قراءة في كتاب أيسر التفاسير
فهيا نسمع هذه الآية من التفسير لنتأكد من صحة ما علمنا.
معنى الآيات
قال المؤلف: [ معنى الآيات: هذه الآيات الأربع ]، ونحن قد قرأنا منها آية فقط، [ كل آية منها تحمل حكماً شرعياً خاصاً ]، يجب على المؤمنين أن يعرفوه وأن يطبقوه.قال: [ فالأولى: نزلت ]، أي: هذه الآية، [ إجابة لتساؤلات من بعض الأصحاب ] أي: هذه الآية نزلت استجابة الله لعباده المؤمنين لما أخذوا يتساءلون، فأنزلها الله ليبين لهم حكمه فيما هم شاكين فيه أو مترددين.قال: [ نزلت إجابة لتساؤلات من بعض الأصحاب ]، أي: أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، [ حول حقوق النساء ما لهن ]، أي: من حقوق، [ وما عليهن ]، أي: من حقوق، [ لأن العرف-المعتاد-الذي كان سائداً في الجاهلية كان يمنع النساء والأطفال من الميراث بالمرة ]، إذ ماذا تصنع المرأة بالمال؟ فهي زوجة والزوج ينفق عليها! وكذلك الأولاد الصغار لا يدفعون عن الحي ولا يقاتلون عدواً، وبالتالي فلا حاجة لهم إلى المال! إذاً فأطعموهم واسقوهم واكسوهم، فهذا هو العرف في الجاهلية.قال: [ لأن العرف الذي كان سائداً في الجاهلية كان يمنع النساء والأطفال ] من ماذا؟ قال: [ من الميراث بالمرة، وكان اليتامى لا يراعى لهم جانب ولا يحفظ لهم حق ]؛ لأنهم صغار ما يدافعون ولا يكسبون، [ فلذا نزلت الآيات الأولى من هذه السورة ] التي تدارسناها، [ وقررت حق المرأة والطفل في الإرث، وحضت على المحافظة على مال اليتيم، وكثرت التساؤلات لعل قرآناً ينزل إجابة لهم، حيث اضطربت نفوسهم لما نزل ] في أول السورة.قال: [ فنزلت هذه الآية الكريمة تردهم إلى ما في أول السورة ]، وارجعوا إلى أول السورة، [ وأنه الحكم النهائي في القضية، فلا مراجعة بعد هذه ] والحكم الموجود هناك في أول السورة هو الحكم النهائي، فليس هناك تردد.قال: [ فلا مراجعة بعد هذه، فقال تعالى وهو يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ [النساء:127]، أي: وما زالوا يستفتونك في النساء ]، لماذا قال: وَيَسْتَفْتُونَكَ [النساء:127] بصيغة المضارع؟ والجواب: جاء بصيغة المضارع ليشير إلى أن السؤال يتجدد، [ وما زالوا يستفتونك في النساء، أي: في شأن ما لهن وما عليهن من حقوق، كالإرث والمهر وما إلى ذلك، قل لهم أيها الرسول: اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ [النساء:127] ] واسترح أنت يا رسولنا، [ وقد أفتاكم فيهن وبين لكم ما لهن وما عليهن ]، فلمَ هذا التردد وهذا الشك؟قال: [ وقوله تعالى: وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ [النساء:127] ] أي: لا تعطونهن ما كتب لهن من واجب، وترغبون أن تنكحوهن، أي: تتزوجوا بهن.قال: [ وقوله تعالى: وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ [النساء:127]، أي: وما يتلى عليكم في يتامى النساء في أول السورة شافٍ لكم لا تحتاجون معه إلى من يفتيكم أيضاً؛ إذ بين لكم أن من كانت تحته يتيمة دميمة-غير جميلة-لا يرغب في نكاحها فليعطها مالها وليزوجها غيره وليتزوج هو من شاء ] من النساء، [ ولا يحل له أن يحبسها في بيته لأجل مالها ] فلا يتزوجها ولا يزوجها، ويبقى كلما جاء من يخطبها يرد عليه: ما هي مستعدة للزواج! أو أن هذا الزوج غير صالح!... اتق الله، ومشى خطوتين ثم عاد إليك فقال: ما هي أوامر الله؟ إذاً تعال ابق معنا شهراً أو شهرين حتى تعرف أوامر الله، ثم بعد أن عرف أوامر الله، قال: وما هي نواهي الله؟ فيقال له: اجلس معنا أيضاً وسنعلمك نواهي الله، فالخمر والزنا والربا والكذب والغش والخداع والكبر والعجب والشرك وغيرها من نواهي الله عز وجل، وعند ذلك تستطيع أن تتقي الله، أما ترون في أمة الإسلام من ألف سنة هل تحققت لها ولاية الله؟ لأفراد فقط، والسبب في ذلك أنهم ما عرفوا الله ولا عرفوا ما يحب ولا ما يكره.وأخيراً: هل نحن مستعدون لأن نطلب العلم من هذه الليلة؟ يا إخواننا! إذا دقت الساعة السادسة مساء فأغلق الدكان، سواء كنت حلاقاً أو قصاراً، يا صاحب المقهى! أغلقها وتوضأ وائت إلى مسجد حيك أو قريتك، فتجلس أنت وكل أهل الحي والقرية كجلوسنا هذا، وتأخذون تتعلمون الكتاب والحكمة، وبعد أن صليتم العشاء امش إلى دكانك وإلى مقهاك إن شئت، أما هذه الساعة فلا بد من أن نطلب العلم فيها، ووالله لا نجاة من هذه المحنة ومما يتوقع لهذه الأمة إلا إذا عادت إلى هذا الطريق، فتتخلى عن الكبر والعجب والدعوى الباطلة وحب المال، وتعكف في بيوت ربها بين يدي علمائها تتلقى الكتاب والحكمة.إذاً: وصانا ربنا فهيا فلننفذ وصية ربنا، فالذين يعرفون أوامر الله ونواهيه يتقونه، والذين ما يعرفون أوامر الله ولا نواهيه يجب عليهم أولاً أن يعرفوه.
تفسير قوله تعالى: (ولله ما في السموات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله ...)
وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا [النساء:131]. وَإِنْ تَكْفُرُوا [النساء:131]، أي: وإن جحدتم الله ولم تتقوه، فماذا يحصل؟ قال: فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [النساء:131]، أي: أنه ليس في حاجة إليكم، فهو غنى عنكم، فلا يحتاج إلى عبادتكم ولا طاعتكم، إذ ما شرعها إلا من أجلكم فقط. وَكَانَ اللَّهُ [النساء:131] وما زال، غَنِيًّا [النساء:131]، عن كل ما سواه، حَمِيدًا [النساء:131]، أي: محموداً في الأرض والسماء، إذ كل الكون يحمده، فأنت لما تنظر في أي آلة تقول: إن الذي صنعها عليم، فحمدته وتشكره، فانظر إلى أي شيء في هذا الكون فتقول: إن خالقه عظيم، وهو الغني الحميد.
تفسير قوله تعالى: (ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً)
وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا [النساء:132]. وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [النساء:132]، معشر المستمعين! عرفتم أن لله ما في السموات وما في الأرض، وموقنون ومؤمنون بهذا؟ إذاً عليكم ألا تتزلفوا ولا تتملقوا ولا تذلوا ولا تهونوا إلا له هو سبحانه، بل لا ترجوا ولا تطمعوا ولا ترغبوا ولا تسألوا ولا ترفعوا أيديكم ولا تطلبوا شيئاً أبداً إلا من الله، إذ ليس هناك من يملك شيئاً إلا الله، وفهمك واعتقادك أن لله ما في السموات وما في الأرض يصرفك عن الخلق كلهم صرفاً كاملاً، ويربطك بالله ارتباطاً وثيقاً، فلا تبرح أن تسأل وتتضرع إليه في كل حاجاتك؛ لأنه هو الذي له ما في السموات وما في الأرض، ولو عرف إخوانكم هذا فهل سيبيعون الخمر من أجل القوت؟ وهل سيتعاطون الربا من أجل المال؟ وهل سيسبون أو يشتمون العلماء من أجل الوظيفة؟ لا والله، لكنهم ما عرفوا ذلك، إذ لو عرفه كما عرفنا والله ما أصبح قلبه يتقلب إلا في الله، فهو الذي يغنيه، وهو الذي يرزقه، وهو الذي يشفيه، وهو الذي يعزه، وهو الذي يعطيه، وهو الذي يميته، وهو الذي يحييه، إذ الله مالك ما في السموات وما في الأرض، وما بقي سيدي عبد الرحمن ولا عبد القادر ولا رسول الله ولا خديجة ولا فاطمة ولا الحسين ولا البدوي؛ لأن هؤلاء لا يملكون شيئاً، بل والله ولا ذرة في الكون، إذاً فكيف تقبل عليهم بقلبك وتناديهم بلسانك: يا سيدي فلان! يا رجال البلاد!وعندنا مظاهر عجيبة ولا نلومهم؛ لأننا ما علمناهم، فهم جهلاء يعيشون في ظلمة الجهل، فمن علمهم؟ ومن عرفهم؟ ومن قرع أبوابهم وناداهم: أن احضروا بيوت الله لتتعلموا الكتاب والحكمة؟ لا أحد.ومن هذه المظاهر: تجد الرجل في يده المسبحة وهو يذكر الله بأعظم ذكر: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، ولما تأخذه غفوة من النوم فتسقط المسبحة من يده فيقول: يا سيدي فلان! فهو يصرخ: لا إله إلا الله، لا معبود إلا الله، لا مغني ولا معطي ولا ضار ولا نافع إلا الله، ولما تسقط المسبحة من يده: يا سيدي فلان! فأين معنى لا إله إلا الله؟ إنه ما عرف الله، وآخر يكتب على السيارة: يا فاطمة، أو يا حسين، فلا إله إلا الله!فلا لوم عليهم لأننا ما علمناهم، وهم كذلك ما طلبوكم حتى تعلموهم، فقد أعرضوا وأدبروا وأكبوا على دنياهم وأوساخهم، إذاً فالورطة عامة لنا ولهم إلا من شاء الله.
تفسير قوله تعالى: (إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين ...)
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا [النساء:133]. إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ [النساء:133]، إي والله العظيم، أما أذهب عاداً وثمود؟ يا سكان الجزيرة أين عاد؟ في حضرموت وما حواليها إلى عدن والشحر، تلك الأرض كانت لأعظم دولة في الكون، واقرءوا: وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر:1-2]، هل الله يحلف؟ إي والله، فهذه يمين وقسم، وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ [الفجر:1-5]، أي: لصاحب عقل، أما الذي لا عقل له كالبهيمة لا يفهم اليمين ولا القسم، وقال تعالى أيضاً: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * ارم ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ [الفجر:6-8]، فقد كان طول الرجل اثنين وثلاثين ذراعاً، فإذا كان طوله ثلاثين ذراعاً أو ستين ذراعاً فكم ستكون طول وعرض الغرفة؟! بل البيت كم سيكون طوله وعرضه؟! الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ [الفجر:8]، ومع ذلك فقد انتهت وأزالها الله وأبادها، وما زال التاريخ البشري إلى الآن عند الفلاحين يسمونها: قرة العجوز، والقَرة والقِرة بالعامية تعني: آخر يوم في الشتاء شديد البرودة، وذلك لأن عجوزاً من هذه الأمة دخلت في داخل جبل وظنت أنها نجت، ففي اليوم الثامن دخلت إليها الريح حتى أخرجتها وفلقت رأسها على باب الجحر، ثم رحل المؤمنون مع نبيهم هود صلى الله عليه وسلم وتركوا الديار ونجاهم الله بإيمانهم، فنزلوا بمدائن صالح، وهي إلى الآن موجودة وكأنك تشاهدها وتشاهد صناعاتهم وعجائبهم، فالجبال كانوا يتخذونها غرفاً وحجرات، وامش لتنظرها، لكن لا يسمح لك أن تمر بها وأنت تغني أو تضحك، والرسول قد قال: ( إذا مررتم بها فلا تضحكوا وابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا )، ثم كثر عددهم وأصبحوا أمة عظيمة، فبعث الله فيهم رسوله صالحاً، فكفروا به وعقروا الناقة فأبادهم الله تعالى، فأين هم الآن؟!أما قوم لوط في غربهم، فالآن هناك بحيرة لوط موجودة عند الأردن وفلسطين تسمى بالبحر الميت، إذ تحولت البلاد إلى بحيرة، وحتى هذه البحيرة ليس فيها حوت ولا حيوان، جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا [هود:82].ونحن للأسف آثارنا الباطل فانتشر فينا الشرك والوثنيات والفجور، فمضت فترة ما بين قرية وقرية في بلاد المسلمين لا تجتازها إلا بعملة، بل والقرية الواحدة تجد فيها الثلاث الطرق والأربع الطرق!إذاً: انتظروا، فسلط الله علينا أعداءنا، وها هو تعالى قد نفعنا بدعوة الإسلام وعاد الاستقلال، وهانحن نضحك على الله، فأعرضنا عن ذكره وكتابه إعراضاً كاملاً، فلا إله إلا الله! فلو تنظر بعين القلب لقلت: لا إله إلا الله، إن يوماً عجباً سينزل بديار المسلمين، بل أعظم من محنة تسليط اليهود والنصارى علينا؛ لأننا نضحك على الله، فقلنا: تحررنا واستقللنا، والإسلام ليس تطبيق في بلاد المسلمين، بل إن أكثر البلاد بهذه الطريقة من انتشار الشر والخبث فيها. إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ [النساء:133]، إما أن يذهب قوتكم ووجودكم، أو يذهب أموالكم، أو يذهب ما عندكم من نعم أخرى. وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا [النساء:133]، و(قدير) أبلغ من قادر، وقد فعل، ولننظر ما حولنا وما بعدنا وما قبلنا.
تفسير قوله تعالى: (من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة ...)
مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء:134]. مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا [النساء:134]، تريدون الدنيا؟ اعبدوا الله يعطيكم الدنيا والآخرة، فإذا كنتم صادقين تريدون الغنى والمال والراحة والسعادة فهذا موجود عند الله، فأطيعوه يتحقق لكم ويزيدكم الآخرة أيضاً، وما دمتم راغبين في الدنيا وتريدونها حتى أعرضتم عن الله وكتابه وذكره أُعلمكم بأن الله عز وجل عنده ثواب الدنيا والآخرة، فاطلبوا منه تعالى، فإن قيل: يا شيخ! وكيف نعبده؟ هذا كتابه وهذا رسوله وما قال: اعتقدوه بقلوبكم اعتقدناه، وافق عقولنا أو خالفها، أمرنا أن نقول قلنا، أمرنا أن نسكت سكتنا، أمرنا أن نعمل عملنا. مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا [النساء:134]، واسمع بعدها فقال: فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [النساء:134]، أي: ليس فقط ثواب الدنيا عند الله، بل الآخرة أيضاً، والدنيا فانية وثوابها دنانير ودراهم وطعام، وينتهي كل ذلك بمرض أو بموت، لكن ثواب الآخرة وجزاؤها دائم.إذاً: أيها العاملون! أيها المتكالبون على الدنيا! ندلكم على أن الله عنده دنياكم بكاملها والآخرة أيضاً، إذاً فأطيعوا الله تحصلوا على السعادتين: الدنيا والآخرة، وهذا كلام الله سبحانه وتعالى. وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء:134]، فكل الأصوات يسمعها الله تعالى حتى أصوات النمل، فقد سجل لنا القرآن خطبة النملة بالحرف الواحد، واقرءوا قوله تعالى من سورة النمل: قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل:18]، فقد كان سليمان يستعرض قواه العسكرية ليغزو ويفتح العالم ولينشر دين الإيمان والطهر والصفاء والعدل والرخاء، فاستعرض يوماً جيوشه والجيوش ماشية وإذا بنملة عند قرية من قراها ترفع صوتها فتقول: يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل:18]، فلا إله إلا الله! ما أذكاها! ما أفطنها! ما أجل أدبها! حين قالت: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل:18]، أما لو كانوا يشعرون بكم ما يطئونكم ولا يقتلونكم، لكن وهم لا يشعرون، فاتخذوا لأنفسكم حماية ووقاية من ذلك، فادخلوا قصوركم ومساكنكم، فلما سمعها سليمان ضحك، قال تعالى مصوراً ذلك المشهد: فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ [النمل:19]، وهذا الذي ينبغي أن نقوله عندما كنا نستقل، استقلت البلاد الفلانية بريطانيا، واستقلت البلاد الفلانية عن فرنسا وإيطاليا، وكلما يستقل إقليم نقرأ هذه الآية، لكن كسر، دمر، هذا عميل يستحق العقاب! ما عرفوا الله ولا القرآن، فهذا سليمان عليه السلام سخر الله له الإنس والجن والطير وعلمه لغة الطير بكامله، لما حصلت له هذه النعمة قال: هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ [النمل:40]، ونحن استقللنا وأعرضنا عن الله وكتابه، بل وعذبنا أولياءه وسخرنا من دينه!وصل اللهم على نبينا محمد وآله وأصحابه وسلم.