عرض مشاركة واحدة
  #554  
قديم 06-05-2021, 03:22 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,159
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة النساء - (67)
الحلقة (290)

تفسير سورة النساء (70)


تفاخر قوم من اليهود ونفر من الصحابة كل يقول إن دينه هو الدين الحق، فأنزل الله هذه الآيات مبيناً أن الحق لا يكون بالتمنيات والادعاء فقط، ولكن لابد أن يصدق ذلك العمل، فمن عمل الأعمال الصالحة من التوحيد الصادق والطاعات جزي به في الدنيا، ومن عمل الأعمال الطالحة جزي بها أيضاً، وكانت ولاية الله متحققة لأهل الصلاح، محجوبة عن أهل الفساد، لأن سنة الله في تأثير العمل والكسب على مصير الإنسان لا تتبدل ولا تتخلف.
مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة النساء
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، حقق اللهم رجاءنا فإنك ولينا ولا ولي لنا سواك.وها نحن ما زلنا مع سورة النساء المباركة الميمونة المدنية، ومع هذه الآيات الأربع، فأعيد تلاوتها وتأملوا واذكروا ما علمتموه البارحة منها، فقال تعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا [النساء:123-124]، والنقير الذي لا يظلمه المؤمن العامل للصالحات هو أصغر شيء، والنقرة في ظهر النواة تسمى النقير، فنواة التمر فيها نقرة في وسطها، فمثل تلك النقرة لا يظلمها العبد المؤمن العامل الصالحات. وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا * وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا [النساء:125-126]، فالله محيط بكل شيء، قال تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر:67]، فكل شيء الله محيط به، فالسموات مطوية طي الصحيفة في يده، والأرض في قبضته، وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ [البروج:20]، فليخافوه وليرهبوه، لكنهم ما استطاعوا؛ لأن العدو كبّلهم وقيدهم، فلم يستطع أن يَرهب المؤمن ربه ويخافه فيعبده ويستقيم على عبادته إلا من نجاه الله من العدو، ألا وهو إبليس عليه لعائن الله، وقد سمعنا البيان السابق منه الذي واجه به الرب تبارك وتعالى، فماذا قال لتعرفوا الحقيقة؟ قال تعالى: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا * لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ [النساء:117-118]، أي: الشيطان، لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا * وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا [النساء:118-119]، فلا تظنوا أنكم أحرار في هذه الدنيا، بل إن هناك عدواً قد أخرج أباكم وأمكم من دار السلام، وها أنتم تعيشون لاجئين على هذه الأرض، وداركم الحقيقية والله ما هي هذه، وإنما هي دار السلام في الآخرة.
الجزاء على العمل سنة من سنن الله التي لا تتبدل
نعود إلى الآيات بإيجاز، ثم ندرسها دراسة أخرى في التفسير، فأولاً: تذكرون أن مباهاة ومفاخرة تمت بين المسلمين واليهود في المدينة، فادعى اليهود أن دينهم هو الحق، وأنهم على الحق، وأن كتابهم أول كتاب وأعظم كتاب، ونبيهم قبل نبينا، وقال المسلمون مثل ذلك، وورد أن بعض النصارى ولعلهم من نجران قالوا مثل ذلك، فأنزل الله قوله تعالى: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ [النساء:123]، إذاً: كيف يا رب؟ قال: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ [النساء:123]، سواء كان أبيض أو أصفر، عربياً أو عجمياً، يهودياً أو مسيحياً أو مسلماً، وهذه سنة الله عز وجل، فاشرب السم وانظر هل تموت أم لا؟ وأدخل الإبرة في جسمك وانظر هل تتألم أو لا؟ وقل كلمة سوء في أحد واسمع كيف يردها سباً وشتماً؟ وهذا في الدنيا، مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ [النساء:123]، سواء كان من المسلمين أو من اليهود أو من النصارى، وهو حد فيصل، فما بقيت أمانٍ ولا أحلام ولا تمنيات، وهذا قضاء الله وحكمه، وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا [النساء:123] يتولاه وَلا نَصِيرًا [النساء:123] ينصره أبداً.
ما عند الله لا ينال بالتمني ولكن بالإيمان والعمل الصالح
ثم قال تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ [النساء:124]، والصالحات هي الأعمال والأقوال والاعتقادات التي وضعها الله لتحمل مادة الطهر والصفاء إلى الروح البشرية، فالذي أوجد مادة الغذاء في التمر واللبن والفواكه والخضار وحرم ذلك في التراب والحجارة والصخور، فتأكل التمر فتتغذى، لكن إن أكلت الرمل والتراب لا تتغذى، إذاً: فما من عقيدة قال الله: آمنوا بها واعتقدوها، ولا قولاً أمر الله بقوله أو استحبه، ولا فعلاً أمر الله به إلا وهو والله من الصالحات، والعكس: ما حرم الله ولا منع اعتقاداً ولا قولاً ولا عملاً إلا وهو سيئ يسيء إلى النفس ويفسدها ويخبثها حتى تصبح كأرواح الشياطين، وهذا قضاء الله تعالى.وقد عرفتم الحكم الصادر علينا من قبل ذي الجلال والإكرام، وأنه لا معقب لحكمه، أي: ما فيه محكمة عليا تستأنف القضايا، إذ قال بنفسه من سورة الرعد: وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ [الرعد:41]، فما هو هذا الحكم؟ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]، فكن ابن من شئت، وكن أباً لمن شئت، ويا مؤمنة كوني امرأة من شئتِ، إذا لم تزك نفسك والله ما نفعكِ ذاك الانتساب إلى أب صالح، أو ولي من الأولياء، أو نبي من الأنبياء، أو زوج من الصالحين، والذي يشك في هذا ما عرف الإسلام بعد. قَدْ أَفْلَحَ [الشمس:9] من؟ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس:9]، من هي التي نزكيها؟ النفس البشرية، وَقَدْ خَابَ [الشمس:9] وخسر من؟ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:10].فهل عرفتم بم تزكى النفس البشرية؟ أو ما هي المواد التي تزكي النفس البشرية؟ والجواب: بالإيمان والعمل الصالح، إذاً فمن يعلمنا؟ من يعرفنا كيف نستعمل الصالحات في تزكية أنفسنا؟ والجواب: اطلب تجد، زاحم العلماء بركبتيك وتعلم، أو تريد أن تقول: أنا مسلم وتصبح عالماً، كيف تعبد الله؟ مستحيل، إذ لا يوحى إليك وما أنت بنبي، بل لا بد وأن تعرف كيف تستعمل الصالحات حتى تزكي بها نفسك، ويجب أن تعرف أيضاً المفسدات للنفس وتبتعد عنها وترحل من ساحتها، وتهجر حتى ديارها، وذلك إن كنت تريد أن تنزل دار السلام، أما إن كنت تريد أن تهبط إلى أسفل سافلين فما أكثر الهابطين. وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ [النساء:124]، وبالأمس عرفتم أن النصراني قد يبني المشافي، ويوزع الأدوية والأكسية والأطعمة في الشرق والغرب، لكن والله لا يجد حسنة واحدة يوم القيامة؛ لأنه كافر غير مؤمن. وَهُوَ مُؤْمِنٌ [النساء:124]، أما من كفر بالله وبرسوله ولقائه، فكيف تقبل أعماله الصالحة؟! فَأُوْلَئِكَ [النساء:124] السامون الأعلون يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا [النساء:124]، أي من حسناتهم وأعمالهم، فإياك أن تفهم أنك تظلم حسنة واحدة، بل معشار حسنة، إذ حسناتك مدونة ومسجلة، فاعمل ما شئت طول حياتك وثق بأنك لا تبخس ولا تنقص من حسناتك شيئاً، وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا [النساء:124].
فضل الإسلام على سائر الأديان
وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا [النساء:125]، لما عرفنا بطلان دعوى اليهود والنصارى وحتى دعوى المسلمين باللسان، جاء البيان الحق ليقرر ألا دين إلا الإسلام؛ إذ هو دين الأنبياء إبراهيم فمن دونه، ونوح فمن دونه إلى خاتم النبيين، فلا نصرانية ولا بوذية ولا مجوسية ولا يهودية، وإنما الإسلام فقط، فما الإسلام إذاً؟ الإسلام أن تسلم قلبك ووجهك لله تعالى، فتقول: يا رب! أنت الذي وهبتني قلبي ووجهي فخذهما؛ لأن (أسلم) فعل ماض مضارعه (يسلم)، يقال: أسلمت الدار الفلانية لفلان، بمعنى: سلمتها إليه، ويقال: أسلم الشيء، أي: أعطاه.إذاً يقول الجبار تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ [النساء:125]، لا وجود له، مِمَّنْ [النساء:125] أي: من عبد أبيض أو أسود، أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ [النساء:125]، والحال وَهُوَ مُحْسِنٌ [النساء:125]، وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ [النساء:125] أيضاً، حَنِيفًا [النساء:125]، فهذه ثلاثة قيود، فهل تريد أن تعرف من أحسن ديناً من الناس؟ من يرغب في أن يعرف من أحسن دين في البشرية؟ فالجواب: أن تقول: أحسن ديناً في الناس من أسلم وجهه لله، وذلك بأن لا ينظر إلا إلى الله، فقلبه ووجهه مقبل على ربه، بل كل حياته موقوفة على الله تعالى، فليأكلن من أجل الله، وليشربن من أجل الله، وليبني المنزل ويهدمه من أجل الله، ولينام ويستيقظ من أجل الله، وليتزوج ويلد من أجل الله، فكل شيء أعطاه لله، فهذا هو المسلم الحق.وإن قلت: يا شيخ! كيف هذا؟ يأكل من أجل الله؟! إي نعم، لما يوضع الأكل بين يديه يقول: باسم الله، ولولا أنه أذن له فيه ما أكله، كما أنك ناوٍ أن يأكل ليتقوى بالأكل أو لتستمر حياته على طاعة الله وعبادته، وكذلك لما يحرث ويرمي البذرة من أجل أن يوفر قوتاً له ليعبد الله عز وجل، ويبني هذا المنزل ليستر فيه نفسه وأسرته، وذلك حتى لا يؤذي المؤمنين ولا يؤذونه، ويطلق امرأته لله؛ لأنها مظلومة ما سعدت معه، بل تأذت وما أطاقت المكث معه، فهذه أمة الله طلقتها لأجل الله.فحياة المؤمن الحق كلها موقوفة على الله تعالى، وذلك إن أراد أن يكون أحسن الخليقة ديناً، وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ [النساء:125]، والحال وَهُوَ مُحْسِنٌ [النساء:125]، أي: في أداء تلك العبادات، حتى لو كانت ذكراً لله فيجب أن تحسن هذا الذكر فضلاً عن الأعمال التي هي بالأركان والجوارح؛ لأنك إذا أسأت في العبادة ما أنتجت لك النور ولا التزكية المطلوبة، فإذا قام وتوضأ فغسل رجله اليمنى ثم مسح رأسه ثم تمضمض، فماذا يقول له الفقيه؟ أعد وضوءك؛ لأن الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة:6]، فلا بد من إحسان العمل والقول، فتأتي تذكر الله فتقول: الله، لا إله! الله، لا إله! لا ينفع هذا، بل قل: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، كذلك تقول: الله، سبحان! ما تنفع، بل قل: سبحان الله، ولذلك الذي لا يحسن صلاته ولا صيامه ولا جهاده ولا صدقاته ولا أذكاره، فإنه يعمل بلا ثمرة ولا نتيجة، وقد علمنا في البارحة كلمة الرسول الباقية الخالدة: ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد )، أي: من عمل عملاً ما أمرنا به، ما أذنا فيه، ما شرعناه، فهو مردود على صاحبه، ولا يقبله الله ولا يثيب عليه ولا يجزي به.

يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 37.25 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 36.63 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.69%)]