساء:163] النبيين والمرسلين، فكيف تستطيعون يا يهود أن تنكروا الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي أوحى إلى الأنبياء والمرسلين من قبله؟ ثم بأي حجة وبأي منطق أو حق تقولون ذلك؟
أول الرسل إلى الأرض هو نوح عليه السلام
إِنَّا [النساء:163]، أي: رب العزة والجلال والكمال، أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [النساء:163]، يا رسولنا! محمداً صلى الله عليه وسلم، كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [النساء:163]، ونوح -هذا الاسم- مشتق من النوح، من ناح ينوح نوحاً، إذا بكى وناح، ونوح عليه السلام هو أول المرسلين الذين حملوا رسالة التوحيد؛ ليدعو إلى عبادة الله وحده دون سواه، وهو أول رسول حارب الشرك، وقد عاش مع قومه أكثر من ألف سنة، أي: تسعمائة وخمسين سنة كان فيها داعياً إلى الله عز وجل، ولاقى من جهلة قومه ما لاقى وصبر، وأخيراً رفع كفيه إلى ربه ودعا على قومه، واستجاب الله عز وجل دعاءه فأغرقهم أجمعين، اللهم إلا نيفاً وثمانين رجلاً وطفلاً وامرأة، وغرقت البشرية كلها، وكانت في إبان عهدها الأول، وقصة نوح مكررة في القرآن الكريم، وحسبنا السورة المسماة باسمه وهي سورة نوح بين سورة الجن وسورة المعارج.
تعريف الوحي
إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [النساء:163]، والوحي والإيحاء من وحى يحي وحياً، إذا ألقى إليه الكلمات بمعانيها دون حروفها، فهو كالإشارة والرموز، وأوحى إليه يوحي إيحاءً، إذا أبلغه مراده بطريقة الإيحاء، أي: السريع الخفي، فقد يكون الرجل بين إخوانه ويلقى إليه، ويفهم عن الله والحاضرون لا يعرفون شيئاً.والوحي: إعلام سريع قد يُعلم الله تعالى به غير الأنبياء والمرسلين، كما أوحى إلى أم موسى في شأن ولدها أن تضعه في تابوت وترمي به في اليم حتى لا يأخذه فرعون ورجاله، ومريم البتول أيضاً أُوحي إليها، فقد أعلمت بطريق خفي من قبل ربها تبارك وتعالى.
ابتلاء الله لإبراهيم بقذفه في النار
وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ [النساء:163]، ومعنى لفظ (إبراهيم) باللغة السريانية أو العبرية: الأب الرحيم، ، وإبراهيم سرياني من أرض بابل بالعراق، وهو خليل الرحمن عز وجل، ولم يسبق إلى الخلة إنسان قبل إبراهيم عليه السلام، ولم يظفر بها بعد إبراهيم إلا سيد المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، إذ قال عليه الصلاة والسلام: ( لو كنت متخذاً غير ربي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن يكفي خلة الإسلام )، وقد ابتلي بما لم يبتل به غيره، فقد ألقي عليه السلام في النار، وذلك أنهم أججوا له النار أربعين يوماً، بل وكانت المرأة تنذر لآلهتها بحزمة من الحطب تلقيها في نار إبراهيم! وفعلاً وضع القيد في يديه ورجليه وألقي بمنجنيق؛ لأن النار كانت شديدة الالتهاب لم يقدر أهلها أن يقربوا منها، وقد عرض له جبريل يمتحنه في تلك الساعة الحرجة فقال له: ألك حاجة يا إبراهيم؟! فقال: أما إليك فلا، ولما عرف الله وأقبل عليه وتنكر لما سواه ولم يبال به، عرف أنه لا ينقذه من هذه النار إلا مولاه، فقال تعالى للنار: كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69]، فصدر أمر الله تعالى إلى النار وهي مخلوق من مخلوقاته، تعرف عن الله وتسمع وتطيع كسائر المخلوقات، قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69]، فلم تعد النار إلا على القيد الذي في يديه ورجليه، ثم خرج منها يتفصد عرقاً، وودع القوم وقال: إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ [الصافات:99]، فكانت أول هجرة تقع على الأرض من عبد من عباد الله الصالحين، ولذلك كان أول من هاجر من ديار الكفر والشرك والظلم والشر والفساد إبراهيم الخليل بن آزر، وقال إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ [الصافات:99-100]، فكان هذا من البلاء.
ابتلاء الله لإبراهيم في زوجه
ثم اتجه غرباً نحو ديار الشام وتجاوزها إلى الديار المصرية، وذلك مع زوجه سارة بنت عمه وابن أخيه لوط، وكأنه تركه في الديار الفلسطينية ولم يواصل معه السير متجهاً غرباً، وقد حدث أن بعض المجرمين أخبروا ملك مصر بأن غريباً من الرجال معه فتاة حسناء جميلة، وأنها لا تليق إلا به، فقال: أتوني بها، وجاء أولئك يطلبون امرأة إبراهيم عليهما السلام، فقال لها إبراهيم: يا سارة! إنه لا يوجد على هذه الأرض مؤمن إلا وأنت، فأنا أخوك وأنت أختي، فإذا سألك الطاغية عني فقولي: هو أخي، ولا تقولي: إنه زوجي؛ لأنها إذا قالت: إنه زوجي، سيقتله ليتخلص منه ثم يتزوج بامرأته، لكن كلمة: (أخ) لا يبالي بها، إذ الأخ يزوج أخته من شاء.ومن عجائب تدبير الله وآياته وكراماته لأوليائه وصالح عباده رجالاً أو نساءً، أنهم لما حسنوا ثيابها وأصلحوا حالها، ووضعوها على سرير الطاغية ليداعبها ويكلمها ويؤانسها، فكان كلما وضع يده على كتفها يصاب بالشلل الفوري، فتيبس يده ويصرخ، ويقول لها: ادع مولاك، ثلاث مرات، ثم في الأخير قال: أخرجوها عني، لقد أتيتموني بشيطانة، ولكن مع هذا فقد أعطاها خادمة وبغلة ومالاً، ثم جاءت إبراهيم فقالت: أهلك الله العدو وخيبه وأذله وأخزاه، وهذه الجارية لك فخذها، وكانت الجارية هي هاجر أم إسماعيل، إذ إن إبراهيم عليه السلام تسراها لنفسه، ثم شاء الله أن تحمل بإسماعيل، وسارة لها سنوات كثيرة وهي مع إبراهيم لم تلد أبداً، فلما أنجبت هاجر إسماعيل أخذت سارة الغيرة وآلمتها، كيف أن هذه الجارية تلد وأنا لا آلد؟! والآن قلب إبراهيم كله سيكون مع طفله وجاريته، فماذا يصنع إبراهيم؟ وهو ما يصنع إلا بتدبير الله له، فأمر هاجر أن تحمل ولدها وأن تخرج معه ليلاً، وكانت عليها السلام تعفي أثرها بدرعها، ومشى بها إبراهيم من أرض القدس حتى وصل بها الوادي الأمين مكة قبل أن تعرف مكة، وهنا قد يقول قائل: كيف وصل بها؟ من الجائز أن البراق الذي حمل رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس قد حمل إبراهيم إلى مكة مع هاجر وطفلها.

يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 35.57 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 34.94 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.77%)]