
17-04-2021, 10:48 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,643
الدولة :
|
|
رد: فقه وفتاوى وأحكام الصيام يوميا فى رمضان إن شاء الله

فقه وفتاوى وأحكام الصيام
د.أحمد مصطفى متولى
(5)

حكمُ مَن أفطر يوما من رمضان من أهل الوجوب:
أما القضاء فلا شك في وجوبه لأنهم أفطروا من رمضان فلزمهم قضاء ما أفطروا لقوله تعالى: {{وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}} [البقرة: 185] وقوله عائشة رضي الله عنها: «كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة»([1]) تعني الحيّض.
وأما الإمساك عن أحمد رواية أخرى لا يلزمهم الإمساك؛ لأنهم يجوز لهم الفطر في أول النهار ظاهراً وباطناً، فقد حل لهم في أول النهار الأكل والشرب وسائر ما يمكن من المفطرات، ولا يستفيدون من هذا الإمساك شيئاً، وحرمة الزمن قد زالت بفطرهم المباح لهم أول النهار، وقد روي عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: «من أكل أول النهار فليأكل آخره» ([2]) يعني أن من حل له الأكل في أول النهار حلَّ له الأكل في آخره، وهذا القول هو الراجح وعلى هذا لو قدم المسافر إلى بلده مفطراً ووجد زوجته قد طهرت أثناء ذلك اليوم من الحيض وتطهرت جاز له جماعها.

وإذا أفطر لإنقاذ غريق فأنقذه لم يلزمه الإمساك آخر النهار.
وإذا أفطرت مرضع خوفاً على ولدها ثم مات في أثناء اليوم لم يلزمها إمساك بقيته.
والقاعدة على هذا القول الراجح أن من أفطر في رمضان لعذر يبيح الفطر، ثم زال ذلك العذر أثناء النهار لم يلزمه الإمساك بقية اليوم.
حكمُ مَن أفطر لكبر أو مرض لا يرجى برؤه :
فإذا أفطر لكبر فإنه ميؤوس من قدرته على الصوم، ولذلك فإنه يلزمه الفدية، وكذلك من أفطر لمرض لا يرجى برؤه، ويمثل له كثير من العلماء فيما سبق بالسل يقولون: إنه لا يرجى برؤه، لكن هذا المثال في الوقت الحاضر لا ينطبق؛ لأن السل صار مما يمكن برؤه، لكن يمكن أن نمثل له في وقتنا هذا بالسرطان، فإن السرطان لا يرجى برؤه، فإذا مرض الإنسان بمرض السرطان، وعجز عن الصوم صار حكمه كحكم الكبير الذي لا يستطيع الصوم، فيلزمه فدية عن كل يوم.
وهنا نحتاج إلى أمرين:
الأول: أن وجه سقوط الصوم عنه عدم القدرة الدائم، وليس كالمريض الذي قال الله فيه: {{فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}} [البقرة: 184] لأن هذا يرجى برؤه، والآخر لا يرجى برؤه فسقط وجوب الصوم عنه للعجز عنه.
الثاني: إن قيل: ما الدليل على وجوب الفدية، مع أنه اتقى الله ما استطاع في قوله تعالى: {{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}} [التغابن: 16] ؟ فالجواب: ما ثبت عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنه قال في الشيخ والشيخة إذا لم يطيقا الصوم: «يطعمان لكل يوم مسكيناً» وقد استدل على ذلك بقوله تعالى: {{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}}([3]) [البقرة: 184] ، والقول هنا صادر من صحابي، ومعروف خلاف العلماء في قول الصحابي، هل هو حجة أو ليس بحجة؟ لكنه هنا قول صحابي في تفسير آية، وإذا كان في تفسير آية، فقد ذهب بعض العلماء إلى أن تفسير الصحابي له حكم الرفع، وإن كان هذا القول ضعيفاً، ولكن لا شك أنه إذا قال الصحابي قولاً واستدل بآية، فإن استدلاله أصح من استدلال غيره.

فما وجه الاستدلال بالآية؟
فالجواب: أن استدلال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ بهذه الآية استدلال عميق جداً، ووجهه أن الله قال: {{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ}} [البقرة: 184] فجعل الفدية معادلة للصوم، وهذا في أول الأمر لما كان الناس مخيرين بين الصوم والفدية، فلما تعذر أحد البديلين ثبت الآخر، أي: لما تعذر الصوم ثبتت الفدية، وإلا فمن أخذ بظاهر الآية قال: إن الآية لا تدل على هذا، فالآية تدل على أن الذي يطيق الصيام، إما أن يفدي أو يصوم، والصوم خير ثم نسخ هذا الحكم.
والجواب: أن الله تعالى لما جعل الفدية عديلاً للصوم في مقام التخيير دل ذلك على أنها تكون بدلاً عنه في حال تعذر الصوم، وهذا واضح، وعلى هذا فمن أفطر لكبر، أو مرض لا يرجى برؤه، فإنه يطعم عن كل يوم مسكيناً.
ولكن ما الذي يُطْعَم، وما مقداره؟
الجواب: كل ما يسمى طعاماً من تمر أو بر أو رز أو غيره.
وأَمَّا مقداره فلم يقدر هنا ما يعطى فيرجع فيه إلى العرف، وما يحصل به الإطعام، وكان أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ عندما كبر يجمع ثلاثين فقيراً ويطعمهم خبزاً وأدماً([4]) وعلى هذا فإذا غدّى المساكين أو عشاهم كفاه ذلك عن الفدية.
وقال بعض العلماء: لا يصح الإطعام؛ بل لا بد من التمليك([5])، وعليه فاختلفوا فقال بعضهم: إن الواجب مُدٌ من البر أو نصف صاع من غيره.
وقيل: بل الواجب نصف صاع من أي طعام كان.
فالذين قالوا بالأول قالوا: إن مُد البر يساوي نصف صاع من الشعير؛ لأنه أطيب وأغلى في نفوس الناس.
والذين قالوا إنه نصف صاع على كل حال، قالوا: لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لكعب بن عجرة في فدية الأذى: «أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع»([6])، قالوا: وهذا نص في تقدير النبي صلّى الله عليه وسلّم فيقاس عليه في كل فدية، ويكون نصف صاع.

فإن قيل: ما المراد بنصف الصاع، هل يرجع فيه إلى العرف، أو يرجع فيه إلى الصاع النبوي؟
فالجواب: لم أعلم أن أحداً من العلماء قال: إنه يرجع في الصاع إلى العرف، حتى شيخ الإسلام لم يرجع في الأصواع إلى العرف، وإنما رجع فيها إلى صاع النبي صلّى الله عليه وسلّم.
وعلى هذا فنقول: المراد نصف صاع من صاع النبي صلّى الله عليه وسلّم.
وقد حرر علماؤنا الصاع القصيمي، فوجدوه يزيد على الصاع النبوي ربعاً، أي الصاع النبوي أربعة أخماس الصاع القصيمي، فصاعنا الموجود خمسة أمداد نبوية، وصاع النبي صلّى الله عليه وسلّم أربعة أمداد.
أما عدد المساكين فعلى عدد الأيام، فلا يجزئ أن يعطي المسكين الواحد من الطعام أكثر من فدية يوم واحد، ويدل لهذا القراءة المشهورة السبعية الثانية {{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}} بالجمع فإنها تدل على أنه لا بد أن يكون عن كل يوم مسكين.
والخلاصة أن من عجز عن الصوم عجزاً لا يرجى زواله وجب عليه الإطعام، عن كل يوم مسكيناً، سواء أطعمهم أو ملكهم على القول الراجح.
مسألة: إذا أعسر المريض الذي لا يرجى برؤه أو الكبير، فإنها تسقط عنهما الكفارة؛ لأنه لا واجب مع العجز، والإطعام هنا ليس له بدل.
حالات المريض وأحكامه:
إذا كان الصوم يضره فإن الصوم حرام، والفطر واجب؛ لقول الله تعالى: {{وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ}} [النساء: 29] والنهي هنا يشمل إزهاق الروح، ويشمل ما فيه الضرر.
والدليل على أنه يشمل ما فيه الضرر، حديث عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ «عندما صلى بأصحابه وعليه جنابة، ولكنه خاف البرد فتيمم، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «صليت بأصحابك وأنت جنب؟ قال: يا رسول الله ذكرت قوله تعالى: {{وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ}} [النساء: 29] وإني خفت البرد ، فأقره النبي صلّى الله عليه وسلّم على ذلك»([7]).
والمريض له أحوال:
الأول: ألا يتأثر بالصوم، مثل الزكام اليسير، أو الصداع اليسير، أو وجع الضرس، وما أشبه ذلك، فهذا لا يحل له أن يفطر، وإن كان بعض العلماء يقول: يحل له لعموم الآية {{وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا}} [البقرة: 185] ولكننا نقول: إن هذا الحكم معلل بعلة، وهي أن يكون الفطر أرفق به فحينئذ نقول له الفطر، أما إذا كان لا يتأثر فإنه لا يجوز له الفطر ويجب عليه الصوم.

الحال الثانية: إذا كان يشق عليه الصوم ولا يضره، فهذا يكره له أن يصوم، ويسن له أن يفطر.
الحال الثالثة: إذا كان يشق عليه الصوم ويضره، كرجل مصاب بمرض الكلى أو مرض السكر، وما أشبه ذلك، فالصوم عليه حرام.
ولكن لو صام في هذه الحال هل يجزئه الصوم؟
قال أبو محمد ابن حزم رحمه الله: لا يجزئه الصوم؛ لأن الله ـ تعالى ـ جعل للمريض عدة من أيام أخر، فلو صام في مرضه فهو كالقادر الذي صام في شعبان عن رمضان، فلا يجزئه ويجب عليه القضاء.
وقول أبي محمد هذا مبني على القاعدة المشهورة، أن ما نهي عنه لذاته فإنه لا يقع مجزئاً، فإذا قلنا بالتحريم فإنَّ مقتضى القواعد أنه إذا صام لا يجزئه؛ لأنه صام ما نهي عنه كالصوم في أيام التشريق، وأيام العيدين لا يحل، ولا يصح، وبهذا نعرف خطأ بعض المجتهدين من المرضى الذين يشق عليهم الصوم وربما يضرهم، ولكنهم يأبون أن يفطروا فنقول: إن هؤلاء قد أخطأوا حيث لم يقبلوا كرم الله ـ عزّ وجل ـ، ولم يقبلوا رخصته، وأضروا بأنفسهم، والله ـ عزّ وجل ـ يقول: {{وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ}} [النساء: 29] .
([1]) سبق تخريجه
([2]) أخرجه ابن أبي شيبة (3/54).
([3]) سبق تخريجه
([4]) أخرجه الدارقطني (2/207) وصححه الألباني في «الإرواء» (4/21).
([5]) وهو المذهب. «الروض مع حاشية ابن قاسم» (3/371).
([6]) سبق تخريجه
([7]) سبق تخريجه

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|