تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط...)
فهيا مع هذه الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا [النساء:135-137].
مناداة الله تعالى لعباده المؤمنين بأن يعدلوا في شهاداتهم
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [النساء:135]، هذا أمر الله تعالى، وقد نادى المؤمنين به، فلبيك اللهم لبيك وسعديك، فماذا يطلب منا؟ والجواب: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ [النساء:135].فهل عرف المؤمنون هذا؟ والله إن بعضهم يجلسون أمام المحكمة فيقول أحدهم لمن لديه قضية: هل تريد شاهداً؟ فيعطيه عشرة ريالات أو مائة ويشهد له! وهذا في محاكم العالم الإسلامي، فيجيء الرجل فيشهد عن ابن عمه ويلوي الشهادة ويحرفها حتى يفتن القاضي، بل أحياناً عشرون واحداً من القبيلة يشهدون بالباطل، ويعتزون فيقولون: نحن خلصناه ونجيناه من العقاب؛ لأنهم ما عرفوا الله حتى يخافوه أو يحبوه فيطيعوه.فهذا نداء الله لنا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ [النساء:135]، و(قوامين) جمع قوام على وزن فعَّال، كـ(أكَّال) و(شرَّاب)، ومعنى قوامين بالقسط: أي: بالعدل، إذ القسط هو العدل، شُهَدَاءَ لِلَّهِ [النساء:135]، أي: شهداء لله لا لغيره، فإن شهدت فاشهد لله ليحق الحق ويبطل الباطل، ولا تشهد لقبيلتك ولا لنفسك ولا لولدك.
أمر الله لعبده أن يشهد بالقسط ولو على نفسه
وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ [النساء:135]، فتشهد أمام المحكمة بأنك فعلت، أو أنك أخذت، أو أنك قلت، وتعترف على نفسك أو على ولدك أو على والديك، بل أقرب قريب إليك وهي نفسك؛ لأنك نائب عن الله عز وجل في هذه الشهادة، إذ هو سبحانه الذي أقامك شاهداً وجعل الحق يعطى بشهادتك، وبالتالي فاستح من الله عز وجل أن تخونه، إذ كيف ينصبك شاهداً باسمه ليحق الحق ثم تخونه؟!
حرمة شهادة الزور
ولهذا كان أبو القاسم صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه الكتاب والحكمة، فقال لهم يوماً: ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: الشرك بالله )، فالرسول يخاف على أصحابه أن يشركوا بالله! وجماعتنا وعلماؤنا من ألف سنة يقولون: المؤمن لا يكون مشركاً أبداً! وهو يعبد القبر ويستغيث بالموتى وغير ذلك من الشركيات، فهل العلماء هم الذين ورطوا هذه الأمة؟! ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً -لكبره وتعبه- فجلس ثم قال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، ألا وقول الزور، حتى قال الصحابة: ليته سكت )، أي: أتعبناه وأرهقناه وخافوا أن ينزل ما ينزل من عذاب الله تعالى، لكن اذهب الآن إلى المحاكم في العالم الإسلامي عرباً وعجماً، واسمع إلى الشهادات والشهود على الدماء وعلى الأموال، فلا تحصل على واحد في المائة يشهد لله عز وجل، ولا لوم عليهم؛ لأنهم ما عرفوا الله حتى يشهدوا له، ثم من علمهم؟ وهل سألوا حتى عرفوا؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ [النساء:135]، فهيا من الآن نكون قوامين بالقسط الذي هو العدل، وشهداء إذا حكمنا بين اثنين حكمنا بالعدل، أو حكمنا بين الزوجتين فبالعدل، أو في كل قضية فنقضي فيها بالعدل، بل وإذا دعينا للشهادة فلنشهد ولو على أنفسنا وأبنائنا ووالدينا، وهذا هو الإسلام، لكن قد نسي هذا المسلمون وضاعوا قروناً حتى أصبح الكفار المسيحيون في أوروبا أكثر عدالة من المسلمين في محاكمهم وقضاياهم، بل وأكثرهم لا يشهد شهادة الزور أبداً ولا يتورط بالباطل، ونحن أهل القرآن لا تسأل عن حالنا، وسر ذلك أننا ما عرفنا هذا أبداً ولا تعلمناه، لا أمهاتنا ولا آباؤنا ولا أجدادنا قروناً عديدة. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ [النساء:135]، كالأبناء والإخوة وما إلى ذلك.
وجوب أداء الشهادة على وجهها دون التفريق بين غني وفقير
إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا [النساء:135]، أي: إن دعيت للشهادة فلا تلتفت إلى غنى الرجل أو إلى فقره، وتقول: هذا فقير فلنشهد معه لأنه في حالة ضعف، وهذا غني فلنشهد معه؛ لأنه ممكن أن يحرموني من كذا، أو يقف يوماً من الأيام ضدي، لا تلتفت إلى هذا أبداً. إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا [النساء:135]، فليس أنت الذي تحارب الغني أو ترحم الفقير، وعند ذلك والله لا يبقي مجال أبداً لأن يشهد مؤمن شهادة باطل، أو أن يقضي قاض بالباطل، وذلك لمحاباة للفقير لفقره أو للغني لغناه، فقد أبطل الله هذا كاملاً، فإن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بفقره وغناه، فما أنت بمسئول عنه، إذ قال تعالى: فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا [النساء:135]. فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا [النساء:135]، والهوى -ليس الهواء بالمد- هو ميل النفس وانكسارها وانعطافها على الشهوات والأطماع الفاسدة، فلا تتبعوا الهوى كراهة أن تعدلوا.
علم الله بمن يلوي أو يعرض عن الشهادة
وَإِنْ تَلْوُوا [النساء:135]، بالكلمة، أَوْ تُعْرِضُوا [النساء:135]، عن بعض الكلام في الشهادة، فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء:135]. فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى [النساء:135]، أي: عند الحكم وعند الإشهاد؛ كراهة أو خشية أَنْ تَعْدِلُوا [النساء:135]، أي: تميلوا عن الحق، وَإِنْ تَلْوُوا [النساء:135]، واللي أن يلوي لسانه فيحرف الكلمة، أو أن القاضي يلوي وجهه عن هذا الخصم ويلتفت إلى هذا، ولذلك يجب على القاضي أنه إذا وقف أو جلس الخصمان أمامه أن ينظر إليهما نظرة متساوية، فلا يضحك مع هذا ويغضب على هذا، أو أن يتكلم مع هذا ويسكت مع الآخر، بل حتى النظر لابد أن يكون نظر القاضي إلى الخصمين متساوياً.والمقصود: لا تلووا في الكلام أو تعرضوا عن الشهادة بالمرة، أو عن المقصود منها بالمرة، إذ إن هناك من يلوي الكلام في شهادته فلا يثبت بها حقاً لصاحبها، إذ ما صدق، أو ما صرح تصريحاً كاملاً، بل زاد كلمة أو نقص أخرى، وهذا هو المقصود بقوله تعالى: وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء:135]، والخبير أكثر من العليم، إذ الخبير هو الذي يعرف أجزاء القضية من أولها إلى آخرها، وبالتالي فخافوه واعرفوا سلطانه، إذ هو الذي يميت ويحيي، وهو الذي يفقر ويغني، وهو الذي يمرض ويشفي، وهو الذي يعطي ويمنع، فهل هناك من يدير الكون سواه؟! تعيش سبعين سنة ما تكذب كذبة واحدة، وما تشهد شهادة زور ولا كلمة باطل؛ لأنك تعلم أن الله بما تعمل خبير، فيجزيك بصنيعك الذي صنعت.فهذا هو تفسير الآية الأولى، واسمعوا تلاوتها مرة أخرى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ [النساء:135]، إذا حكمتم، شُهَدَاءَ لِلَّهِ [النساء:135]، إذا استشهدتم، ثم قال: وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ [النساء:135]، ثم: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا [النساء:135]، ليس بشاهد، فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء:135].ومن هنا ما بقي في عهد الرسول وأصحابه وأحفادهم وأولادهم من يشهد شهادة الزور، أو يحكم حكم ظلم وجور، فهذا علي بن أبي طالب أيام خلافته في السنوات الأربع النورانية، ينازعه يهودي في درعه، وكان القاضي الذي يحكم بينهم هو شريح القاضي، فأجلس القاضي علياً وأجلس اليهودي بجواره، وتكلم معهم بلغة واحدة، وكان ينظر إليهم نظرة متساوية، والشاهد عندنا: أن القاضي قال لـعلي: من يشهد لك أن الدرع ملكك؟ فقال: ولدي، فقال القاضي: شهادة الولد لا تقبل للوالد، إذ من الجائز أن يحابي أو يخاف والده، فلما رفض شريح شهادة الحسين بكى اليهودي وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، إمام المسلمين لا تقبل شهادته والدرع درعه! آمنا بالله، إنها مواقف للأمة الإسلامية في العصور الذهبية الثلاثة فوق ما تقدر أو تفكر. وعلة هذا أن القرآن روح ونور، إذ لما كانوا يقرءونه يبكون ويفهمون ما يقرءون ويعملون، فقد كانوا أطهر الخلق وأصفاهم وأعدلهم وأكرمهم، بل وقل ما شئت من الكمالات، ووالله ما اكتحلت عين الوجود بأمة على سطح الأرض من آدم إلى يوم القيامة بأفضل من تلك الأمة في قرونها الثلاثة، ( خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم )، فما سبب كمالهم؟ البترول؟! الأموال؟! إنه القرآن والسنة النبوية، الهداية الربانية.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا آمِنوا بالله ورسوله...)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:136]. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [النساء:136]، ناداكم مولاكم، لبيك اللهم لبيك، فهل بلغكم أن لله تسعين نداء في القرآن؟ لقد نادى الله عباده المؤمنين تسعين مرة، وكل مرة يأمرهم أو ينهاهم أو يبشرهم أو ينذرهم أو يعلمهم، واسلوا المسلمين ما نسبة من تعرف هذا؟ ولا واحد في المليون، فنادانا الله ليأمرنا باعتقاد وقول وعمل يزكي أنفسنا ويسعدنا في دنيانا وأخرانا، إذ حاشاه أن يأمرنا باللهو والباطل واللعب، أو الفساد والشر، ونادانا لينهانا عما يضر بنا ويفسدنا ويعوقنا عن السعادة والكمال في الدنيا والآخرة، ونادانا ليبشرنا بنتائج وثمار صالحات أعمالنا لنزداد وراء ذلك عملاً، ونادانا لينذرنا من عواقب السلوك المنحرف والعقيدة الفاسدة، ونادانا ليعلمنا ما لم نعلم، وكل ذلك بالتتبع والاستقراء للتسعين نداء.وقد درسنا هذه النداءات هنا وقلنا للمسلمين: ترجموا هذه النداءات بلغات العالم الإسلامي ووزعوها يا أغنياء على الفنادق، وكل سرير يكون عنده كتيب، وذلك قدوة بالنصارى الذين يضعون الإنجيل الأعمى عند كل سرير، ولذلك إذا جاء أحدهم لينام فإنه يستمع إلى نداء من نداءات ربه، فيفرح بذلك؛ لأنه ربه ناداه ليعلمه وليهذبه، ولذا ينبغي على كل أهل بيت أن يعرفوا هذه النداءات، إذ كيف ينادينا ربنا وما نسمع؟ أو نسمع ونقول: قل ما شئت فلن نطيع! أعوذ بالله، أنرضى بالكفر بعد الإيمان؟!وأخيراً: خلاصة الشريعة بكاملها عقائد وآداب وعبادات وأخلاق وسياسات شرعية في الحرب وفي السلم، بل وفي كل الأحوال هي في تسعين نداء، فمن صرف المسلمين عن هذا؟ إنه الثالوث الأسود من اليهود والنصارى والمجوس، ووالله لو كنا صادقين على أن نعود إلى سيادتنا ما إن صدرت هذه النداءات حتى انتشرت في العالم بكامله، فماذا يكلفنا؟ الترجمة باللغات الحية ولغات المسلمين الفارسية إلى الأردية، ولكن صدق الشاعر عندما قال:لقد أسمعت لو ناديت حياًولكن لا حياة لمن تنادي يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ [النساء:136]، ألا وهو القرآن، وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ [النساء:136]، ألا وهو التوراة والإنجيل والزبور، وهذا النداء صالح لنا ولليهود بني عمنا، وبعض الإخوان يقول: كيف اليهود بنو عمنا؟ إي نعم، أليسوا أولاد إسحاق بن يعقوب بن إبراهيم؟ ونحن ألسنا أولاد إسماعيل بن إبراهيم؟ بلى.أزيدكم فضيحة على علم: لو حكم اليهود إقليماً من أقاليم المسلمين لكان حكمهم أرحم من حكم هؤلاء المسلمين إلا من رحم الله، وليس فوق هذا شيء أبداً.والشاهد عندنا: أن هذا النداء صالح للمؤمنين ولأهل الكتاب، فالمؤمنون بأن يزيدوا في طاقات إيمانهم ليصبحوا موقنين بما أنزل الله وشرع، واليهود يدعون أنهم مؤمنون، فهذا هو الإيمان الصحيح، فصححوا إيمانكم أيها اليهود! وهم يدخلون في هذا لأنهم مؤمنون بالله ولقائه والدار الآخرة. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [النساء:136]، محمد صلى الله عليه وسلم، وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ [النساء:136]، ولم يقل: أنزل، وإنما (نزل)، لأنه نزله مقسطاً آية بعد أخرى لظرف ثلاثة وعشرين سنة، أما التوراة فقد نزلت جملة واحدة، وكذلك الإنجيل، أما القرآن فقد نزله يوماً بعد يوم، وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ [النساء:136]، ألا وهو القرآن، عَلَى رَسُولِهِ [النساء:136]، محمد صلى الله عليه وسلم، وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ [النساء:136]، الإنجيل والزبور. وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:136]، فلا يعود إلى السعادة والكمال أبداً، لا في الدنيا ولا في الآخرة.
تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ...)
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا [النساء:137].ثم عقب على ذلك: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا [النساء:137]، يتلاعبون، ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا [النساء:137]، وهذه الحقيقة واضحة عندنا، فالشخص إذا اعتاد جريمة معينة وبالغ فيها ما انقطع عنها وما تاب منها أبداً، بل يأتي يوم ويصبح لا يستطيع أن يتركها أبداً، وهؤلاء لن يتوبوا أبداً، آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا [النساء:137]، يتوبون بعد هذا؟ والله ما كان، وهذه هي سنة الله في الخلق.إذاً: فهؤلاء ما حكمهم؟ حكم الله فقال: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا [النساء:137]، أي: طريقاً للكمال والسعادة.وصلى الله على سيدنا محمد.