سعة علم الله وإحاطته الشاملة بكل شيء
وَكَانَ اللَّهُ [النساء:148]، وما زال، سَمِيعًا [النساء:148]، لأقوالكم، عَلِيمًا [النساء:148]، بأفعالكم، وإن أسررتم القول وإن أخفيتم العمل فالعوالم كلها بين يديه، لا يخفى عليه من أمر الخليقة شيء، وإن قلتم كيف هذا؟ قلنا: أما قال تعالى عن نفسه: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:67]؟ فهل يخفى شيء على من هذا شأنه والعالم كلها كالنملة بين يديه ظاهره كباطنه؟ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا [النساء:148] فاحذروا أن يسمع ربكم السوء تنطقون به، أو تأتون وتفعلون المنكر، فإنه سميع لكل الأقوال، عليم بكل الأعمال، فربوا هذه في نفوسكم. لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا [النساء:148]، معاشر المستمعين والمستمعات! احذروا أن يسمع الله منكم كلمة سوء تقولها لامرأتك أو لولدك أو لجارك أو لخادمك أو لأي واحد، أو ما تستطيعون؟ والله لتستطيعون، فأنا ما أذكر في حياتي التي تجاوزت سبعين سنة، وخاصة عند مناهزتي البلوغ أن ذكرت كلمة سوء أبداً، ومن قال: قد سمعتها منك يا شيخ فليأت إليَّ، فلا سببت ولا شتمت ولا عيرت ولا قبحت أحداً قط، وأنا أقول هذا لتفهموا أن هذا ليس بمستحيل، وإنما عود نفسك فقط، فخذها بذكر الله عز وجل ومراقبته، ولو كان تعالى يعلم أننا ما نستطيع ألا نجهر بالسوء ما يعلمنا أنه لا يحبه حتى نحن لا نحبه. لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ [النساء:148]، فمن أحب الجهر بالسوء فقد عادى الله تعالى، إذ الولاية تعني الموافقة، فإن وافقتني في محابي ومكارهي فأنت وليي، وإن عاكستني وخالفتني، كأن أحب هذا وأنت تكره هذا، فكيف نتوالى؟ ومن أين يأتي الولاء؟ ولذا لابد يا أبناء الإسلام! أن تحبوا كل ما يحب الله حتى النظرة، ولذلك أيما شيء يبلغنا أن الله يحبه فيجب أن نحبه، وأيما شيء يبلغنا أن ربنا يكرهه فيجب أن نكرهه بقلوبنا، وبذلك تثبت ولايتنا لربنا، ونصبح مع ذلك البيان: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:62-63]، يتقون ماذا؟ الحيات والعقارب؟ اللصوص والمجرمين؟ يتقون ما يغضب ربهم، فلا يعتقدون ولا يقولون، ولا يفعلون شيئاً علموا أن الله كرهه وحرمه على أوليائه، بل وطول حياتهم وهم يتقون. لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا [النساء:148]، فالمظلوم يذكر مظلمته، كأن يقول أمام الحاكم أو القاضي: قال لي: يا خنزير، أو قال لي: يا ديوث، وذلك لما يقول الحاكم: ماذا قال لك؟ فيقول: سبني، فيقول القاضي: ماذا قال لك؟ فهل يقول: لا أقول؟! إذاً: ما سبك، وبالتالي فلابد وأن تقول: قال لي كذا وكذا، وهنا قد جهرت بالسوء، لكن قد أذن لي ربي فيه. لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا [النساء:148]، فاحذروه وخافوه وراقبوه، ولا تفهموا أنكم وحدكم، إن شئتم سببتم وإن شئتم شكرتم، فإن الله يسمع أقوالكم ويرى أعمالكم ووجودكم.
تفسير قوله تعالى: (إن تبدوا خيراً أو تخفوه أو تعفوا عن سوء...)
إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا [النساء:149].
علم الله الشامل لكل ما يفعله العبد أو يخفيه
إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا [النساء:149]، أي: تعلنوه وتظهروه، أَوْ تُخْفُوهُ [النساء:149]، أي: تستروه، فالله عز وجل يعلمه ويثيبكم على ذلك ويجزكم، إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا [النساء:149]، ما الخير يا عباد الله؟ الخير ضد الشر، والخير ما يحسن والشر ما يسيء، والخير ما يُكسب الحسن، والشر ما يُكسب الأذى.إذاً: هذه نعمة الله للمؤمنين، فيخبرنا ويقول: إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا [النساء:149]، أي: تعلنوه وتظهروه، سواء كان صلاة أو صياماً أو صدقة أو أمراً بمعروف أو نهياً عن منكر، وأظهرت ذلك أو فعلتموه سراً، فإن الله تعالى يعلمه.
استحباب العفو عن المؤمن إذا بدا منه سوء
إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ [النساء:149]، ما معنى: نعفو عن السوء؟ أساء إليَّ جاري، أو أخي فلان، فإننا نعفو عنه، فلا نرد السيئة بالسيئة، ولا الشتمة بأختها، ولا الضربة بضربة، وإنما نعفو ونصفح، ونتلقى الجزاء من الله عز وجل.وهذا الحبيب صلى الله عليه وسلم -من لا يحبه ما هو بالمؤمن، وهو كافر، ويكذب إن ادعى أنه مؤمن- يقول في الصحيح: ( ما نقص مال من صدقة )، فتتصدق من مالك الذي في جيبك أو في خزينتك أو في بستانك أو في بيتك، اعلم أن تلك الصدقة ما ينقص منها المال أبداً، وهذا وعد الله على لسان رسوله، وأبين لكم فأقول: إذا كان عندك ألف ريال فتصدقت بخمسين، فأنت تراها أنها قد نقصت، وهي في الحقيقة والله ما نقصت؛ لأن هذا الباقي ينفعك الله به أكثر من تلك الخمسين الريال لو بقيت، والله عز وجل يبارك لك ذلك الباقي فيصبح أفضل من ألفين بدل الألف، ( ولا زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً )، أي: ما من عبد يعفو عن مؤمن لوجه الله تعالى إلا أعزه الله، فإذا سبك فلان أو شتمك أو عيرك، فأنت تقول: سامحته، اتركوه ولا تردوا عليه، فإن هذا التنازل هو العفو، والله يرفعك به ويزيدك في عزتك وكمالك. لكن لو أنك رددت عليه فسببته فماذا استفدت؟ لا شيء، وإنما قابلن سوءاً بسوء، لكن لو أنك عفوت عنه، فإنه سيصبح يحترمك ويهابك ويعزك، ويزيدك الله بذاك العفو عزاً؛ لأنك قادر على أن تضربه أو تأخذ منه، لكن تركته لله فالله عز وجل يعزك ولا يذلك ولا يهينك، فهكذا ينبغي أن يكون المجتمع القرآني المحمدي.قال: ( ومن تواضع لله رفعه الله )، أي: من تواضع لأجل الله لا كبر ولا رياء، وإنما لين وانقياد وابتسامة وكلمة طيبة، وإن كان من أشرافنا، وإن كان من أغنيائنا، وإن كان من حاكمينا، فذاك التواضع والله لا يزيده الله به إلا رفعة، ولا تفهم أنك إذا تواضعت تذل وتهون، لا أبداً، بل تعلو وترتفع. إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا [النساء:149]، عفواً يعاملك بالعفو فيعفو عنك إذا زلت قدمك وسقطت في هاوية، بل ولا يؤاخذك مقابل عفوك لفلان، ولذا إن عفوت لوجه الله تعالى عمن ظلمك كالزوجة أو الابن أو الأخ القريب أو البعيد أو جاهل أو كافر أو مؤمن، فالله عز وجل يعفو عنك بأكثر، أي: قد تتعرض لعذاب الله فيعفو عنك، أو تزل قدمك بمعصية فيذكر الله عفوك عن عبده فلاناً فيغفر لك. إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا [النساء:149]، والعفو هو الذي يقدر على العفو، هل يوجد واحد بيننا ما عفا الله عنه؟ لو كان الله يؤاخذنا بكل سيئة والله ما بقينا إلى اليوم، ونحن أولياؤه فيقول لنا: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30]، أي: وما أصابكم من مصيبة يا عباد الله! يا أولياء الله! بسبب ما كسبت أيديكم، وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30]، إذ لو ما كان يعفو عن كل ذنب والله نعيش إلى هذه اللحظة، بل لانتهينا من زمان، فالحمد لله أنه عفو قدير، وما هو بعاجز على أن يعفو عن عباده.
ملخص لما جاء في تفسير الآيات
نعيد تفسير هاتين الآيتين: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا [النساء:148]، سميعاً لأقوال الخليقة وكلامها، وعليماً بظواهرها وبواطنها وأحوالها، فلهذا يجب أن نراقبه، فإذا أردنا أن نقول الكلمة ننظر: هل هي مما يحبه الله أو مما يكره؟ فإن قلت: هذا مما نهى الله عنه ويكرهه، والله لا نقولها، وإن قلت: هذه يحبها الله، إذاً قلها وارفع صوتك بها، أو أردت أن تمشي خطوات إلى مكان كذا، أو أردت أن تعمل عملاً معيناً، فانظر هل هذا العمل مما يحبه الله؟ فإن كان مما يحبه الله فافعله، وإن كان مما يكره الله فاتركه، وهذه هي المراقبة لله تعالى، وأهلها هم الفائزون. لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ [النساء:148]، ما السوء يا عباد الله؟ السوء كل كلمة تسوء إلى من تقولها فيه، أو كل عمل تعمله يتأذى به إنسان، فهذا هو السوء والله لا يحبه، فهيا نحن أيضاً لا نحبه، أو نريد أن نخالف ربنا؟ وهل إذا خالفناه نبقى أولياء له؟ أعداء.معشر المؤمنين والمؤمنات! ولاية الله تتحقق بالموافقة، أي: أن توافقه فيما يحبه فتحبه بحبه، وفيما يكرهه فتكرهه بكرهه، فتلك هي الولاية، وإن كانت الآية الكريمة تقول: أولياء الله هم المؤمنون المتقون، وغير المؤمن يحب ما يحب الله ويكره؟ ما عرف الله، لذا لابد من الإيمان أولاً، ثم يتقون ماذا؟ يتقون ما يكرهه الله فيتجنبوه.إذاً: فالولاية هي الموافقة لله تعالى، فوافق ربك فيما يحب وفيما يكره فأنت وليه، وإن أردت أن تعاكسه أو تخالفه فأنت عدوه والعياذ بالله. إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ [النساء:149]، ما الذي يحصل؟ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا [النساء:149]، يثيبكم ويعطيكم ويجزيكم على إحسانكم بما هو أفضل، ويعفو إن عفوتم أكثر مما عفوتم أنتم عن عبيده وأوليائه. لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ [النساء:148]، هل يجهر الإنسان بالفعل؟ ما أظن أن إنساناً يفعل الفاحشة في الشارع، وكما قد قلت لكم: إن هذا المؤمن نزل ضيفاً على جماعة فلم يضيفوه، فشكاهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا له الناس: لمَ تشكوهم إلى رسول الله؟ وعتبوا عليه، فأنزل الله تعالى بأنه لا عتبا عليه أبداً، إذ له الحق في ذلك؛ لأنه مظلوم، وهو قد ذكر ما ظلموه به، ولذا أغلب ما يقال أو يجهر به هو القول، وأما الفعل فأكثره لا يجهر به.
قراءة في كتاب أيسر التفاسير
معنى الآيات
قال المؤلف: [ يخبر تعالى أنه لا يحب الجهر بالسوء، ولازم هذا أن عباده المؤمنين يجب أن يكرهوا ما يكره ربهم، ويحبوا ما يحب ربهم، وهذا شرط الولاية وهي الموافقة وعدم المخالفة ]، أي: أن شرط الولاية هي أن تحب ما يحب الله وتكره ما يكره الله، فوافق ربك فأنت وليه، وإن خالفته فأنت عدوه.قال: [ ولما حرم تعالى على عباده الجهر بالسوء بأبلغ عبارة وأجمل أسلوب، استثنى المظلوم فإن له أن يجهر بمظلمته لدى الحاكم ليرفع عنه الظلم، فقال تعالى: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ [النساء:148]، وما زال سَمِيعًا عَلِيمًا [النساء:148] ].قال: [ ألا ] ألو، وإخواننا الزوار لما يسمعوا: ألو، يقولون: لماذا نقول: ألو؟ والجواب: لأننا ألفنا (ألو) وأصبح الطفل الصغير يحبو فيأخذ التلفون ويقول: ألو، ألو، وكذلك المرأة، فأصبحت كلمة شائعة عندنا، وقد سأل بعضهم: (ألو) ما هي؟ فقالوا: ألو هكذا خلقت، أي: لم نعرف ما هي؟ هل هي بريطانية؟ هل هي فرنسية؟ هل هي أمريكية؟ هل هي صينية؟ لا هذا ولا ذاك، وإنما وجدت هكذا مع التلفون، ونظيرها (أي) في لغة العرب، فهي مرة مبنية، ومرة معربة، ومرة كذا، وقد سئل سيبويه: ما حال أي؟ فقال: أيٌ هكذا خلقت، ما عندي فيها شيء، وكذلك (ألو) هكذا وجدت، ونحن قد سبقناهم بألف وأربعمائة سنة، إذ إن كل جملة خبرية في كتاب الله أو في لسان رسول الله أو العارفين بلغة القرآن، تبدأ بكلمة (ألا) فمعناها: انتبه، هل أنت تسمع ما أقول لك؟ أما (ألو) فما فهمنا معناها. قال تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]، قل يا رب! من هم أولياؤك؟ فيجيبك الله عز وجل بقوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [يونس:63-64]، أتدرون ما البشرى؟ قد فسرها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ( الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح أو تُرى له )، ولا فرق بين أن تراها أنت أو يراها فلان ويخبرك بها. وهناك بشرى أخرى أيضاً عند سكرات الموت، واسمعوا إلى قول الله تعالى من سورة فصلت ومن سورة الأحقاف: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ [فصلت:30]، لا رب لنا سواه، ثُمَّ اسْتَقَامُوا [فصلت:30]، ما اعوجوا، وإنما استقاموا في مشيتهم إلى دار السلام، فلا ميل إلى اليمين بترك واجب، ولا إلى الشمال بفعل حرام، وإنما استقامة سليمة حتى جاء الموت، إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا [فصلت:30]، أخبرنا عنهم يا رب، قال: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ [فصلت:30]، مواكب، تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ [فصلت:30]، وتقول لهم: أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت:30]، وهذا والله قبل أن يلفظ أنفاسه ويفارق حياته، وهذا هو صاحب الروح الطاهرة الزكية النقية، الذي آمن واستقام، أما آمن واعوج وانحرف، فيوماً يترك واجباً، ويوماً يفعل حراماً، فما هو بأهل لهذه الكرامة، أي: ملائكة تحتفل بموته، تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت:30] بها في القرآن الكريم وعلى لسان رسول الله.قال: [ ألا فليُتق عز وجل فلا يعصى بفعل السوء ولا بقوله، ثم انتدب عباده المؤمنين إلى فعل الخير في السر أو العلن، وإلى العفو عن صاحب السوء، فقال: إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا [النساء:149]، فسيكسب فاعل الخير خيراً أبداه أو أخفاه -على حد سواء- وسيعفو عن صاحب العفو حينما تزل قدمه فيجني بيده أو بلسانه ما يستوجب به المؤاخذة، فيشكر الله تعالى له عفوه السابق فيعفو عنه ]، أي: أنت عفوت عن زيد أو عمرو، أبشر بأن الله سيعفو عنك في يوم من الأيام.قال: [ فيشكر الله تعالى عفوه السابق فيعفو عنه: فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا [النساء:149] ].ثم إن هذه الآيات فيها ثلاث هدايات، فإن قيل: يا شيخ! وهل الآية فيها هداية؟ والله لا تخلو آية من هداية إلا من عمي، والآية معناها العلامة، أي: العلامة على شيء، والقرآن فيه ستة آلاف ومائتين وأربعين آية، وكل آية تدل دلالة قطعية على وجود الله ونبوة رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن أراد أن يعرف أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فليأخذ آية من كتاب الله، وليسأل نفسه: من أنزل هذه الآية؟ من قالها؟ كلام من هي؟ لن تجد جواباً إلا إذا قال قائل: الله عز وجل.وإن قلت: هذه الآية على من نزلت؟ على أبي جهل؟! على عقبة بن معيط؟! على فرعون؟! على من؟ ليس هناك جواب إلا: على رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذاً: فوالله لهو رسول الله أرسله للناس جميعاً.وصلى الله على نبينا محمد.