عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 11-03-2021, 05:35 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,582
الدولة : Egypt
افتراضي رد: روائع وصايا الآباء لمؤدِّبي أبنائهم ومعلميهم

الحلقة الثانية من

وصية عبد الملك بن مَرْوَانَ للإمام الشعبي معلم أولاده

من روائع وصايا الآباء لمؤدبي أبنائهم ومعلميهم (2)


وائل حافظ خلف


لأمير المؤمنين عبد الملك بن مروان وصايا سَنية لبنيه، قد وقع شيء منها في كتابنا "من روائع وصايا الآباء للأبناء"، فهي به أزكى وأليق، لكن الذي إليه المقصد هنا ذكر وصاته لمعلم ولده...

فقد قال عبد الملك للإمام عامر بن شَرَاحِيلَ الشَّعْبِيِّ حين أخذ بتعليم ولده:
"علِّمْهم الصدقَ كما تعلمهم القرآن.
وجنِّبْهم السَّفِلَةَ[1] فإنهم أسوأ الناس رِعَةً[2] وأقلُّهم أدبًا؛ وجنِّبْهم الحشمَ فإنهم لهم مفسدة.

وأَحْفِ شعورَهم تَغْلُظْ رقابُهم[3]؛ وأَطْعِمْهُمُ اللحمَ يَقْوَوْا [تصحَّ عقولُهم وتشتدَّ قلوبُهم وتصقل رؤوسهم].

وعلمهم الشِّعر يَمْجُدُوا ويَنْجُدوا.

ومُرْهُم أن يستاكوا عَرْضًا[4]، ويَمُصُّوا الماء مَصًّا، ولا يَعُبُّوه عَبًّا[5].

وإذا احتجت إلى أن تتناولهم بأدب فليكن ذلك في ستر لا يعلم به أحد من الغاشية[6] فيهونوا عليهم".

[ذكرها ابن قُتَيْبَةَ الدينوري - ما خلا ما بين المعقوفين فهو لمن بعده - في "عيون الأخبار" (ج2/ص167) ط/ دار الكتب المصرية، والزمخشري في "ربيع الأبرار" (ج1/ص425-426)، وأبو المعالي ابنُ حَمْدُونَ في "التذكرة" (ج3/ص339-340) رقم (997).

وبعضها أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (873)، وابن أبي الدنيا في كتاب "العيال" (339)، والخرائطي في "مكارم الأخلاق"، ومن طريقه الحافظ ابن عساكر في "تاريخ مدينة دمشق" (ج37/ص148) ط/ دار الفكر، وعندهم من الزيادة:
"وجالس بهم علية الرجال يناقضوهم الكلام".

والوصية ساقها الإمام ابن عبد البر في "بهجة المجالس"[7]، مطولة من غير تسمية، وفيها قال عبد الملك بن مروان لمؤدب بنيه:
"إنه واللهِ، ما يخفى عليّ ما تعلمهم وتلقيه إليهم، فاحفظ عني ما أوصيك به:
علِّمْهم الصدق كما تعلمهم القرآن.

واحملهم على الأخلاق الجميلة.

وروِّهم الشِّعر يسمحوا ويمجدوا ويَنْجُدوا، وجنبهم شعر عروة بن الورد؛ فإنه يحمل على البخل [8]...

ووَقِّرْهم في العلانية، وذَلِّلْهم في السر.

واضربهم على الكذب كما تضربهم على القرآن؛ فإن الكذب يدعو إلى الفجور، والفجور يدعو إلى النار.

وجنبهم شتم أعراض الرجال، فإن الحر لا يجد من عِرْضه عِوَضًا.

وإذا وَلُوا أمرًا فامنعهم من ضرب الأبشار، فإنه على صاحبه عارٌ باقٍ ووَِتْرٌ[9] مطلوب.

واحثثهم على صلة الرحم.

واعلم أن الأدب أولى بالغلام من النسب".

يتبع إنِ اللهُ شاء.


[1] السَّفِلَة من الناس والسِّفْلَة: أسافلهم وغوغاؤهم.

[2] الرِّعَة: الشأن والحال والأدب والهَدْي، يقال: فلان حسن الرعة وفلان سيِّئُ الرعة. وكذلك: الرعية.

[3] عند الزمخشري: "ذَنوبهم". وفي بعض الأسفار: "حَسِّن شعورهم".

[4] أي: في عرض الأسنان، ظاهرها وباطنها، فيكره طولاً؛ لأنه يجرح اللثة. قاله المناوي.

[5] ورد في هذا المعنى عدة أحاديثَ، لا يصح منها شيء. انظر "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة" للشيخ ناصر الدين 940، 941، 1428، 2323، 2571.

[6] الغاشية: السُّؤَّال الذين يغشونك يرجون فضلك ومعروفك. وغاشية الرجل: مَن ينتابه من زُوَّاره وأصدقائه. قاله في "اللسان".
ووقع في نسخة من المطبوع من "التذكرة": "من الحاشية".

[7] وكذا الأمير أسامة بن منقذ في "لباب الآداب" ص230، وزعم أن المؤدب رجل من بني زُهْرَةَ!

[8] مع أن عبد الملك كان حسن الرأي في عروة وشعره، بل هو يقدمه في الجود على حاتم، حيث قال: "من زعم أن حاتمًا أسمح الناس فقد ظلم عروة بن الورد"!
ومن هذا الباب وليس منه ما رواه أبو الفرج الأصفهاني في ترجمة عروة من "الأغاني" بسنده عن معن بن عيسى قال: سمعت أن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال لمعلم ولده:
لا تروِّهم قصيدة عروة بن الورد التي يقول فيها:
دعيني للغنى أسعى فإني
رأيت الناس شرهم الفقير

ويقول: "إن هذا يدعوهم إلى الاغتراب عن أوطانهم". انتهى.
وإن أنت أردت نموذجًا من الشعر الذي أحب عبد الملك أن يرويه بنوه فانظر ترجمة العُجَيْر السَّلُولي من "الأغاني" ج13/ص75 ط/ دار الكتب المصرية.
هذا، وقد وروى أبو زيد القرشي في "جمهرة أشعار العرب" ص81 بسنده عن الشعبي قال: قال عبد الملك لمؤدب أولاده: "أدِّبْهم برواية شعر الأعشى؛ فإن له عذوبةً يدلهم على محاسن الكلام؛ قاتله الله! ما أَعْذَبَ بحرَه، وأصلَبَ صخْرَه!".

[9] الوتر- بفتح الواو وكسرها: الثأر.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 22.24 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 21.61 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.82%)]