عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 09-04-2021, 01:44 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,414
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة النساء - (36)
الحلقة (260)

تفسير سورة النساء (41)

إن التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله عند الخصومة هو الطريق القويم لحل الخلافات، والناس في قبولهم لحكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على مراتب بينها أهل العلم في مواطن؛ منهم من يتحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله ويقبل بالحكم على غضاضة في نفسه وهذا مسلم، ومنهم من لا يجد في نفسه حرجاً ولا غضاضة من قبول الحكم ولو صدر ضده وهو المؤمن، ومنهم من يسلم لحكم الله ورسوله فرحة به نفسه، مهما كان هذا الحكم، وهذا هو المؤمن الذي بلغ مرتبة الإحسان.
مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة النساء
الحمد لله؛ نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون ويا أيتها المؤمنات المستمعات!إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والليالي الثلاث بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).اللهم أعطنا وزدنا يا ولينا، إنه لا ولي لنا سواك!معاشر المستمعين والمستمعات! الآيتان الكريمتان اللتان تدارسناهما بالأمس ما وفيناهما حقهما من التفصيل والشرح والبيان، نعود إليهما.أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا * فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا * وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [النساء:64-68].هذه الآيات الكريمة وإن نزلت في الرجلين: اليهودي والمنافق اللذين رفض أحدهما التحاكم إلى رسول الله -وهو المنافق- فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالآيات كلها تتناولنا معشر المستمعين، ما من مؤمن إلا وهو من أهل هذه الآية.
خطر معصية الله ورسوله
قوله جل ذكره: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ [النساء:64]، أليست نصاً قطعي الدلالة صريح اللفظ ظاهر المعنى في أنه لابد من طاعة الرسول؟ فمعصية الرسول صلى الله عليه وسلم مهلكة وجريمة، وخروج عن منهج الكمال والإسعاد في الحياتين، فالرسول ما أرسل ليتلاعب الناس بأوامره ونواهيه، أو ليختار من شاء أن يختار أن يفعل ويترك، لا بد من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وطاعة الرسول من طاعة الله؛ إذ قال تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء:80]؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأمر إلا بما يأمر به الله، ولا ينهى إلا عما نهى عنه الله.إذاً: فطاعة الرسول من طاعة الله: و(من يطع الرسول فقد أطاع الله).وسبق أن ذكرتكم ونفسي بأن هذه الطاعة لن تخرج أبداً عن كونها عمل على إسعاد الإنسان وإكماله، ما هناك أمر ولا نهي لا يحقق للعبد المؤمن سعادة وكمالاً، إن شئت تحلف بالله ما أمر الله ولا رسوله بفعل شيء إلا من أجل إسعاد هذا المأمور وإكماله، والله العظيم! ولا نهى الله تعالى ولا رسوله عن شيء إلا لأنه ضار مفسد مهلك للإنسان، وإن أحببت أن تتعرف: أليس الله وليك، أليس الله مولاك، أليس سيدك وأنت عبده؟ فهل يرضى لعبده أن يشقى ويعذب؟ ما يرضى.فكل أوامر الله ونواهيه هي من أجل إكمال الآدمي وإسعاده في الدنيا أولاً وفي الآخرة ثانياً وأخيراً. وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ [النساء:64]، أي: بأمر الله وإعلامه لنا بذلك؛ لأن الله لا يخاطبنا فرداً فرداً، لابد من واسطة؛ رسول منا إنسي بشري يتكلم بلغتنا ويبلغنا أمر الله ونهيه من أجل أن نكمل في آدابنا وأخلاقنا ومعارفنا وأبداننا ونسعد حيث ننجو من الشقاء والخسران في الدنيا والآخرة. وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ [النساء:64] من الرسل، وهم ثلاثمائة وأربعة عشر رسولاً: إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ .
وجوب التوبة على الفور من الذنوب
قال الله: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا [النساء:64]، هذه خاصة باللذين رغبا عن التحاكم إلى رسول الله وتحاكما عند اليهودي كعب بن الأشرف أو عند الكاهن الجهني، ما وجه خصوصها؟ لأنه تعالى قال لهم في بيان توبتهم: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ [النساء:64]، ظلموا أنفسهم كيف؟ من يبين لنا وجه الظلم هذا؟ ظلموها لما أفرغوا عليها قناطير الأوساخ، إذ الذنوب كالمزابل والأوساخ، فهي لم تكن مسودة ولا مظلمة ولا منتنة ولا عفنة، بل كانت مستنيرة؛ لأنها نور، فأفرغوا عليها الأوساخ، ما وجه الظلم لها؟ لأنهم رغبوا عن التحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحاكموا عند يهودي أو كاهن من الكهنة؛ عرضوها للخسار والدمار، ظلم هذا أو لا؟ نفسك يا بني أو يا أخي لما نزلت من الملكوت الأعلى، ونفخها الملك في تلك اللحمة أو المضغة كانت في ضوئها ونورها أكثر من هذا النور، وأهملت بأن تحافظ عليها كذلك، كلما وقع عليها دخن امسحه نظفه، حتى تبقى مستنيرة، حتى تنتهي هذه الدورة التي تعيشها وتعود إلى الملكوت الأعلى وهي نور يتلألأ.فكل من يذنب ذنباً أفرغ عليها قطعة من الوسخ، والرسول الحكيم أستاذ الحكمة ومعلمها صلى الله عليه وسلم يقول في هذا التمثيل العجيب: ( إذا أذنب العبد ذنباً )، ذنباً: نكرة، صغير هذا الذنب كان أو كبيراً أي ذنب، (نكت في قلبه نكتة سوداء، فإذا تاب واستغفر انمسح ذاك السواد)، فإن هو لم يستغفر ولم يتب وأذنب وقع بجانب النقطة الأولى نقطة ثانية وثالثة ورابعة وخامسة وسادسة حتى يغطى القلب كاملاً.ثم قال: ( فذلكم الران الذي قال الله تعالى فيه: بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14] ).فلهذا بإجماع أهل السنة أن التوبة فريضة لازمة من كل من أذنب وعلى الفور، لا يقول: حتى أصبح، أو حتى أتغدى، أو حتى كذا.. لا. أذنبت ووقعت: أستغفر الله.. أستغفر الله أستغفر الله، وأنت نادم متحسر وعازم أن لا تعود لهذا الخطأ، ومن ثم على الفور يزول ذلك الأثر، والله العظيم ينمحي إن كنت صادقاً في توبتك!إذاً: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ [النساء:64] يا رسولنا صلى الله عليه وسلم: جَاءُوكَ [النساء:64]، لماذا؟ لأنهم أعرضوا عنك وصدوا عنك، وأنت صاحب الحق وأنت الوالي والحاكم، المفروض يأتوك، ثم لا يذهبون يتحاكمون إلى دولة أخرى، أو إلى يهودي أو كاهن من السحرة والدجالين! ظلم هذا أو لا؟
وجوب التحاكم إلى الله ورسوله والرضا بحكمهما
لو جاءوك معلنين عن ذنبهم وتوبتهم واستغفارهم منكسرين ذليلين فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ [النساء:64]. أولاً: يجيئون إلى رسول الله وهم يقولون: نستغفر الله.. نستغفر الله نستغفر الله ونتوب إليه، استغفر لنا يا رسول الله؛ لاستغفر لهم رسول الله: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ [النساء:64]، لماذا يستغفر لهم الرسول؟ لأنه صاحب الحق، ظلموه أو لا؟ أو قل: أهانوه، ما اعترفوا بدولته ولا سلطانه ولا حكمه؛ لأن مواطناً في دولة من الدول يرفض أن يتقاضى في دولته، ويتقاضى في سفارة أخرى، يرضى عنه الحاكم وأهل البلاد؟ ما يعقل هذا أبداً، كيف يتركون الحاكم العام؛ رسول الله ويتحاكمون عند يهودي؟! فالحق حق الرسول، فلهذا لن تقبل توبتهم إلا بهذه الشروط الثلاثة: أولاً: أن يأتوا مذعنين منكسرين؛ تكبرتم أمس واليوم تأتون وأنتم في ذل وذلة، ثانياً: مستغفرين الله تائبين إليه من التحاكم عند أعدائه، ثالثاً: ويستغفر لهم رسول الله، بمعنى: يتنازل عن حقه بالمعنى القريب، يستغفر لهم معناه أنه راض عنهم الآن، كان متأثراً وغاضباً وساخطاً عليهم: وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا [النساء:64]، هذا جواب: لو: لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا [النساء:64]، كثير التوبة يتوب على كل من تاب إليه ورجع، وقرع بابه واطرح بين يديه، ورحيماً، يرحم ولا يعذب.هذه الحادثة بعينها خاصة أو لا؟ لكن هل يجوز لنا نحن أن نتحاكم إلى غير الكتاب والسنة، ماذا تقولون؟ الذي يقول: يجوز لنا أن نتحاكم إلى غير الكتاب والسنة انسلخ من الإسلام فليراجع الطريق من جديد، ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، كيف نواجه هذه المشكلة يا شيخ، استعمرتنا أوروبا وورثت فينا قوانينها السياسية والاجتماعية والمالية والحربية ونحن عالة على ذلك، كيف نصنع؟ من يجيبنا عن هذا السؤال؟الجواب: خطوتان: الخطوة الأولى -واشهد اللهم ونحن نبكي ونكرر هذا طول العام-: أن يسلم المواطنون لله قلوبهم ووجوههم، إذ لا ينكرون أنهم مسلمون، بل يغضبون إذا قلت لهم: أنتم غير مسلمين؟ أسلموا قلوبكم لله ووجوهكم، كيف نسلم ذلك يا شيخ؟ الجواب: أن نعرف أننا أذنبنا وأخطأنا وبعدنا، وهانحن تائبون، عائدون، دلونا، نسمع الجواب: اجتمعوا في بيت مولاكم، اجتمعوا في بيت ربكم وسيدكم؛ لتعطوه قلوبكم ووجوهكم، اجتمعوا في صدق، طالبين رضاه، مستمطرين رحماته، باحثين عن طريق موصل إلى حبه ورضاه، إلى أين نذهب؟ إلى بيته نطرح بين يديه، هو الذي يفرج ما بنا، هو الذي يكشف سيئاتنا ويرفع عنا ما ابتلينا به، إلى بيته فإذا اجتمع أهل القرية أو الحي في صدق واطرحوا بين يدي الله؛ يصلون المغرب ويجلسون جلوسنا هذا؛ النساء وراء الستائر ومكبرات الصوت بينهن، وأطفالنا نصففهم بين نسائنا ورجالنا، ونتلقى الكتاب والحكمة، الكتاب والسنة، حتى نعلم بم نطيع الله وفيم نطيعه؛ فنعرف محاب الله ومساخطه، ونعرف الجزاء والثواب، كما نعرف العقوبة على العصيان، ونأخذ نترقى يوماً بعد يوم، إيماننا ينمو ويزداد، وأخلاقنا تفضل، آدابنا تسمو، الأخوة تسود، المحبة تتحكم في نفوسنا، وإذا بنا كأسرة واحدة، ما هي من أسرنا الهابطة، أسرة حق لا يقوى الولد أن يرفع صوته على أبيه.حينئذ تأتي الخطوة الثانية: فإذا اختلف اثنان واختصم اثنان في القرية من أجل شاة أو شجرة أو دينار أو درهم، ما يحتاجون إلى أن يذهبوا إلى المحكمة لا العسكرية ولا المدنية، بل في المسجد، إمامهم مربيهم مؤدبهم لا يفارق هذا البيت، وهم كذلك: تعال يا فلان، ماذا حدث؟ أنا ظننت أو رأيته أخذ دجاجتي ولن يكون هذا، لا يمكن لعبد يجلس سنة بين يدي الله يبكي ويطرح ويسرق دجاجة أو نعجة أو بعيراً، ما يكون ولن يكون، إن فرضنا فقط، الإمام يقول: يا فلان استغفر الله، واطلب السماح من أخيك وقبل رأسه ويديه، يا فلان سامح أخاك واعف عنه، ثم يخرجان وكأنهم جسم واحد.وهكذا في كل قرية ومدينة هل بقينا في حاجة إلى القوانين والمحاكم، ماذا نصنع بها؟ لا حاجة لنا بها، تمضي السنة ما نسمع أن فلاناً زنا أو سرق أو كذب أو فجر أو فعل باطلاً، لا يمكن، سنة الله ما تتبدل؛ الطعام يشبع، الماء يروي، النار تحرق، الحديد يقطع.. سنن لا تتبدل، المعرفة بالله تنتج حب الله والخوف منه، وحب الله يمنع أن يعصي عبد الله الحبيب، والحياة ثابتة كلها قائمة، أعلمنا أصفانا وأطهرنا وأزكانا، هذه خطوة الأمة لو أرادت.

يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 33.93 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 33.30 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.85%)]