وشُفي مَرْضَى بِبَرَكَتِهِ صلى الله عليه وسلم، فعَنْ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَ: (أُصِيبَتْ عَيْنُ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ رضي الله عنه يَوْمَ بَدْرٍ، فَسَالَتْ حَدَقَتُهُ عَلَى وَجْنَتِهِ) -على خده، العين خرجت وتدلت على وجهه من سيف أو من سهم- –(الحدقة): سواد مستدير وسط العين، و(الوجنة): أعلى الخد-. (فَأَرَادُوا أَنْ يَقْطَعُوهَا)، فَسَأَلُوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم؟ فَقَالَ: ("لَا!") فَدَعَا بِهِ فَغَمَزَ حَدَقَتَهُ بِرَاحَتِهِ، -يعني ضغط عليها وأرجعها كما كانت- فَكَانَ لَا يَدْرِي أَيَّ عَيْنَيْهِ أُصِيبَتْ. (يع) (1549)، وصححه الألباني في كتاب: (بداية السول في تفضيل الرسول ص: 41).
ألا واعلموا أن الْمَخْلُوقَاتِ تعترفُ بِنُبُوَّتِهِ صلى الله عليه وسلم، إلا من كفر من الجن والإنس، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: (أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ سَفَرٍ، حَتَّى إِذَا دَفَعْنَا إِلَى حَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ بَنِي النَّجَّارِ)، -أحد البساتين- (إِذَا فِيهِ جَمَلٌ، لَا يَدْخُلُ الْحَائِطَ أَحَدٌ إِلَّا شَدَّ عَلَيْهِ)، -جمل هائج فما أحد يستطيع أن يدخل البستان،- (فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَجَاءَ حَتَّى أَتَى الْحَائِطَ، فَدَعَا الْبَعِيرَ)، -أي ناداه-، (فَجَاءَ وَاضِعًا مِشْفَرَهُ) –أي: شَّفَته الغليظة- (إِلَى الْأَرْضِ، حَتَّى بَرَكَ بَيْنَ يَدَيْهِ)، -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("هَاتُوا خِطَامًا")، -أي: حبلا- (فَخَطَمَهُ وَدَفَعَهُ إِلَى صَاحِبِهِ)، ثُمَّ الْتَفَتَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى النَّاسِ فَقَالَ: ("إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ؛ إِلَّا يَعْلَمُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ، إِلَّا عَاصِيَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ"). (حم) (14333)، (مي) (18)، صَحِيحَ الْجَامِع: (2409)، والصَّحِيحَة: (3311).
وفي رواية: ("إِلَّا كَفَرَةُ الْجِنِّ وَالْأَنْسِ"). (طب) (18524)
وتعلمون قصة الجذع الذي كان يخطب عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وعندما صُنِع المنبر تركه النبي صلى الله عليه وسلم وصعد المنبر، فحنَّ الجذع إلَيْهِ صلى الله عليه وسلم، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ إِلَى جِذْعٍ، فَلَمَّا اتَّخَذَ الـمِنْبَرَ تَحَوَّلَ إِلَيْهِ فَحَنَّ الجِذْعُ، -وفي رواية: (فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ صِيَاحَ الصَّبِيِّ، ثُمَّ نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَمَّهُ إِلَيْهِ، تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّنُ. قَالَ: «كَانَتْ تَبْكِي عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ عِنْدَهَا». (خ) (3584)، فكان جذع النخلة يصيح كالصبي الذي يبكي يريد أن يطلب من أبيه شيئا يتحننه،- (فَأَتَاهُ) -النبي صلى الله عليه وسلم- (فَمَسَحَ يَدَهُ عَلَيْهِ). (خ) (3583)، وفي رواية: (حَنَّ الجِذْعُ حَتَّى أَتَاهُ فَالتَزَمَهُ فَسَكَنَ). (ت) (505).
هذه كراماتٌ وآياتٌ ومِنحٌ ربَّانية لمحمد صلى الله عليه وسلم، ومن كرامته على الله أنْ خَتَمَ به النبيين، وجَعَلَ أمّتَه خيرَ الأمم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الآخرة
الحمد لله حمد الشاكرين الصابرين، ولا عدوان إلا على الظالمين، اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وعلى من اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد:
وفي الآخرة هو الإمام؛ إمامُ الأنبياء والمرسلين، وسيدهم وخطيبهم، فَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، كُنْتُ إِمَامَ النَّبِيِّينَ، وَخَطِيبَهُمْ، وَصَاحِبَ شَفَاعَتِهِمْ غَيْرَ فَخْرٍ"). (ت) (3613)، (جة) (4314)، صَحِيح الْجَامِع: (781)، المشكاة: (5768).
-أَيْ: قَوْلِي هَذَا لَيْسَ بِفَخْرٍ. تحفة الأحوذي (9/ 20)-.
وأمته أكثر الأمم عدَدًا يوم القيامة، فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("إِنِّي لَأَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، (لَمْ يُصَدَّقْ نَبِيٌّ مِنْ الَأَنْبِيَاءِ مَا صُدِّقْتُ، وَإِنَّ مِنَ الَأَنْبِيَاءِ نَبِيًّا لَمْ يُصَدِّقْهُ مِنْ أُمَّتِهِ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَأَنَا أَوَّلُ النَّاسِ يَشْفَعُ فِي الْجَنَّةِ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ)، (آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتَفْتِحُ")، -يعني يستأذن في الدخول- ("فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟! فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ، لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ"). (جة) (4301)، (م) (196)، (197)، (حم) (12397).
والأنساب يوم القيامة كلها تنقطع إلا نسب محمد صلى الله عليه وسلم، فَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: (لَمَّا تَزَوَّجَ عُمَرُ) -بن الخطاب- (رضي الله عنه أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ) -عمر-: (أَلَا تُهَنُّونِي؟!) فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ("كُلُّ سَبَبٍ وَنَسَبٍ مُنْقَطِعٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، غَيْرَ سَبَبِي وَنَسَبِي"). (طس) (5606)، (ك) (4684)، صَحِيح الْجَامِع: (4527)، الصَّحِيحَة: (2036)، قال الديلمي: السبب هنا هو الصلة والمودَّة، وكل ما يُتوصل به إلى الشيء فهو سبب. وقيل: السبب يكون بالتزويج، والنسب -يكون- بالولادة.
وهو صلى الله عليه وسلم أوَّل من يقرع باب الجنة، قبل الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، كما ورد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ("أَنَا أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ"). (م) 331- (196).
وهو صلى الله عليه وسلم أوّلُ من يفيق من الصعقة، كما ثبت عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: («النَّاسُ يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ، فَلاَ أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ»). (خ) (3398).
الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام كلُّهم تحت لوائه وسيادته يوم القيامة، فعَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ("أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَبِيَدِي لِوَاءُ الحَمْدِ وَلَا فَخْرَ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ آدَمَ فَمَنْ سِوَاهُ إِلَّا تَحْتَ لِوَائِي، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ وَلَا فَخْرَ"). (ت) (3148)
فإذا كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عند اللهِ سبحانه وتعالى بهذه المكانة؛ ألا يجبُ علينا أن نتَّبِع هديَه، ونعملَ بسنته، ونسيرَ على طريقته، وإنْ نَعَقَ الناعقون، أو نَهَقَ الناهقون!
وعلينا أن نصليَ عليه كلَّ وقتٍ وحين، ففي الصلاة عليه أجرٌ عظيم، وفيها رضاً لربِّ العالمين، وقُرْبٌ من سيد المرسلين، صلى الله وسلم عليه وعليهم أجمعين، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ("مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرًا"). (م) 70- (408).
بل إن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم تعطيك ثلاث خصال تجدها يوم القيامة، هذا ما رواه النسائي عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ("مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ، وَحُطَّتْ عَنْهُ عَشْرُ خَطِيئَاتٍ، وَرُفِعَتْ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ"). (س) (1297)، الصَّحِيحَة: (3360).
أيضا؛ إن كنتم تصلون على النبي صلى الله عليه وسلم دائمًا؛ ففي هذا اليوم من الأسبوع يوم الجمعة خصُّوه بمزيد من الصلاة عليه، فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("أَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَلَاةِ فِي كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ، فَإِنَّ صَلَاةَ أُمَّتِي تُعْرَضُ عَلَيَّ فِي كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ، فَمَنْ كَانَ أَكْثَرَهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً، كَانَ أَقْرَبَهُمْ مِنِّي مَنْزِلَةً"). (هق) (5791), (ك) (3577), (جة) (1673), انظر صَحِيح التَّرْغِيبِ (1673), وقد كان الألباني ضعف هذا الحديث ثم تراجع عن تضعيفه.
ألا نُصلِّي عليه؛ وقد صلى عليه الله، وصلت عليه الملائكة، فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم كما روى ذلك عنه عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ("مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصَلِّي عَلَيَّ؛ إِلَّا صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ"). (جة) (907), (حم) (15680)، -وفي رواية:- ("مَا دَامَ يُصَلِّي عَلَيَّ")؛ -فالملائكة تصلي عليك ما دمت تصلي عليه، صلى الله عليه وسلم، قال:- ("فَلْيُقِلَّ عَبْدٌ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ لِيُكْثِرْ"). (حم) (15689) ، (جة) (907)، صَحِيح التَّرْغِيبِ (1669)، وقال الأرناؤوط: حديث حسن.
كم تريد أن يصلي عليك الله؟ كم تريد أن تصلي عليك ملائكة الله؟ أنت وهمتك في الصلاة عليه، ("فَلْيُقِلَّ عَبْدٌ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ لِيُكْثِرْ").
كيف وقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات يا رب العالمين.
اللهم اغفر لنا وارحمنا، وعافنا واعف عنا، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم وحد صفوفنا، اللهم ألف بين قلوبنا، اللهم أزل الغل والحقد والحسد والبغضاء من صدورنا، وانصرنا على عدوك وعدونا، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم احشرنا في زمرة النبي صلى الله عليه وسلم، وارزقنا شفاعته، واسقنا من حوضه الشريف شربة لا نظمأ بعدها أبدا يا رب العالمين.
﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ [العنكبوت: 45].