
10-03-2021, 03:27 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,781
الدولة :
|
|
رد: رسالة الشعر عند إسماعيل زويريق من خلال ديوان "على النهج"
2- الوظيفة التاريخيَّة:
التاريخ سِجِلُّ الأمة الحافل، الذي يمدها بالنسغ الضروري لاستمرار الحياة، والنبع الفياض الذي تَرْتَوي منه، حين تجف هذه الحياة مِن بوادر النُّصرة، وبَوَارق اليقظة، وتستحيل إلى انتكاسات وارتكاسات، إنه الزاد الخلفي، الذي تفزع إليه حين تنقلب الشخصية الإسلامية المتوازنة، إلى منبهرة بِبَريق الحضارة الغربية، سادية في أوهادِ تقليد الوافد، والاحتفاء بالغريب.
إن الشاعر المُقْتدر مَن يستطيع أن يجعلَ الوقائع التاريخيَّة تَتَحَرَّك أمام أعيننا، يحيل المتلقي إلى منفعل بالحدث، كأنما يعيشه من جديد، إنَّ الشاعر الحقيقي مَن يَقْدر على استدعاء لَحَظات السموق والصعود في تاريخ الأمة، فيُذَكِّرها بأمجادها وبطولاتها، وأفذاذها الذين حققوا الانتصارات الكبرى، ليزرع فيهم روح الإكبار لهم، والإعظام لِمَواقِفهم، عسى أن تتحركَ النفوس، وتتيقظ العزائم ،على حد قول "محمود غنيم":
مَاضٍ نَعِيشُ عَلَى أَنْقَاضِهِ أُمَمًا وَنَسْتَمِدُّ القُوَى مِنْ وَحْي ذِكْرَاهُ[65]
وكما يستدعي الشَّاعر لَحَظات السموق والرِّفعة، يستدعي - أيضًا - لَحَظات الهُبُوط والنكوص، رجاء تلافِي أسبابها، وبغية بناء النُّفوس مِن جديد.
وليس القصد أن يَعْتَقِلَنا الماضي، أو أن نقبعَ في ردهاته، فهذا لا يزيد عن كَوْنه مسكنًا ظَرْفيًّا، ما يلبث أن ينقشعَ عنِ الحقيقة المُرَّة، والواقع المُتَرَدِّي، إنَّما القَصْد اسْتِلْهام الشُّحنات الإيجابيَّة، الكَفِيلة بِضَخ دماء جديدة في عُرُوق هذه الأمة؛ لتنتفض من جديد، وتنهض للبِناء.
وهنا يكمُن الفرق الدَّقيق بين المؤرخ الذي يسرد التَّجربة، وينقل تفاصيلها، وبين الفَنَّان الذي يَتَمَثَّل التَّجربة، ويحياها مِن جديد، ويعبِّر عنها بِطَريقته الوجدانيَّة المُؤَثِّرة، فيكون المتلقي أكثر انجذابًا لها، وانفعالاً بِلَحظاتها، وهذا ما انْتَهَجَه شاعرنا في دِيوانه، وبِخَاصة في ملحمتِه الهمزيَّة، التي تعانق فيها الزمان بِفَسيح المكان، أو ما يمكن أن نصطلحَ عليه "بِبَلاغة المكان"، بما لم يُسْبَق إليه، بِحَسب علمي.
إنَّ مدح النبي - صلى الله عليه وسلم - هنا لَمْ يقتصرْ على سَرْد حياته، وذِكْر أَوْصَافه، وبيان أخْلاقِه، وذِكر مُعجزاته، ووَصْف غزواته، كما هو دَيْدن شُعراء المديح بعامَّة؛ بل تَجَاوَزه إلى نَقْل رحلة مُفَصلة، يعتبر المديح النبوي عمودها الفقري.
انظر إليه يمزج بين بلاغة المكان "المدينة النبويَّة"، ومحور المكان "النبي" - صلى الله عليه وسلم - والتَّعبير عنِ المكان "الشعر":
كُلُّ مَا فِيكَ لِلْمَدِيحِ ازْدَجَانِي أَيْنَ يَا نَفْسُ أَيْنَ ذاك الإِيحَاءُ؟
فَلَقَدْ أَلْفَيْتُ المُقَامَ عَلَى سَهْ لٍ فَمَا فِي زِيَارَتِي لَأْوَاءُ
كُلُّ مَا فِيكَ شَاهِدٌ أَنَّهُ خَيْ رُ رَسُولٍ يَا طَيْبَةُ الزَّهْرَاءُ
هَا أَنَا يَا مَدِينَةَ المُصْطَفَى بَِيْ نَ مَغَانِيكِ شَاعِرٌ مُهْدَاءُ
لَيَسْ عِنْدِي إِلاَّ القَصَائِدُ تُمْلِي هَا عَلَى أَسْمَاعِ الوَرَى حَوْبَاءُ[66]
إنَّ جمال المدينة النبويَّة، يقبس مِن جمال صاحبها - صلى الله عليه وسلم - الذي ملك على الشاعر كِيانَه، حتى رأى كل مُتَعلِّق به جميلاً، فالمقام سهل، والزيارة خالية مِنَ النصب، وكلُّ هذا دليلٌ على صِدْق صاحبِ الرِّسالة وخيريته، عندها لَمْ يملكْ نفسَه حتى امْتَطَى إِزْمِيلَه، وتنسم شعره، وحَكَّ قريحته مادحًا مُقِرًّا.
وهو حين يقف عند جبل أُحُد، لا يجعل منه مُجَرَّد مكان للمعركة، يصف أحداثها ونتائجها؛ بل جعل ذلك مناسبة لِرَبط الماضي بالحاضر، وبيان الحالة النفسية التى يكون عليها الأعداء في كل زمان ومكان، يقول:
مَا انْطَوَى المُشْرِكُونَ إِلاَّ عَلَى غِلْ لٍ مُهِيجٍ لَمْ يَشْفِهِ إِغْضَاءُ[67]
هذه حَقِيقتهم، وهذا واقِعهم الذي لا يَتَغَيَّر: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً}[68].
أحقاد وتارات وانتقام:
دَمُ قَتْلَى بَدْرٍ طَلِيفٌ[69] إِذَا لَمْ تُطْفِئ الثَّأْرَ غَارَةٌ سَحَّاءُ[70]
ولقد صدق شاعرنا - والله - ليست الهجمة الصَّليبية على بلاد المسلمين في زماننا، إلا ثأرًا من انتصارات المسلمين، الذين لم يكنْ هدفُهم الاستعمار - كما هو شأن أعدائهم - وإنَّما نَشْر هداية الإسلام، وتبليغِ كلمة الله، وحين انْهَزَمَتْ قريش في بدر، لم يقر لها قرارٌ، ولم يغمض لها جفنٌ، حتى هَبَّتْ لِقِتال المسلمينَ في أُحُد:
فَاسْتَهَبَّتْ قُرَيْشُ كُلَّ حَلِيفٍ وَاسْتَهَجَّتْ[71] ظَهِيرُهَا البَوْغَاءُ[72]
خَمَّنَتْ فِي الحَرْبِ العَوَانِ شَبُوبَا يُخْمِدُ الضِّغْنَ نَارُهُ الحَمْرَاءُ
فَاسْتَقَادَتْ لَهَا الجُمُوعُ فَلِلْزَحْ فِ سُعَارٌ وَلِلْوَحَى[73] إْذَكَاءُ[74]
ولم يَكتفِ شاعرُنَا بِنَقْل الحالة النَّفسيَّة للأعداء، وما يضمرونه مِنْ كَيد ومَكْر، حتى قابل ذلك بما كان عليه المسلمون من حالة دفاعيَّة مستوفزة، لا يقض مَضْجَعها عدد الخُصُوم ولا عُدتهم، فالنتيجة واحدة، نصر أو شهادة:
وَإِذَا الحُبُّ فِي الجِهَادِ تَأَوَّى مُؤْمِنًا هَانَتْ فِي الوَغَى الحَوْبَاءُ
فِي رِضَا اللهِ هَانَ كُلُّ عَزِيزٍ هَانَتِ الرُّوحُ هَانَتِ الأَبْنَاءُ
غَايَةُ المُؤْمِنينَ نَصْرٌ لِدِينِ اللَّهِ والنَّصْرُ عِزَّةٌ شَمَّاءُ[75]
وهكذا نجد الشاعر يستنطق التاريخ، ويُجْلي أحداثَه، ويقرأ ما وراءه، ويُقَرر الاستنتاجات، وهيَ القِراءة الإيجابيَّة، التي لا ترضى بالسَّرد، حتى تجعل منَ الحدث صورة ناطقة، تعج جوانبها بالحياة، وتهتز أعطافها بالدَّلالات، وتفصح مكنوناتها عنِ الدروس والعِبَر.
3- الوظيفة النفسيَّة:
الشِّعر الحقيقي ما كان نتيجة لِتَجربة شعوريَّة صادِقة، مُنبثقة عن تَوَتُّر نفسي مُتَأجج، تحرِّكه خلجات النفس، وانفعالها بِمَشهد معين، ولَعَلَّ هذا التَّوَتُّر النفسي أضحى في زماننا أكثر وهجًا، وأعظم تأججًا، فالشاعر الرِّسالي المعاصر، يؤلِمه ما يرى عليه مجتمعه من سُلُوكات وأخلاق، تَتَنَافَى مع عقيدته ومبادئه، فتراه غير راضٍ ولا مطمئنٍّ، تحز في نفسه هذه المشاهد المُؤْلِمة، وتؤرّقه هذه المظاهر السَّقيمة، حتى"أصبح فريسةَ ضغوطٍ هائلة لا تُطَاق، تَنْصَبُّ عليه مِن كُلِّ مكان"[76].
ودور هذا الشاعر المُبْدِع، يكمن في تطهير القلوبِ منَ الاضطراب، والتَّخْفيف منَ العناء، وإعادة الأمل والطمأنينة إلى النفوس، "إن صوت الأدب ينطلق هنا؛ لكي يُؤَدِّي وظيفة نفسيَّة ليست كالوظائف، إن تحليل معاناة المسلم، وتفكيك عقدها، وفك ارتباطاتها المُؤْلِمة في طبقات نَفْسه العميقة، قد يعينه على تحويل هذه الآلام والعذابات إلى طاقة إبداعيَّة"[77]، فيستحيل الشِّعر أداة تنفيس وتفجير لتلك الأحاسيس والزفرات، ويصير بلسمًا ناجعًا، يجد فيه المُتَطَبِّب حاجته النَّفسية، فيُدخل عليه السُّرور، ويُعيد إليه الأمل.
لقدِ استطاع الشاعر "إسماعيل زويريق"، أن يحقِّقَ هذه الوظيفة على مستويينِ: الشخصي والإنساني:
1- أمَّا على المستوى الشخصي، فقد وجدناه منفعلاً بِالحَدث الذي ساق له قصائد الدِّيوان، وهو حُبُّه لِرَسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشدة شوقه لِزِيارته، وزيارة البِقاع التي عليها آثاره وبَصَماته، لِنَسْتمع إليه يقول:
شَوْقِي إِلَيْكَ رَسُولَ اللهِ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ وَلاَ لِرَجَائِي فِيكَ تَمْثِيلُ
لَكِنَّنِي وَيَدِي مِنْ عَسْرَةٍ ضَمُرَتْ أَنَا بِمُرَّاكِشَ الحَمْرَاءِ مَغْلُولُ
جِسْمِي هُنَا بَيْنَ أَغْرَاسِ النَّخِيلِ بِلاَ عَقْلٍ فَعَقْلِي إِلَى الزَّهْرَاءِ مَنْقُولُ
أَنَا هُنَا وَرِحَابُ القَلْبِ طَائِرُهَا لَهُ عَلَى القُبَّةِ الخَضْرَاءِ تَهْدِيلُ
وَكُلَّمَا ذَرَّ مِن شَمْسِ الشُّرُوقِ عَلَى رَبْعِي سَنًى شَبَّ فِي جَنْبَيَّ شُعْلُولُ[78]
ومع سُؤَاله إزاحةَ العَقَابيل الحاجزة دون بلوغ هذه المنيَّة، يواجهنا هنا التَّنازع النَّفسي منذ مطلع القصيدة الأولى في الديوان:
بَانَتْ سُعَادُ فَمَا لِلْحُزْنِ تَمْهِيلُ الدَّمْعُ مُنْسَجِلٌ وَالجِسْمُ مَهْزُولُ[79]
ليست هذه حالةَ المُغْرم الوَلْهان، الذي تَعَلَّقَ قلبُه بِغَانية سرعان ما تذوب لَذَّتها، وتنصهر متعة ذكراها ولقياها، إنَّها حالة منَ التَّعَلُّق الحقيقي بِسَيد البشر، مبلغ الهداية المُهداة، مخرج الناس من دَياجِير المادة الفانية، إلى إشراقاتِ الرُّوح العالية، إلى الانعتاق مِن ثقل اللَّذة الدنيويَّة العابرة، لذلك كان طبعيًّا أن يجأر شاعرنا بهذا التَّعَلُّق، الذي لا يحسه إلاَّ صادق الأعطاف، نبيل الإحساس.
لقد اتَّخَذ الشاعر غرض المديح وسيلة لاعترافات هذه النفس الجانية، ومحطة لِسَكب العَبَرات، وبثّ الزَّفرات على التَّفريط في وقت البِذار، وتَكَرَّر هذا معه في أكثر مِن موضع في الديوان بِجُزْأَيْه؛ بل لا أبعد النُّجعة إنْ زعمت أنَّ الديوان بِرُمته تنفيسٌ عما يجيش في نفس الشاعر، وما اقْتَرَفه من ذُنوب وخطايا، ليس من سبيل إلى محوها إلاَّ بِهَذه الرحلة إلى مكَّة والمدينة؛ للانبطاح بين يدي الله – تعالى - ورفع شكاة هذه النفس اللَّوَّامة، وأكثر ما جاء هذا البَوح في الميميَّة، ومنها قوله:
أَسْتَغْفِرُ اللهَ إِنْ أَمْسَى يُخَالِجُنِي لَمْ آتِ يَوْمًا بِمَا يَدْعُو علَى الوَجِمِ
لَيْسَ البُكَاءُ عَلَى مَا فَاتَ يُنْقِذُنِي وَلاَ التَّنَدُّمُ يُغْنِينِي عَنِ البَرَمِ
فَمَا نَهَانِي الذِي أَمْضَيْتُ مِنْ عُمُرِي وَلاَ اكْتَهَيْتُ[80] بَيَاضًا شَبَّ في لِمَمِي
إِنَّ المَعَاصِي وَإِنْ دَقَّتْ صَغَائِرُهَا هِيَ الطَّرِيقُ بِلاَ رَيْبٍ إِلَى الحَدَمِ[81]
صَرَفْتُ عُمُرِيَ فِيمَا لَيْسَ يَنْفَعُنِي فَمُنْتَهَى أَرَبِي مَا لَيْسَ بِالأَمَمِ
فَكَيْفَ أَلْقَاكَ يَا رَبَّ الوُجُودِ وَبِي مِنَ التَّخَوُّفِ مَا يَرْبُو عَلَى أَكَمِ[82]
وازْدَادَ هذا الإحساس تأجُّجًا، حين يَتَأَمَّل الشاعر سنينه السِّتين، وقد انْفَرط عِقدها، وزال رواؤها، دون أن يحفل سجله بأعمال مرضية، وأقوال منَ الجنة مُدنية:
سِتُّونَ عَامًا مَضَتْ وَالنَّفْسُ مُدْمِنَةٌ عَلَى ارْتِيَادِ مَغَانِي الذَّنْبِ وَالشَّجَمِ[83]
فَمَا اقْتَدَرْتُ عَلَى تَجْفِيلِ طَائِرِهَا عَنْ وِرْدِه لاَ وَلَمْ أَعذِلْهُ أَوْ أَلُمِ[84]
وهنا تَتَزَاحم العواطف، ويشتد التنازع النَّفسي، حين يعترض التَّعَلُّق بالرَّسول الكريم، التعلق بالزَّوجة الباكية لِفِراق زوجها، في رحلة أَلِف الناس أن يُوَدعوا فيها الأقارب والأصدقاء، خوفًا مِن صعوبات السفر، واغتلاث الحين، وصَوَارف الدَّهر، إنه "تجاذُبٌ شعوري بِقُوى ضاغطة متكافئة، المرء قد يستجيب لِشُعور فيغلبه شعور آخر"[85]، غير أنَّ شاعرنا يقف من هذا التنازع موقفًا صارمًا، ويقدم حب الرسول - صلى الله عليه وسلم - على رغبة الزَّوجة، مما عظُم معه إحساسُها الدَّفين بِصُعوبة الفراق، وبوحُها بالمعاناة.
فلنستمع إلى هذا الحوار العاطفي الرَّقيق، ولنرَ كيف واجَه الشاعر الضُّغوط النفسيَّة القويَّة في مثل هذا الموقف الصَّعب، وكيف تخلص مِن لَحَظات الفراق المَمْزوج بالعبرات والأنَّات:
كُفِّي عَنِ اللَّومِ مَا لِلَّوْمِ مُتَّسَعٌ فَالدَّهْرُ وَغْدٌ عَلَى التَّشْتَيتِ مَجْبُولُ
دَعِي الكَلاَمَ فَرَيْبُ الدَّهْرِ أَقْعَدَنِي وَسَيْفُهُ مُصْمَتُ الحَدَّيْنِ مَسْلُولُ
فَلاَ الكَلاَمُ يُفِيدُ المُشْتَفِي بِكِ أَوْ يُفِيدُ فِي شَرْحِ مَا يَعْتَادُنِي طُولُ
فَقَصِّرِي لاَ أَرَاكِ اليومَ مُدْرِكةً مَهْمَا فَعَلْتِ لِأَنِّي عَنْكِ مَشْغُولُ
إِنَّ الذِي عَنْكِ شَدَّتْنِي شَمَائِلُهُ مُكَرَّمٌ بِذُرَى العَلْيَاءِ مَنْزُولُ
فَكَفْكَفَتْ دَمْعَهَا وَالدَّمْعُ رَائِدُ مَا تُخْفِي الخَوَافِقُ بِالأَسْرَارِ مَحْمُولُ
وَأَرْسَلَتْ آهَةً حَرَّى مُكَسَّرَةً كَأَنَّهَا فِي شَغَافِ القَلْبِ إِزْمِيلُ[86]
لم يدعِ الشاعرُ للنَّفس مجالاً للتَّرَدُّد، ولا سبيلاً إلى التَّأَنِّي في الاختيار، ولم تَتَقَاذفه الخواطر، ويَتهْ به شُبوب العواطف، وتَتَأَرجح به المشاعر، فاللَّوم في هذا المهيع لا يفيد، والدموع لا تقوى على التَّأثير.
غير أنه حسم لم ينبع عن تَسَلُّط واستبداد؛ بل كان مبنيًّا على مسوغات معقولة، استمد أسبابها من نبل الغاية، وشرف القصد؛ فالذي نازع في حب الزَّوجة، وتفضيل الركون إلى رغبتها، هو الرسول الكريم سيد البشر، صاحب الشمائل العليَّة، والصفات السنيَّة.
وهذا الموقف يذكرنا بِمَوقف النابغة الجعدي، الذي عزم على التَّوَجُّه للجهاد، فاعترضتْه زوجته باكية متضرعة، ساعية في إقعاده عن الخروج، غير أنه يعتذر بأن كتاب الله أخرجه، ولا مناص منَ الاستجابة، يقول:
بَاتَتْ تُذَكِّرُني بِاللهِ قاعِدَةً والدَّمْعُ ينْهَلُّ مِنْ شَأْنَيْهِمَا سَبَلاَ
يا بِنْتَ عَمِّي كِتَابُ اللهِ أَخْرَجَنِي كُرْهًا وَهَلْ أَمْنَعَنَّ اللهَ مَا فَعَلاَ
فَإِنْ رَجَعْتُ فَرَبُّ النَّاسِ يُرْجِعُنِي وَإِنْ لَحِقْتُ بِرَبِّي فابْتَغِي بَدَلاَ
ما كُنْتُ أَعْرَجُ أَوْ أَعْمَى فَيَعْذِرَنِي أَو ضارِعًا مِنْ ضَنًى لم يَسْتَطِعُ حِوَلاَ[87]
2- أمَّا على المستوى الإنساني، فقد جعل الشاعر "النَّفس" قضيَّة الناس المحوريَّة، وجعل تجربته مثالاً لِمَا يُعانِيه الكثير، ممن ذهلوا عن الآخرة، وقصَروا اهتمامهم على الدنيا، إنها وقفة محاسبة الذَّات، وطَرْد الغَفْلة، ومواجهة الرين الذي يفسد على الناس حياتهم، تمر الأعمار يمحو الليلُ النهار، والنفس الحية المتيقظة، هي التي يؤرقها مرور الأيام، واقتراب الأجل، ونذير الشيب، فكيف إذا اجتمع مع كل ذلك قلة الزاد، وطول السفر؟
قَدْ أَوْشَمَ الشَّيْبُ فِي رَأْسِي وَمَا اتَّخَذَتْ نَفْسِي مِنَ الزَّادِ مَا يَحْتَاجُ ذُو أَثِمِ[88]
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|