
13-03-2021, 04:38 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,288
الدولة :
|
|
رد: صراع الهوية لدى الشباب.. كيف نحتويه؟
صراع الهوية لدى الشباب.. كيف نحتويه؟
ورقة عمل مقدمة لمؤتمر علم النفس الثاني
د. خالد بن محمد الشهري
تكوين الهوية فطرة أم صراع نفسي أم أزمة حضارية؟
"أسباب المشكلة"
لم يكن تكوين الهوية يُعدّ مشكلة لدى الأجيال السابقة.فلماذا أصبح الآن مشكلة؟
ذلك لأن المجتمعات كانت بسيطة وصغيرة وشبه مغلقة على نفسها وكان مصدر التلقي في المجتمع واحد يخضع له جميع أفراد المجتمع ويدينون له بالطاعة وتشكل سلوك المجتمع كله بناءاً على ذلك المصدر، وكان كل فرد في المجتمع له قيمة ودور منوط به فيشعر بقيمته ويساهم بما يُوكل إليه من مهام و لم يكن هنالك فصلٌ في جوانب الحياة التي يعيشونها بين مؤسسات التربية والأسرة والاقتصاد والعبادة بكل كانت كلها موحدة وتمارس في وقت واحد ولم تتعرض تلك المجتمعات لضغوط المدنية الحديثة ولا وسائل الإعلام ولهذا لم تعرف مشكلة الصراع في تكوين الهوية فهويتهم كلهم واحدة يشتركون فيها ولا يشذ عنها أحد ولو حدث ذلك فإن المجتمع يمارس قوانين ضبط لتعيده للتوافق مع مجتمعه.
ومن هنا يتضح لنا عدة أمور في الإجابة وهي:
1- المجتمع كله متضامن و متفق على هوية واحدة ومصدر التلقي لديه واحد.
2- كل فرد يشعر بقيمته وأنه يؤدي وظيفة في الحياة من خلال مشاركته العمل والإنتاج مهما كان بسيطاً.
3- لم تتعرض تلك المجتمعات لضغوط الحضارة المدنية المعاصرة.
4- مؤسسات المجتمع كلها مجتمعة ولا يوجد فصل بين مؤسسات التربية عن الأسرة ويشتركون في النمط الاقتصادي.
أما في عصرنا الحاضر فإن مشكلة البحث عن الذات تُعدّ من أهم المشكلات التي قد يمر بها الشاب في ظل التغيرات التي تصحب مراحل نموه وتكوين نظرته للحياة مع الصراع بين ما يتعلمه من مبادئ وأخلاق وبين ما يواجهه في واقع الحياة وهذا قد يتطور لدى البعض ليصبح صراعاً يحتدم في نفسه ويبقى سنوات حتى يستطيع أن يتجاوزه خاصة إذا افتقد التنشئة الصحيحة ولم يُوفق بقدوة عملية تمثل مبادئ الإسلام ليراها واقعاً يمكن أن يعيشه.
وقد يتطور بفعل ضغط الإعلام لأزمة هوية وهي ضمن المشكلات المصنفة نفسياً التي يقوم التوجيه والإرشاد النفسي بوضع طرق لعلاجها وتجاوزها.
فما هي الأسباب التي جعلت هذه المشكلة الصغيرة التي يمر بها الشاب تتحول إلى أزمة،هنالك عدد من الأسباب من وجهة نظري يمكن أن نستخلص شيئاً منها من المظاهر السابقة مثل:
1- ضعف التربية الإيمانية وعدم معرفة كثير من النشء للتصور الإسلامي للحياة والوجود.
2- طبيعة تكوين النفس الإنسانية وعوامل الصراع مع الشيطان.
3- تأخر الأسرة عن القيام بدورها المنوط بها في تكوين شخصية أبنائها.
4- عجز المدرسة والمؤسسات التربوية في شكلها المعاصرعن إشباع حاجات النمو التي تهيئ التوازن لعناصر الشخصية.
5- عدم شعور الشباب بقيمتهم وأهميتهم في الحياة وتعطيل دورهم عن المشاركة في المسئولية حتى ينتهوا من التعليم الجامعي.
6- قوة الزخم الإعلامي وما يروجه من أنماط جديدة للحياة.
7- ضغط العولمة على المجتمعات النامية.
8- سرعة التحولات الاقتصادية.
9- ظهور اقتصاد المعرفة.
10- سيطرة الشركات العالمية العابرة للقارات وممارستها الضغط على شعوب العالم.
11- عجز العالم العربي عن المنافسة وتشتته وعدم اجتماع كلمته.
12- انتشار الترف في بعض المجتمعات.
13- تدني مستوى المعيشة وزيادة الفقر في مجتمعات أخرى.
14- ارتفاع مستوى البطالة لدى الشباب بنوعيها الحقيقية والمقنعة.
15- انتشار التقنية ووسائل التواصل الاجتماعي وسهولة الانفتاح على الآخرين وهذا التبادل الثقافي سلاح ذو حدين.
16- عجز كبار السن ومؤسسات التعليم في العالم العربي عن مواكبة التغيرات التقنية السريعة وظهور لغة جديدة لدى الشباب ومصطلحات يومية لا يستوعبها الكبار.
17- ظهور وسائل جديدة وسريعة للشهرة.
18- تحقيق بعض الشباب مصادر دخل والإثراء السريع من العمل في التقنية فتح باباً جديداً للطامحين وما قد يصاحب ذلك من إشكالات شرعية واجتماعية.
تكوين الهوية فطرة أم صراع نفسي أم أزمة حضارية:
يقول أحد علماء النفس المسلمين المعاصرين: ( إن المراهقة ليست بالضرورة مرحلة أزمة وعاصفة، إنها تتحول إلى عاصفة وشدّة إذا أراد لها المجتمع ذلك )[21].
وفي كتاب أشهر خمسين خرافة في علم النفس سجل المؤلفون الخرافة رقم 7 تحت عنوان: (المراهقة هي حتماً مرحلة اضطراب نفسي). وعزا هذا الفهم الخاطئ إلى ما أسماه علم النفس الشعبي الذي تتناوله الكتب التجارية والأفلام التي تعزف على السلوك الشاذ يقول في معرض هذا: ( ولأن الكتب والأفلام تركز على حكايات المراهقين المضطربين أكثر بكثير من تركيزها على المراهقين الأسوياء إذ أنه من غير المحتمل أن يصنع فيلم من أفلام هوليوود يتحدث عن مراهق سوي تماماً قصة مشوقة، ناهيك عن أن يحقق إيرادات ضخمة..).
(وقد ذكر بعض الباحثين أن مدرسة التحليل النفسي كانت سبباً في شيوع هذا الفهم لدفع المراهقين إلى وحل الجنس وتبعتها المدرسة السلوكية في مرحلة تالية.
إن الأدلة تتوافر على أن الكُتاب بالغوا في كثرة أزمات الهوية وخطورتها بين الشباب.كما قاله جمع من الباحثين النفسيين في جامعة هارفرد وجامعة كالفورنيا وجامعة كلورادو..
ولذلك توصل بعض الباحثين المسلمين إلى أن أزمة الهوية المنتشرة إنما هي أزمة المراهق الأمريكي في الدرجة الأولى.. تنتقل إلينا عبر وسائل العولمة والضخ الإعلامي وللأسف عبر بعض المختصين الذين لا يحسنون سوى النقل عن الدراسات الأمريكية..) [22].
ولهذا أؤكد في هذه الورقة على أن مشكلات تكوين الهوية لدى الشباب هي مشكلات صراع حضاري قبل أن تكون صراعاً نفسياً وكلما كان المجتمع ذا مناعة أكبر كلما قلت معاناة الشاب في أثناء رسمه لملامح شخصيته وتكوين هويته.
ومما يؤكد أهمية تكوين الهوية أن عدّها بعض علماء النفس ضمن الدوافع النفسية بل ذهب بعضهم مثل إيرك فروم إلى القول بأن بعض الدوافع النفسية والتي يسميها فروم الحاجات النفسية مثل الحاجة إلى الانتماء والحاجة إلى السمو والحاجة إلى هوية والحاجة إلى إطار للتوجيه هي حاجات فطرية أساسية في طبيعة الإنسان وهي ليست مكتسبة من المجتمع...) [23].
العلاج:
حين تناولت أسباب صراع تكوين الهوية فقد حاولت أن أفرق بين أقسامها إذ أن منها ما يتعلق بالمجتمع والصراع الحضاري وأثر العولمة ومنها ما يتعلق بالأسرة ومنها ما يتعلق بالشاب نفسه و ما يتعلق بالجانب الغيبي من خبايا النفس وأثر الشيطان على سلوك الإنسان.
وهنا سأحاول أن أقيد ما ظهر لي من وسائل العلاج وفق نفس الأقسام كالتالي:
أولاً: وسائل العلاج على مستوى المؤسسات المجتمعية:
بدأت هنا في وسائل العلاج بالجانب الاجتماعي المؤسسي قبل الجانب الفردي للتذكير بواجبات مؤسسات المجتمع في الحياة المدنية الحديثة كما أود أن أذكر بضرورة العناية ببناء التصور الإسلامي الصحيح لدى النشء حول الإنسان والحياة والكون لأن هذا يختصر كثيراً من جهود العلاج المعرفي.كما يجب أن نعتني بوسائل التالية التي تسهم في علاج ظاهرة صراع الهوية وبعضها يمنع حدوثها من الأصل:
1- العناية بالتنشئة الاجتماعية كهدف استراتيجي للمجتمع: إن التنشئة الاجتماعية التي لا تكتمل معها الشخصية ولا تتكون فيها الهوية بشكل صحيح ولا يتم بناء تقدير الذات فيها بطريقة متزنة تعني ظهور جيل ضعيف لا يعتمد عليه. ولهذا فإن التخطيط للتنشئة الاجتماعية الصحيحة يجب أن يكون إحدى اهتمامات التخطيط الاستراتيجي للمجتمعات لأنه سيوفر عليها الكثير في الجوانب الأمنية وجوانب الرعاية الصحية وبناء المجتمع المنسجم.والتخطيط للتنشئة الاجتماعية الصحيحة لابد أن يشمل كل المؤسسات المؤثرة فيها وعلى رأسها الأسرة والمدرسة والإعلام والمساجد لتسير جميعها في خطة متوازنة يخدم بعضها بعضاً ويتمثل فيها مبدأ الجسد الواحد.كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ترى المؤمنينَ: في تراحُمِهم، وتوادِّهم، وتعاطُفِهم، كمثلِ الجسدِ، إذا اشتَكى عضوًا، تداعى لَه سائرُ جسدِه بالسَّهرِ والحمَّى) رواه البخاري.. فهل يمكن في العصر الحديث أن يصبح المجتمع كالجسد الواحد دون تخطيط استراتيجي؟
2- تفعيل دور التعليم: إن غياب التعليم العام والعالي عن دوره في عملية التنشئة الاجتماعية واقتصاره على التلقين والتركيز على الجوانب المعرفية فقط دون اهتمام بحاجات النمو ومطالبه في الجوانب الأخرى.فلا يوجد في مؤسسات التعليم بناء قيمي وإيماني عملي ولا سلوكي، نعم هنالك اهتمام بالقيم في الجانب المعرفي لكن أثره ينتهي بمجرد خروج الطلاب من قاعة الامتحان.وهنا يعجبني أن أستعرض تجربة حية قام بها أحد الصالحين وعرض دواعيها بنَفَسِ المسلم الصالح الحريص على جعل مؤسسات التعليم تتجاوب مع أهداف الحياة بشكل متناسق في كتاب "بعنوان لماذا نتعلم؟"[24]. وأنا أدعو المسئولين عن التعليم إلى الاطلاع على تجربته وهي حية تشع بالأمل وتُسخر نمط الحياة المدنية المعاصرة لخدمة عمارة الأرض.
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|