7- وفيه أن من رأى هلال رمضان وحده ولم يقبل قوله، لزِمه الصوم؛ لأنه شهد الشهر، وهو ظاهر مذهب الحنابلة، وقال شيخ الإسلام: شرط كونه هلالًا وشهرًا، شهرته بين الناس واستهلال الناس به، حتى لو رآه عشرة ولم يشتهر ذلك عند عامة أهل البلد لكون شهادتهم مردودة، أو لكونهم لم يشهدوا به، كان حكمهم حكم سائر المسلمين، واستدل رحمه الله بحديث: "صومكم يوم تصومون"، وقياسًا على من رأى هلال النحر وحده، فإنه لا يقف في المناسك وحده، بل حكمه حكم الناس، واستثنى رحمه الله من كان في مكان ليس فيه غيره، فإنه يصومه بمجرد رؤيته للهلال[62].
• قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ [البقرة: 185] قال الشيخ السعدي رحمه الله: "أعاد الرخصة للمريض والمسافر لئلا يتوهَّم أن الرخصة أيضًا منسوخة"[63]، وهذا التفسير على قول الجمهور بأن الآية الأولى منسوخة، وعلى قول ابن عباس رضي الله عنهما بأن الآية السابقة محكمة، فإنها أعيدت للتأكيد.
• قوله تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ [البقرة: 185]، فيه مشروعية اختيار الأيسر عند التخيير، وقد صح عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم ما خيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا.
• قوله تعالى: ﴿ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ﴾ فيه أن القضاء يحكي الأداء، فإذا أفطر لعذر تسعة وعشرين يومًا، فإنه يقضيه تسعة وعشرين يومًا.
• قوله تعالى: ﴿ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ فيه من الأحكام ما يلي:
1- فيه مشروعية التكبير عند إكمال العدة بغروب شمس آخر يوم من رمضان.
2- وفيه أنه لو كبر الله بأي لفظ، فإنه قد وافق السنة؛ كما قال الإمام أحمد فيما نقله عنه القرطبي في تفسيره[64].
وقد ورد عن الصحابة صيغ للتكبير منها:
• كان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: "الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد" [65].
• كان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: "الله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر وأجل الله أكبر على ما هدانا"[66].
• وكان سلمان الخير رضي الله عنه يقول:"كبروا الله: الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيرًا"[67].
• وورد عن عمر وعلي رضي الله عنهما أنهما يكبران: "الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد"، ورجَّحها الحنفية كما في المبسوط، والشافعية كما في المجموع، والحنابلة كما في المغني، وشيخ الإسلام كما في الفتاوى[68].
3- وفيه مشروعية الذكر بعد انقضاء العبادة[69]، فمن ذلك:
• قال الله تعالى عن الحج: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ... ﴾[70].
• و قال الله تعالى عن صلاة الجمعة: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾[71].
• وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتكبير".
• قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾.
فيه أن دعوة المؤمن مستجابة، وتتمثل صور الإجابة في أمور ثلاثة؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: "ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحمٍ، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدَّخر له في الآخرة، وإما أن يَصرف عنه من السوء مثلها"[72].
وفيه إيماء إلى أن الدعاء في رمضان وفي حال الصيام أدعى للإجابة.
• قوله تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ ﴾ [البقرة: 187]
فيه الإذن بمباشرة الرجل لأهله ليلة الصيام، وبدلالة المفهوم فإن فيه تحريم مباشرتها حال الصوم.
• قوله تعالى: ﴿ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾
1- فيه مشروعية النية الصالحة عند فعل المباحات، قال ابن سعدي رحمه الله: "انووا بمباشرتكم لزوجاتكم التقرب إلى الله تعالى، والمقصود الأعظم من الوطء وهو حصول الذرية، وإعفاف فرجه وفرج زوجته، وحصول مقاصد النكاح"[73].
2- ومما كتبه الله لنا ليلة القدر، قال ابن القيم رحمه الله:"فكأنه سبحانه يقول: اقضوا وطَركم من نسائكم ليلة الصيام، ولا يشغلكم ذلك عن ابتغاء ما كتب لكم من هذه الليلة التي فضَّلكم بها، والله أعلم"[74].
• قوله تعالى: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ﴾
1- فيه التنبيه إلى رؤوس مسائل مفسدات الصوم وهي المباشرة والأكل والشرب وما في معناها.
2- وفيه النهي عن مقدمات النكاح، قال الزجاج: "الرفث كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من امرأته"[75]، وفي الحديث القدسي: "يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي"، فكل ما يجلب الشهوة يدخل في النهي، ورخص بعض أهل العلم للكبير الذي لا تحرك المباشرة شهوته، مستدلين بحديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، ولكنه كان أملككم لإربه؛ متفق عليه، وصح في السنن أن ابن عباس رضي الله عنهما نهى شابًّا عن القبلة حال الصوم، وقد ورد عنه أنه قال:"رُخِّص للكبير الصائم في المباشرة، وكُره للشاب"[76].
3- وفي قوله سبحانه: ﴿ حَتَّى يَتَبَيَّنَ ﴾ قال السعدي رحمه الله: "فيه أنه إذا أكل شاكًّا في طلوع الفجر فلا بأس عليه"[77].
4- و قال رحمه الله: "وفيه دليل على استحباب تأخير السحور أخذًا بالرخصة".
5- وقال رحمه الله: "وفيه جواز أن يدركه الفجر وهو جنب؛ لأن لازم إباحة الجماع إلى طلوع الفجر أن يدركه الفجر وهو جنب، ولازم الحق حق".
• قوله تعالى: ﴿ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ﴾ فيه من الأحكام:
1- استثناء إباحة المباشة للمعتكف، وأنه من محظورات الاعتكاف، قال ابن عبدالبر رحمه الله: "وأجمعوا على أن المعتكف لا يباشر ولا يقبل"[78].
وصح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "إذا جامع المعتكف بطل اعتكافه"[79].
2- وفيه أن كل لزوم طويل عرفًا للمسجد، فإنه يسمى اعتكافًا ولو ساعة، واختار الشافعي أن أقل الاعتكاف لحظة[80].
3- وفيه مشروعية الاعتكاف، وأنه لا يكون إلا في مسجد، حكاه ابن عبدالبر إجماعًا[81].
وأما المرأة فأجاز أبو حنيفة لها أن تعتكف في مسجد بيتها، ومنعه الجمهور؛ لعدم نقله عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهن من الصحابيات[82].
4- ويؤخذ من قوله تعالى: "عاكفون" كراهة صرف المعتكف وقته في غير عبادة في المسجد، فيشتغل بالقراءة والذكر.
5- واستدل بعض العلماء بسياق مجيء الاعتكاف في آيات الصيام أنه لا يصح الاعتكاف إلا بصيام، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، ورجَّحه شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم رحمهما الله؛ قال ابن القيم: "ولما كان المقصود إنما يتم مع الصوم، شُرِعَ الاعتكاف في أفضل أيام الصوم، وهو العشر الأخير من رمضان، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اعتكف مفطرًا قط، بل قالت عائشة رضي الله عنها: "لا اعتكاف إلا بصوم"[83]، ولم يذكر الله سبحانه الاعتكاف إلا مع الصوم، ولا فعله النبي صلى الله عليه وسلم إلا مع الصوم، فالقول الراجحُ الذي عليه جمهور السلف أن الصوم شرط في الاعتكاف، وهو الذي كان يرجِّحه شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه"[84].
ومذهب أحمد والشافعي صحته بلا صوم لحديث عمر، وفيه أنه صام في الليل، وليس الليل وقتًا للصوم، ولثبوت أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف في شوال ولم ينقل أنه صام وقت اعتكافه، وأما حديث عائشة، فصحَّحوا وقفه، وعلى فرض صحة رفعه، فالمراد به الاستحباب[85].
• قوله تعالى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾.
فيه المنع من كل ما يوصل إلى الحرام، وتسمى هذه القاعدة عند الفقهاء: قاعدة سد الذرائع، قال الشيخ السعدي رحمه الله: "قوله: "فلا تقربوها" أبلغ من قوله:"فلا تفعلوها"؛ لأن القربان يشمل النهي عن فعل المحرم بنفسه، والنهي عن وسائله الموصلة إليه ... ثم قال: وأما الأوامر فيقول فيها: "تلك حدود الله فلا تعتدوها"، فينهى عن مجاوزتها"[86].
يتبع