عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 29-03-2021, 05:39 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,186
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الإسراء والمعراج

الإسراء والمعراج هل كان يقظة أم مناما؟:



اختلف كثير من العلماء حول رؤية النبي صلى الله عليه وسلم للإسراء والمعراج هل كانت رؤيته له في اليقظة أم في المنام؟ وفي هذا يقول الإمام السهيلي في الروض الأنف[30]. أي هل كان الإسراء في يقظة بجسده،،أم كان نوما بروحه.. ويعتدّ بعض العلماء ومنهم ابن إسحاق بحديث عائشة رضي الله عنها، ومعاوية، أنها كانت رؤيا حتى، وأن عائشة قالت: لم تفقد بدنه، وإنما عرج بروحه تلك الليلة... ويحتِّج قائل هذا القول بقوله سبحانه: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ... ﴾ [الإسراء: 60].







وهنا يقول السيوطي في تفسيره عن ليلة الإسراء والمعراج ﴿ فِتْنَةً لِلنَّاسِ ﴾ أي اختبار أو امتحانا ليتميز الطيب من الخبيث[31]. ويستطرد السهيلي فيقول: إن الله تعالى في هذه الآية لم يقل الرؤية وإنما يسمى رؤيا ما كان في النوم في عرف اللغة... وكانت رؤيا صادقة[32].







ويقول: والواقع أنها في رؤية حقيقية حيث قال أصحاب القول الثاني: قد تكون الرؤيا بمعنى الرؤية في اليقظة... قالوا: وفي الآية بيان أنها كانت في اليقظة؛ لأنه قال: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ﴾ ولو كان رؤيا نوم ما افتتن بها الناس حيث ارتدّ كثير ممن أسلم، وقال الكفار: يزعم محمد أنه أتى بيت المقدس، ورجع إلى مكة ليلته، والعير تطرد إليها شهرا مقبلة، وشهرا مدبرة، ولو كانت رؤيا نوم، لم يستبعد أحد منهم هذا»[33].







هذا، بالإضافة إلى العلاقات الأخرى التي دلّت على الإسراء في حديثه صلى الله عليه وسلم[34] ولا شك في أن الآية الكريمة التي ذكرت الإسراء هي الحسم في هذا الموقف، كذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الصادق المصدّق، يشير إلى الإسراء والمعراج[35].







موضوع رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه جلّ وعلا:



تكلّم العلماء أيضا في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه ليلة الإسراء والمعراج، فقد روى مسروق عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها أنكرت أن يكون رآه، وقالت: من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، واحتجت بقوله جل وعلا ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الأنعام: 103][36].







ويستطرد الإمام السهيلي[37] فيقول أنه في مصنف الترمذي عن ابن عباس وكعب الأحبار أنه رآه، قال كعب: إن الله قسمّ رؤيته وكلامه بين موسى ومحمد، وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قلت: يا رسول الله هل رأيت ربك؟ قال: «رأيت نورا»، وفي حديث آخر من صحيح مسلم أنه قال: نور أني أراه؟ وليس في هذا الحديث بيان شاف أنه رآه.







وعن أبي الحسن الأشعري أنه قال: رآه بعيني رأسه، وفي تفسير النقاش عن ابن حنبل أنه سئل: هل رأى محمد ربه؟ فقال: رآه رآه رآه حتى انقطع صوته. ويقول السهيلي: وفي تفسير عبد الرزاق عن معمر عن الزهري وذكر إنكار عائشة انه رآه، فقال الزهري: ليست عائشة أعلم عندنا من ابن عباس، وفي تفسير ابن سلام عن عروة أنه كان إذا ذكر إنكار عائشة أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ربه يشتدّ ذلك عليه. وقول أبي هريرة في هذه المسألة كقول ابن عباس أنه رآه؟ روى يونس عن ابن إسحاق عن داود بن الحصين قال: سأل مروان أبا هريرة: هل رأى محمد ربه؟ فقال: نعم رآه، فقال ابن عمر: وكيف رآه؟ فقال ابن عباس كلاما كرهت أن أورده بلفظه لما يوهم به التشبيه ولو صحّ لكان له تأويل والله أعلم»[38].







ثم يجمع السهيلي[39] الرأي القاطع فيقول: «والمتحصل من هذه الأقوال – والله أعلم – أنه رآه لا على أكمل ما تكون الرؤية على ما نحو ما يراه في حظيرة القدس عند الكرامة العظمى والنعيم الأكبر، ولكن دون ذلك، وإلي هذا يوحى قوله: رأيت نورا. ونورا آنى أراه في الرؤية الأخرى والله أعلم».







أما عن الدنو والتدلي فيقول السهيلي أيضا[40] «فهما خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض المفسرين، وقيل إن الذي تدلى هو جبريل عليه السلام، تدلى إلى محمد حتى دنا منه، وهذا قول طائفة أيضا. وفي الجامع الصحيح في إحدى الروايات منه فتدلى الجبار، وهذا مع صحة نقله لا يكاد أحد من المفسرين يذكره لاستحالة ظاهره، أو للغفلة عن موضعه، ولا استحالة فيه؛ لأن حديث الإسراء إن كان رؤيا رآها بقلبه وعينه نائمة – كما في حديث أنس، فلا إشكال فيما يراه في نومه عليه السلام، فقد رآه في أحسن صورة ووضع كفه بين كتفيه، حتى وجد بردها بين ثدييه. رواه الترمذي عن طريق معاذ في حديث طويل..







ويقول ابن القيم[41]: وأما قوله تعالى في سورة النجم: ﴿ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ﴾ فهو غير الدنو الذي في قصة الإسراء، فإن الذي في سورة النجم هو دنو جبريل وتدليه، كما قالت عائشة، وابن مسعود، والسياق يدلّ عليه. وأما الدنو والتدلي في حديث الإسراء، فذلك صريح في أنه دنو الرب تبارك وتعالى وتدليه، ولا تعرض في سورة النجم لذلك، بل فيه أنه رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى، وهذا هو جبريل، رآه محمد صلى الله عليه وسلم على صورته مرتين، مرة في الأرض، ومرّة عند سدرة المنتهى. والله أعلم.







ثم يقول السهيلي[42]: «.. ولما كان هذه رؤيا لم ينكرها أحد من أهل العلم، ولا استبشعها.. وكان الإسراء بجسد، فيقال فيه من التأويل ما يقال في قوله: ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا، فليس بأبعد منه في باب التأويل.. ويقوي ما ذكرناه من معنى إضافة التدلي إلى الربّ سبحانه كما في حديث البخاري ما رواه ابن سنجر مسندا إلى شريح بن عبيد، قال: لما صعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء، فأوحى إلى عبده ما أوحى فلما أحسّ جبريل بدنو الرب خرّ ساجدا، فلم يزل يُسبح رب الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة حتى قضى الله إلى عبده ما قضى، قال: ثم رفع رأسه، فرأيته في خلقه الذي عليه منظوما أجنحته بالزبرجد واللؤلؤ والياقوت، فخيّل إلى أن ما بين عينيه قد سدّ الأفقين، وكنت لا أراه قبل ذلك إلا على صور مختلفة، وكنت أكثر ما أراه على صورة دحية بن خليفة الكلبي، وكان أحيانا لا يراه قبل ذلك إلا كما يرى صاحبه من وراء الغربال.







أما ابن كثير في البداية والنهاية[43] فيقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في سدرة المنتهى «جبريل عليه السلام له ستمائة جناح ما بين كل جناحين كما بين السماء والأرض، وهو الذي يقول الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ﴾ [النجم: 13 – 17].







أي ما زاغ يمينا ولا شمال ولا ارتفع عن المكان الذي حدد له النظر إليه، وهذا هو الثبات العظيم والأدب الكريم، وهذه الرؤيا الثانية لجبريل عليه السلام على الصفة التي خلقه الله تعالى عليها كما نقله ابن مسعود، وأبو هريرة، وأبو ذر، وعائشة رضي الله عنهم أجمعين. والأولى هي قوله تعالى: ﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ﴾ [النجم: 5 – 10].







وكان ذلك بالأبطح، تدلىّ جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم سادا أعظم خلقه ما بين السماء والأرض حتى كان بينه وبينه قاب قوسين أو أدنى، فقد يكون من فهم الراوي فأقحمه في الحديث والله أعلم.







وفي تفسير ابن كثير عند قول الله تعالى: ﴿ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ﴾ [النجم: 16] قال عن الحافظ البيهقي عن ابن مسعود: غشيها فراش من ذهب، وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس، وخواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك بالله شيئا المقحمات، يعني الكبائر[44].







أما الإمام القرطبي في الجامع لأحكام القرآن[45] فإنه يقول عند تفسير الآية الكريمة من سورة الإسراء: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الإسراء: 1].







قال: «سبحان» معناه التنزيه والبراءة لله عزّ وجل من كل نقص، فهو ذكر عظيم لله تعالى لا يصلح لغيره.. وقوله تعالى: ﴿ أَسْرَى بِعَبْدِهِ ﴾ و«أسرى» فيه لغتان: سرى وأسرى، وقيل: أسرى سار من أول الليل، وسرى سار من آخره، والأول أعرف.







وقوله تعالى: ﴿ بِعَبْدِهِ ﴾ بعبده قال العلماء: لو كان للنبي صلى الله عليه وسلم اسم أشرف منه لسماه به في تلك الحالة العلّية. قال القشيري: لما رفعه الله تعالى إلى حضرته السنية، وأرقاه فوق الكواكب العلوية، ألزمه اسم العبودية تواضعا للأُمّة. وأضاف الإمام القرطبي فقال: ثبت الإسراء في جميع مصنفات الحديث، ورُوي عن الصحابة في كل أقطار الإسلام فهو من المتواتر بهذا الوجه، وذكر النقاشي: ممن رواه عشرين صحابيا...[46].. وقال: «واختلفوا في تاريخ الإسراء وهيئة الصلاة، وهل كان غسراء بروحه أو جسده، فهذه ثلاث مسائل تتعلق بالآية، وهي مما ينبغي الوقوف عليها والبحث عنها، وهي أهم من سرد تلك الأحاديث، وأنا أذكر ما وقفت عليه فيها من أقاويل العلماء واختلاف الفقهاء بعون الله تعالى.







فأما المسألة الأولى: وهي هل كان إسراء بروحه أو جسده، اختلف في ذلك السلف والخلف، فذهبت طائفة إلى أنه إسراء بالروح، ولم يفارق شخصه مضجعه، وإن كانت رؤيا رأى فيها الحقائق، ورؤيا الأنبياء حق، ذهب إلى هذا معاوية وعائشة.







وقالت طائفة: كان الإسراء بالجسد يقظة إلى بيت المقدس، وإلى السماء بالروح، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ﴾ فجعل المسجد الأقصى غاية الإسراء، وقالوا: لو كان الإسراء بجسده زائدا على المسجد الأقصى لذكره، فإنه كان يكون أبلغ في المدح.







وذهب معظم السلف والمسلمين إلى أنه كان إسراء بالجسد في اليقظة، وأنه ركب البراق بمكة، ووصل إلى بيت المقدس وصلى فيه ثم أسرى بجسده. وعلى هذا تدلّ الأخبار التي أشرنا إليها والآية، وليس في الإسراء بجسده وحال يقظته استحالة.. ولو كان مناما لقال بروح عبده ولم يقل بعبده. وقوله: ﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ﴾ [النجم: 17]. يدلّ على ذلك، ولو كان مناما لما كانت فيه آية ولا معجزة، ولما قالت أم هانئ: لا تُحدّث الناس فيكذبوك، ولا فُضّل أبو بكر الصديق، ولما أمكن قريشا التشنيع والتكذيب، وقد كذبه قريش فيما أخبر به حتى ارتدّ أقوام كانوا آمنوا، فلو كان بالرؤيا لم يستنكره...[47].







وقوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ... ﴾ [الإسراء: 60].







يقول القرطبي... «وفي البخاري والترمذي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا... ﴾ قال: هي رؤيا عين أريها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى به إلى بيت المقدس[48].







وفي تفسير سورة النجم يقول الإمام القرطبي[49]: قوله تعالى: ﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ﴾ يعني جبريل عليه السلام في قول سائر المفسرين، سوى الحسن فإنه قال: هو الله عز وجل، ويكون قوله تعالى: ﴿ ذُو مِرَّةٍ ﴾ على قول الحسن تمام الكلام، ومعناه ذو قوة، والقوة من صفات الله تعالى، وأصله من شدّة فتل الحبل، كأنه استمر به الفتل حتى بلغ إلى غاية يصعب معها الحلّ، ثم قال «فاستوى» يعني الله عزّ وجل، أي استوى على العرش. روى معناه عن الحسن.







وقال الربيع بن أنس والفراء: ﴿ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ﴾ أي استوى جبريل ومحمد عليهما الصلاة والسلام.. ومعنى الآية: استوى جبريل ومحمد عليهما السلام ليلة الإسراء بالأفق الأعلى.. وقيل: المعنى فاستوى جبريل بالأفق الأعلى، وهو أجود. وإذا كان المستوى جبريل فمعنى «ذو مرّة» في وصفه ذو منطق حسن، وقال ابن عباس. وقال قتادة: خلق طويل حسن. وقيل: معناه ذو صحة جسم وسلامة من الآفات، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تحلّ الصدقة لغني ولا لذي مرَّة سوّى»[50].







واستطرد القرطبي فقال: وقد قيل: «ذو مُرَّة» ذو قوة. قال الكلبي: وكان من شدّة جبريل عليه السلام: أنه اقتلع مدائن لوط من الأرض السفلى، فحملها على جناحه حتى رفعها إلى السماء، حتى سمع أهل السماء نبح كلابهم وصياح ديكتهم، ثم قلبها... وكان من شدته: هبوطه من السماء على الأنبياء وصعوده إليها في أسرع من الطرف.. وكان من جزالة رأيه وحصافة عقله: أن الله أئتمنه على وحيه إلى جميع رسله.. وقال مجاهد وقتادة: «ذو مُرّة» ذو قوة... فالقوة تكون من صفة الله عزّ وجل، ومن صفة المخلوق «فاستوى» يعني جبريل على ما بينّا، أي ارتفع وعلا إلى مكان في السماء بعد أن علَّم محمدا صلى الله عليه وسلم، قاله سعيد بن المُسيب وابن جبير، وقيل: «فاستوى» أي قام في صورته التي خلقه الله تعالى لأنه كان يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صورة الآدميين... حيث إن له ستمائة جناح سعة كل جناح ما بين المشرق والمغرب... ﴿ وَلَقَدْ رَآَهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ﴾ [التكوير: 23].







أما في السماء فعند سدرة المنتهى ولم يره أحد من الأنبياء على تلك الصورة إلا محمدا صلى الله عليه وسلم... قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ﴾ [النجم: 7] معناها: فاستوى جبريل عاليا على صورته ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك يراه عليها حتى سأله إياها على ما ذكرنا. والأفق ناحية من السماء وجمعه آفاق... والصحيح: استوى جبريل بالأفق الأعلى على صورته الأصلية؛ لأنه كان يتمثل للنبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل بالوحي في صورة رجل، فأحبّ النبي صلى الله عليه وسلم أن يراه في صورته الحقيقية، فاستوى في أفق المشرق فملأ الأفق[51].







وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ﴾ أي دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض ﴿ فَتَدَلَّى ﴾ فنزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي.







المعنى: أنه لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم من عظمته ما رأى، وهاله ذلك ردّه الله إلى صورة آدمي حين قرب من النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي، وذلك قوله تعالى: ﴿ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ ﴾ يعني أوحى الله إلى جبريل، وكان جبريل «قاب قوسين أو أدنى».







قاله ابن عباس أيضا في قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ﴾ أن معناه أن الله تبارك وتعالى ﴿ دَنَا ﴾ من محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ فَتَدَلَّى ﴾، وروى نحوه أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم. والمعنى دنا منه أمره وحكمه.. وأصل التدلّي النزول إلى الشيء حتى يقرب منه فوضع موضع القرب... وذهب الفرّاء إلى أن الفاء في «فتدلى» بمعنى الواو، والتقدير ثم تدلّى جبريل عليه السلام ودنا... ولكنه جائز إذا كان معنى الفعلين واحدا أو كالواحد قدمت أيهما شئت، فقلت فدنا فقرب وقرب فدنا..[52].







وقال ابن عباس: تدلّى الرفرف لمحمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج فجلس عليه ثم رفع فدنا من ربه.. ومن قال: المعنى فاستوى جبريل ومحمد بالأفق الأعلى قد يقول: ثم دنا محمد من ربه دنوّ كرامة فتدلىّ: أي هوى للسجود وهذا قول الضحاك[53].







ويقول الإمام القرطبي: قوله تعالى: ﴿ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ﴾ أي على تقديركم.. وقال سعيد بن جبير وعطاء [وغيرهم] أي قدر ذراعين.







وقال القاضي عياض: اعلم أن ما وقع من إضافة الدنو والقرب من الله أو إلى الله فليس بدنو مكان ولا قرب مدى، وإنما دنو النبي صلى الله عليه وسلم من ربه وقربه منه: إبانة عظيم منزلته، وتشريف رتبته، وإشراق أنوار معرفته، ومشاهدة أسرار غيبه وقدرته. ومن الله تعالى له: مبرّة وتأنيس وبسط وإكرام.







ويتأول في قوله عليه السلام: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا» على أحد الوجوه: نزول: جمال وقبول وإحسان. قال القاضي: وقوله: ﴿ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ﴾ فمن جعل الضمير عائدا إلى الله تعالى لا إلى جبريل كان عبارة عن نهاية القرب، ولطف المحل، وإيضاح المعرفة، والإشراف على الحقيقة من محمد صلى الله عليه وسلم، وعبارة عن إجابة الرغبة، وقضاء المطالب، وإظهار التخفي، وإنافة المنزل والقرب من الله، ويتأول فيه ما يتأول في قوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه فيما يرويه عن ربه: «من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا، ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة»، قرب الإجابة والقبول، وإتيانا بالإحسان وتعجيل المأمول. وقد قيل: «ثم دنا» جبريل من ربه ﴿ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ﴾ قال مجاهد...[54].







وقوله تعالى: ﴿ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ ﴾ تفخيم للوحي الذي أوحى إليه.. والوحي هو إلقاء الشيء بسرعة.. والمعنى: فأوحى الله تعالى إلى عبده محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحي. وقيل: المعنى ﴿ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ ﴾ جبريل عليه السلام ﴿ مَا أَوْحَى ﴾ قيل: المعنى: فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحي إليه ربه.. وقيل: أوحى الله إليه أن الجنة حرام على الأنبياء حتى تدخلها يا محمد، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك[55].







ويستطرد الإمام القرطبي فيقول: قوله تعالى: ﴿ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ﴾ أي لم يكذب قلب محمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج، وذلك أن الله تعالى جعل بصره في فؤاده حتى رأى ربه تعالى وجعل لله تلك الرؤية. وقيل: كانت رؤية حقيقية بالبصر، والأول مروى عن ابن عباس. وفي صحيح مسلم أنه رآه بقلبه، وهو قول أبي ذرّ وجماعة من الصحابة، والثاني قول أنس وجماعة.







وروي عن ابن عباس أيضا أنه قال: أتعجبون أن تكون الخُلّة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد صلى الله عليه وسلم.







وروى أيضا عن ابن عباس أنه قال: أما نحن بني هاشم فنقول: إن محمدا رأى ربه مرتين.. وروى أبو العالية قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ قال: «رأيت نهرا ورأيت وراء النهر حجابا ورأيت وراء الحجاب نورا لم أر غير ذلك».







وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، هل رأيت ربك؟ قال: نور أنىّ أراه، المعنى: غلبني من النور وبهرني منه ما منعني من رؤيته[56].







وقوله تعالى: ﴿ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى ﴾ أي: أتجحدونه وتريبونه وتشككونه في أنه رأى الله [جل وعلا].
يتبع


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 35.04 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 34.41 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.79%)]