عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 03-05-2021, 12:55 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,501
الدولة : Egypt
افتراضي رد: حرية المرأة المدعاة: حرية أم لعب بالنار تحول إلى حريق؟

حرية المرأة المدعاة (2)

















طعنة في الرجولة ومشاعر أخرى



د. زهرة وهيب خدرج










نشأتُ في أسرة كبيرة وفقيرة، ترتيبي الثالث فيها، أبي كان في معظم وقته عاطلًا عن العمل، ورغم ذلك يبذِّر كل قرش يتمكن منه على التدخين "والنارجيلة"، والسهر مع الشلَّة، أما أمي، فهي غير متعلِّمة، وهمُّها الأول والأخير هو الحصول على المال.







استطاعت أختي الكبرى أن تحصل على دبلوم تجارة، وأن تعمل في مؤسَّسة غير حكومية، وأصبحت تخرج للعمل من الصباح المبكِّر ولا تعود إلا بعد حلول الظلام، وكثيرًا ما كانت تعود إلى البيت برفقتها بعض النساء أو الرجال الأجانب الذين لا يتحدَّثون العربية، كانت تُحضرهم معها لتناول الطعام والمبيت في بيتِنا.







أختي الثانية عملت بائعةً في محلٍّ تجاري، وأصبح حالها حال أختي الكبرى في الخروج والتأخر في العودة، بالإضافة إلى اهتمامها المبالغ فيه بوضع أدوات الزينة والألوان ومساحيق التجميل قبل الخروج من البيت.







أما أختي الصغرى، فكانت كثيرة الخروج من البيت لزيارة صديقاتها وبنات الجيران، وعندما تكون في البيت لا يُفارق الهاتف المحمول يديها واهتمامها، أداؤها في المدرسة متدنٍّ، وتُردِّد باستمرار أنها "لن تُكمل تعليمها؛ لأنها تريد أن تعمل مثل أختيها، بل تريد أن تتزوَّج وتبقى مرتاحة في البيت".







ولي أخوان صغيران أيضًا، تلبِّي أمي كل طلباتهما مهما كانت، دون أي اعتراض، وإذا تأخَّرتْ قليلًا في الاستجابة لأي من طلباتهما، يأخذان بالبكاء والصراخ وإلقاء كل ما تصل أيديهما إليه أرضًا وتحطيم ما يستطيعان!







كنت أعترض على سلوكيات إخوتي، إناثًا وذكورًا، فكانت والدتي تقف لي بالمرصاد قائلة: هم أحرار، اتركْهُم وشأنهم، أنت مسؤول فقط عن نفسك، لا تتدخل فيما لا يَعنيك!







طبعًا مصاريف البيت كلها، إضافة إلى مصروف أبي، وأقساطي الجامعيَّة - تقوم بها أختاي بالكامل، أنهيت دراستي الجامعية في علم الاجتماع، وانطلقت في رحلة بحث مُضنٍ عن العمل دون أن أوفَّق، اقترحت أختي الكبرى أن أتقدم بطلب للعمل في المؤسسة التي تعمل فيها، وفعلًا ذهبتُ، واصطحبَتْني للمسؤول الأجنبي، وقدَّمتني له، وأخبرته بأنني طالب عمل، وجَّه لي بعض الأسئلة، وطلب مني أن أترك طلب العمل وشهاداتي لدى رئيس قسم الموارد البشرية، وتمَّ قبولي في وظيفة باحث ميداني لدراسة مشاكل المرأة والعنف ضدها.







أخذتُ أذهب للتجمُّعات التي تغلب فيها النساء؛ كأماكن العمل، والجمعيات... إلخ، وأقوم بتعبئة الاستبانات بالمعلومات التي آخذُها منهنَّ، وكان كلٌّ من تلك الاستبانات تركِّز على إحدى قضايا المرأة ومشاكلها، ثم أعيدها للمؤسَّسة؛ ليقوم بتحليل البيانات وعمل الاختبارات الإحصائية عليها طاقمٌ من الأشخاص غيري.







أحببت عمَلي، وأخذت أستمتع به جدًّا، وخاصة أنه أتاح لي الاطلاع على كثير من القضايا التي تتعلَّق بالمرأة، كانت المرأة في أكثرها ضحية عنف لفظي وجسدي، وجنسي!







أما أسرتي، فقد قَلَّتْ صداماتي معها كثيرًا... إلى أن أعادتها للواجهة مرة أخرى حادثة غيَّرت مجرى حياتي بالكامل... ذات مرة شاهدت أختي الكبرى جالسة إلى جانب المسؤول الأجنبي في مكتبه على أريكة، وكان يضع إحدى يديه على كتفها ويده الأخرى تعبث بأزرار قميصها، وهما غارقان في الضحك، شاهدت ذلك من خلال زجاج باب غرفة المسؤول عندما تصادف مروري من أمامه لسؤال السكرتيرة عن أمر يخصُّ العمل، انسحبت بهدوء من المكان رغم رغبتي في التقيؤ وشعوري بأن دماغي يغلي داخل رأسي.







وأخذت أصبِّر نفسي حتى تعود أختي للبيت، وعند عودتها أخذتها إلى غرفتي، ودون مقدمات سألتها عن الوضع المُخجل الذي رأيتها فيه بأم عيني... لم تُنكر أو تدافع عن نفسها، بل كان جوابها: لا تسألني مرة أخرى عن ذلك، رجاءً لا تتدخل فيما لا يعنيك؛ أنا حرَّة أفعل ما يتناسب مع مصلحتي!







قلت لها وأنا مصرٌّ على سَماع مبرراتها: كيف لي ألا أتدخل؟ أنت أختي، وما يَجري معك يُهمُّني ويَعنيني، هل صحيح ما رأيتُ؟ وهل هناك مبرر لديك؟







أخذت تصرخ بي وتقول: لماذا لم تَسألني هذا السؤال قبل عدة سنوات قبل أن تدخل الجامعة؟ لماذا لم تسألني مِن أين لي أقساطك ومصاريفك ومصاريف والدك ومصاريف الأسرة كلها؟ ولماذا لم تسأل نفسك كيف حصلت على عمل بسرعة فائقة بعد تخرُّجك؟ لا تعتقد أنه بسبب كفاءتك التي لا مثيل لها! أعلمتَ الآن فقط أنك أصبحت رجلًا لتأتي وتُحاسبني، ولتُصبح سلوكياتي هي عنوان شرفك وشرف أسرتك؟







وطبعًا والدتي كعادتها وقفت إلى جانب أختي تؤازِرُها وتطلب مني عدم التدخل، وأخذ باقي إخوتي يهزؤون بي ويقولون فيما بينهم بأنني فقط أريد استعراض رجولتي عليهم، ووصل الحال بأختي الصغيرة أن قالت لي: أتمنَّى أن أعيش وأراك كيف ستُعامل بنت الحلال، أنا متأكدة من أنك ستترك لها الحبل على الغارب ولن تستطيع فرض رأيك عليها كما تفعل معنا نحن!







وما أصعب دموع الرجال حين تَنساب نتيجة لشعورهم بالذلِّ! أذلَّني سلوك أختي وكلامها، فلم أكن لأقبل أن تبيع نفسها لتُنقذ العائلة الكبيرة من الفقر الذي كانت تغرق فيه، لم أكن لأقبل أن أحصل على شهادة يكون جسد أختي ثمنًا لها، كانت أمي تُخفي عني ما يدور حولي، جعلتني أمي كالأبله أو "كالأطرش في الزفة" كما يقولون، الجميع يدري كل شيء وأنا الغافل الوحيد بينهم، فعندما أتكلم وأعترض يصرخْنَ فيَّ ويطلبن مني الصمت والبقاء كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمال؛ لتُغيِّب نفسها عما يَجري حولها، رغم وجودها في وسط الحدث!







أخواتي لا يقدِّرْن حجم محبتي لهنَّ، وغيرتي عليهنَّ، رغم أنني أصغر منهنَّ سنًّا، هنَّ لا يعلمْنَ أنني لا أطيق أن يكون لأيٍّ منهنَّ ثمَن، ليست المسألة كون الثمن رخيصًا أو مرتفعًا؛ كأن يكون فتاتًا من المال، أو فرصة عمل جديدة لأحد أفراد الأسرة، أو غير ذلك، ولكن المسألة أن يكون هناك ثمن للمرأة، فكيف عندما تكون هذه المرأة أختي التي أحبُّها وأغار عليها؟







طلبت من أختي ترك العمل في هذه المؤسَّسة، إلا أنها رفضت وبشدَّة، سألتها: ما الذي يجبرك على هذا العمل الذي تَبيعين نفسك بمقتضاه، مهما كانت الأعذار التي تعطيها لنفسك لا يوجد هناك مبرر لاستمرارك فيه.



أجابتني: بعد أن فقدتُ نفسي في ذلك المكان، تُريدني أن أتركه دون أن أستردَّ ولو بعض الثمن؟!



قلت: ما هو الثمن في رأيك؟ مهما كانت المكاسب التي ستَحصُلين عليها ستبقين الخاسرة باستمرارك في تلك الطريق، أنا سأتكفل بجميع احتياجاتك، واحتياجات الأسرة، فقط اتركي ذلك العمل، واطوي هذه الصفحة، وابدئي من جديد.







رفضت أختي عَرضي كما رفضتْه أمي؛ لأن ذلك العمل كان مربحًا لكلتيهما، حتى وإن كان ما تدفعه أختي في سبيله أغلى بكثير، أما أبي، فلا رأي له في الموضوع، فقط هو يريد المال دون أن يعبأ بالطريقة التي يأتي بها.







اضطررتُ أن أصمت وأنأى بنفسي ليس فقط عن البيت والعمل؛ وإنما عن البلاد التي يقيمون فيها، تلازمني عقدة نقص الرجولة أينما حللتُ وارتحلتُ، أعاني الغربة والكثير من المشاعر السلبية الأخرى.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 27.30 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 26.67 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.30%)]