كما أزال الله تعالى عنه وطأة المبالغة في الحرص على إسلامهم بأن قال له: ﴿ أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾ [فاطر: 8]، وقال: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ﴾ [الكهف: 6] يعني: فلا تفعل ذلك.
ولقد كان مما يحزن رسولَ الله ما يسمعه من المشركين من كلمات الكفر، والطعن بالقرآن، فأراحه الله من ثقل ذلك عليه فقال له: ﴿ وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [يونس: 65]، وقال: ﴿ فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ [يس: 76]. ومن ثَم بين له أن نزول القرآن عليه كان لراحته وليس لشقائه حزنًا على قوم مكذبين معاندين فقال تعالى له: ﴿ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ﴾ [طه: 2].
حتى وصل التطمين والتسكين من الله تعالى لرسوله إلى نتيجة: أن عليه أن يؤدي البلاغ إلى الناس وتلك مهمته، فمن اهتدى فعائدة هدايته بالخير على نفسه، ومن ضل فليس عليه هدايته، ولا له الحزن عليه، فقال تعالى: ﴿ وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ ﴾ [النمل: 92].
عباد الله، إن من مظاهر إيصال الله الراحة لرسوله عليه الصلاة والسلام، ورفع الحرج عنه: ما أباحه له من أصناف النساء؛ فأباح له الزواج بزوجة متبناه بعد أن يطلقها وتعتد، وأن يتزوج من النساء زيادة على أربع، وأن يتزوج من غير مهر ولا ولي ولا شهود إذا شاء، وأن يصير القَسم بين نسائه غير واجب عليه، بل له أن يضم إليه من يشاء منهن، ويؤخر من يشاء، فقال تعالى: ﴿ مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا ﴾ [الأحزاب: 38]، وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [الأحزاب: 50] ﴿ تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَينَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 51].
عن عائشة قالت: (كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأقول: وتهب المرأة نفسها؟! فلما أنزل الله عز وجل: ﴿ تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ﴾ [الأحزاب: 51]. قلت: والله ما أرى ربك إلا يسارع لك في هواك)[12]. يعني: "ما أرى الله إلا موجداً لما تريد بلا تأخير، منزلاً لما تحب وتختار"[13]، و" يخفف عنك ويوسع عليك في الأمور"[14].
وقال أيضًا لزوجاته: ﴿ عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا ﴾ [التحريم: 5].
أيها الفضلاء، وهذا الإنعام الكبير على نبينا عليه الصلاة والسلام بإزالة كل حزن وغم عنه، وطلب راحته، وإذهاب المشقة عنه، ومحبة أن يبقى سالمًا من كدر إعراض المعرضين؛ يدل على مدى عناية الله به، ومحبته له.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه.
أما بعد:
أيها المسلمون، ومن حديث القرآن الكريم عن النبي الأمين عليه الصلاة والسلام: أنه تحدث عن مهمته التي أرسله الله لأجلها، ووظيفته السامية التي كلفه بها؛ ألا وهي: مهمة البلاغ، ووظيفة دعوة الخلق إلى الله.
فقد تحدث الذكر الحكيم عن ذلك حديثًا طويلاً، وذكر عن ذلك أموراً عديدة، فمن ذلك:
أنه تعالى أمره بالقيام بالدعوة وأرشده إلى بعض عوامل نجاحها فقال له: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ﴾ [المدثر: 1 - 7].
ومن ذلك: أنه أمره بإبلاغ جميع ما أنزل إليه من غير تقصير ولا كتمان، فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾ [المائدة: 67]، عن مسروق عن عائشة أنها قالت: من حدثك أن النبي صلى الله عليه وسلم كتم شيئًا من الوحي فلا تصدقه؛ إن الله تعالى يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾ [المائدة: 67][15]، وعند مسلم : (قالت: ومن زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئًا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية).
ولذلك بلغ رسول الله عليه الصلاة والسلام كل ما أنزل إليه، ولم يكتم شيئًا أمره الله تعالى بإبلاغه؛ ومما يدل على ذلك: إعلام الأمة بالآيات التي نزلت في عتابه؛ مثل قوله تعالى: ﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ﴾ [التوبة: 43]، قال بعض السلف: "هل سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا؟ بدأ بالعفو قبل المعاتبة فقال: ﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ﴾ [16].
وقوله: ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ﴾ [الأحزاب: 37]، يعني: " وتخفي في نفسك ما أوحى الله به إليك من طلاق زيد لزوجه وزواجك منها، والله تعالى مظهر ما أخفيت، وتخاف المنافقين أن يقولوا: تزوج محمد مطلقة متبناه، والله تعالى أحق أن تخافه"[17].
عن أنس رضي الله عنه قال: (جاء زيد بن حارثة يشكو فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( اتق الله وأمسك عليك زوجك ). قال أنس: لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتمًا شيئًا لكتم هذه)[18].
أيها الأحباب الكرام، ومن ذلك أيضًا: أنه أمره بسلوك أساليب دعوية في تبليغ الناس الرسالة ومنها: الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن فقال: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [النحل: 125].
ومن ذلك أيضًا: أنه أمره أن يخبر من كذبه بأنه ليس أول رسول أرسل إلى الناس، بل هناك رسل قبله جاءوا بمثل ما جاء به من الدعوة، فقال تعالى: ﴿ قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ [الأحقاف: 9].
ومن ذلك أيضًا: أن القرآن تولى الإجابة عن بعض الأسئلة التي وجهت إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام حينما لم يحط علمًا بإجابتها، مثل قوله: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء: 85]، وكان السائلون له ثلاثة أصناف: المشركون، وأسئلتُهم أسئلة تعجيزية؛ كالسؤال عن الساعة، واليهود وكانت أسئلتهم أسئلة امتحانية؛ كسؤالهم عن الروح، والصحابة وكانت أسئلتهم أسئلة استعلامية للاستفادة من الجواب عنها في التشريع؛ كالأسئلة الواردة في الأحكام الشرعية.
ومن ذلك: أنه تعالى دله على الطريق لجواب طلبات المشركين المتعنتين مثل قولهم: ﴿ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا ﴾ [الإسراء: 90 - 93].
ومن ذلك أيضًا: أنه أرشده إلى الموقف الذي يكون عليه إذا رأى إعراض المشركين وعنادهم، وتوليهم وعدم استجابتهم وهو أن يعلم أن حسابهم ليس عليه، بل على الله الذي خلقهم، وليس عليه إلا البلاغ المبين، وأن يتاركهم في نهاية الأمر، ويفاصلهم، فقال: ﴿ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ ﴾ [الشورى: 48]، وقال: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ﴾ [النحل: 82]، وقال: ﴿ فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾ [الشورى: 15].
عباد الله، وبعد معرفة المهمة التي جاء لأجلها رسول الله، والعلم ببعض الجوانب التي تحدث عنها القرآن عن هذه الوظيفة؛ فإن علينا:
أولاً: أن نحمد الله تعالى على نعمة الرسالة التي جاءنا بها رسول الله وأوصلها إلينا كما أمره ربه من غير كتمان ولا نقصان، فالحمد لله على هذه النعمة.
ثانيًا: أن نزداد حبًا وتعظيمًا لهذا النبي الكريم الذي تحمل في سبيل هذه المهمة صنوف العناء والشدة.
ثالثًا: علينا أن نعمل بهذا الدين كما جاء إلينا؛ فلا نترك العمل به لغرض دنيوي، ولا نأخذ منه ما يوافق أهواءنا، وندع ما يخالفها؛ فإن ذلك ليس من اتباعه والاهتداء بهديه.
وللحديث بقية إن شاء الله تعالى.
هذا وصلوا وسلموا على النبي الهادي...
[1] ألقيت في مسجد ابن الأمير الصنعاني في: 4/1/1440هـ،14/9/2018م.
[2] ينظر: سيرة ابن هشام (1/ 484).
[3] سيرة ابن هشام (1/ 408).
[4] تفسير الطبري (24/ 656).
[5]رواه الطبري في تفسيره (8/ 466)، وصححه الألباني، صحيح السيرة النبوية (ص: 225).
[6] رواه مسلم.
[7] الصارم المسلول (ص: 171).
[8] متفق عليه.
[9] رواه الهيثمي في موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان، وهو حسن.
[10] رواه الترمذي، وهو حسن.
[11] تفسير ابن كثير (8/ 201).
[12] متفق عليه.
[13] فتح الباري (8/ 526).
[14] شرح النووي على مسلم (5/ 199).
[15] متفق عليه.
[16] تفسير ابن كثير (4/ 159).
[17] التفسير الميسر (7/ 347).
[18] رواه البخاري.