
10-03-2021, 03:27 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,812
الدولة :
|
|
رد: رسالة الشعر عند إسماعيل زويريق من خلال ديوان "على النهج"
رسالة الشعر عند إسماعيل زويريق من خلال ديوان "على النهج"
د. محمد ويلالي
1- الوظيفة العقديَّة:
وهي أم الوظائف الأخرى، والغاية الظاهرة والمستبطنة، التي يَتَوَخَّاها الشاعر الرِّسالي، الذي يجعل من موهبته أداة لإمتاع القارئ من جهة، ونفعه من جهة أخرى، ولهذا اتخذ الرسول - صلى الله عليه وسلم - مجموعة منَ الشعراء، لا لِيَتَمايل الناسُ على إيقاع شعرِهم، ويتيهون في غمرات الخَدَر والتَّهَوُّك؛ ولكن للدِّفاع عن العقيدة، وتحصين النَّفس البشريَّة منَ الوقوع في مَهاوِي الرَّذيلة، والسُّمو بها لِمُعانقة المعاني الجميلة، المُعَبِّرة عن حقيقة الكون، وجمال الحياة، وإشْراقات الإنسان.
وحينما انتدب الرَّسول الكريم "حَسَّان بن ثابت"، لِيُبارز المُناوِئين بِسِلاحهم، قال له: "إنَّ روح القدس لا يزال يُؤَيّدك ما نافحت عن رسول الله"[41].
والغريبُ أنَّ دُعاة فصل الشَّكل عنِ المضمون، والاقتصار في الجمال على اللَّفظ والسبك دون المعاني، لم يفطنوا إلى أنَّ الشعر إنما نشأ في ظل العقيدة، التي كانت النسغ الأول في قيامه؛ بل لا يمكن أن نَتَصَوَّر أن "يعيش الأدب منضوح البيان بالسحر الحلال وفصل الخطاب، إلا في حمى الدِّين"[42].
لم تكن هذه الحقيقة لِتَغيب عن شاعرنا "زويريق"، الذي شحذ إزميله لِيَخُط ما يكون شاهدًا له يوم القيامة، وقد صَرَّح بذلكَ في مقدمة الجزء الثاني مِن "على النهج"، حين جعل الهدف المتوخى مِن ديوانه، أن يجعلَه الله تعالى من خير الأعمال التي لا تبلى، ولا يطالها النِّسيان، وأن ينفعَه به يوم لا ينفع إلاَّ العمل الصالح[43].
ويمكن أن نعتبرَ "على النهج" ديوانًا عقديًّا بامتيازٍ، يلتقي فيه صدى الشعر بإيقاع الدِّين، فهو يسفر عن حبٍّ صادق للرَّسول - صلى الله عليه وسلم - ودفاعٍ مستميتٍ عن سُنته، وردٍّ قويٍّ على مَن يريدون النَّيل منه، والطَّعنَ عليه، والإزراء برسالته، مقتحمًا في ذلك معارَضة أشهر القصائد في هذا المعنى، مبتكرًا داليةً جديدةً في الرَّدِّ على مَن أساء إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالرسومات الكاريكاتورية من خمسة وسبعين بيتًا، شَدَّتْني إليها شدًّا، واسْتَوْقَفَتْنِي معانيها الشائقة أكثر من مَرَّة؛ لِيَتَبَيَّن لي أن الرَّجل لم يكن لِتَعوزه صياغة المضامين الحديثة، في القوالب الشعرية المنعوتة بالقديمة، منها قوله:
فَدَتْكَ النَّفْسُ إِنَّ الصَّمْتَ ذُلٌّ إِذَا انْتُقِدَتْ عَقِيدَتِيَ انْتِقَادَا[44]
وهنا يضع يده على أكبر داءٍ عُضال، ينخر في كيان الأمة، ويرمي بها في مساحِق الضَّعْف والخذلان، تُنتهَك حرمةُ النبي - صلى الله عليه وسلم - فَنَتَوَارى خلف الصَّمت، ونعتصم بالإحجام، ولئن كان هذا اختيار سواد الأمة، الذين صارتْ مُقدساتهم أهون عليهم من تَبالة على الحجاج[45]، فلا عُذْر للشاعر في النُّكوص، وقد أمده الله بِسِلاح، قد يكون وقعه أبلغ من وقع السنان:
فَلَسْتُ إِلَى الكَلاَمِ أَمِيلُ طَبْعًا إِذَا أَمَّلْتُ فِي الصَّمْتِ اتِّآدَا
إِذَا الْتَمَسَ السَّلامَةَ فِيهِ غِرٌّ فَلاَ مَعْنًى لِمَنْ بِالشِّعْرِ جَادَا
وَرَبِّكَ لاَ أَلُوذُ إِلَيْهِ إِنِّي رَأَيْتُ الذَّوْذَ عَنْ حَقٍّ جِهَادَا[46]
ويتعاظم الأمر عنده، حين يجعل الصمت عن هذه الانتهاكات الجسام رديفًا للخروج عنِ المِلَّة:
فَلَيْسَ إِلَى الحَنِيفَةِ لِي انْتِسَابٌ إِذَا أَبْصَرْتُ فِي الصَّمْتِ العتَادَا[47]
ولأن الشاعر "زويريق" كان في هذه القصيدة مسكونًا بالدِّفاع عنِ العقيدة، لِشِفاء الغليل منَ المعتدين، مستفزًا لِمُناصرة الدين، مُجْرَمِّزًا لاقتناص كل فرصة، يَلْفتُنا من خلالها إلى عظمة هذه العقيدة، التي يجب ألا نَتَوَانَى - قيد أنملة - في نصرتها:
فَمَا يَشْفِي غَلِيلِيَ عُذْرُ سَادٍ يَرَى فِي كُلِّ مُعْتَقَدٍ فَسَادَا
وَمَا جَدْوَى الحَيَاةِ لِمَنْ أَرَادُوا بِهِ وَبِدِينِهِ السَّامِي كِيَادَا[48]
ولا ينسى أن يعرِّجَ على أصحاب الأفكار المادية الجانحة، دعاة الحُرية الجامِحة، الذين لا يُحرك عاطفتَهم سبُّ الدين، أو يشعلُ أُوَار غَيْرتهم الاعتداء على الرسول الكريم؛ بل لا يضِيرهم أن يكونوا هم أنفسُهم المُعْتَدين، يقول على لِسَانهم:
أَنَا حُرٌّ إِذَا أَطْعَمْتُ فِيكُمْ لَهِيبَ الرَّوعِ يَتَّقِدُ اتِّقَادَا
أَنَا حُرٌّ إِذَا جَرَّدْتُ سَيْفِي أَسُبُّ الدِّينَ يَوْمًا وَالعِبَادَا
أَنَا حُرٌّ إِذَا جَدَّفْتُ فِي البَا طِلِ المَحْظُورَ وَاخْتَرْتُ الكِيَادَا[49]
لِيُرسخ بعد ذلك أنَّ الحرية الحقيقية لها حدود تسيجها، وقيود تعصمها من أن تصبح مسوغ اعتداء، ومعول هدم، كما قال "بيرك": "إنَّ الحرية يجب أن تقيد؛ لِكَيْما تُمْتلك"[50]:
لِحُرِّيَةٍ حُدُودٌ لاَ يَعِيهَا مَرِيضُ العَقْلِ يَفْتَقِدُ السَّدَادَا[51]
وقال:
أُشَجِّبُ كُلَّ حُرِّيَةٍ إِلَيْهَا يُنَادِي كُلَّ مُفْتَقِدٍ سَدَادَا[52]
أما التَّباهِي بِنَزْع القيود، والاعتساف على المعتقدات، والدوس على مشاعر الناس، فهو الغفلة القاتلة، والهوى الماحق:
يُبَاهِي بِالتَّحَرُّرِ كُلُّ غُفْلٍ لِشَيْطَانِ الهَوَى أَبْدَى انْقِيَادَا[53]
وها هنا قضيَّة أخرى، يجابه بها الشاعر دعاة حوار الأديان السماوية، وتلاقحها، وتكامِلها، وأنها كلها على قدم المساواة، نعم، إنّه يعترف أنها كلها منَ الله، وأن احترامها واجبٌ، والإيمان بها شرط في الإسلام {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ}[54].
لِكُلِّ عَقِيدَةٍ عِنْدِي مَكَانٌ بِهَذَا أَوْصَتِ الرُّسْلُ العِبَادَا[55]
ولكن؛ لا بدَّ مِنَ التَّسْليمِ بِأَفْضَليَّة رسالة الإسلام عليها؛ لأنها الرسالة الخاتمة:
وَأَفْضَلُهُمْ رَسُولُ اللهِ مَنْ جَا ءَ بِالإِسْلاَمِ نَهْجًا وَاعْتِقَادَا
أَتَبْغِي غَيْرَ دِينِ اللهِ دِينَا وَمَا فِي الكَوْنِ أَحْسَنُ مِنْهُ زَادَا[56]
وهو في ذلك ناظرٌ إلى قوله - تعالى -: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}[57].
والعقيدة الصَّحيحة تدور حول التوحيد، الذي مِن أجله جاءتِ الرسل تَتْرى:
لَكِنَّنِي وَيَقِينِي أَنَّهُ أَحَدٌ فِي الكَوْنِ لَيْسَ لَهُ نِدٌّ وَتَمْثِيلُ[58]
وكان القرآن الرسالة الخاتمة، التي لا يُقبل مِن طامع في الجنَّة سِوَاها:
قَدْ جَعَلْتُ الإِسْلامَ دِينًا وَنَهْجًا إِنَّمَا الدِّينُ لِلنُّفُوسِ وِقَاءُ
مُؤْمِنٌ بِالذِي أَتَى المُصْطَفَى وَحْ يًا كِتَابٌ مُطَهِّرٌ وَشِفَاءُ[59]
بل يذهب الشاعر إلى أكثر من ذلك؛ لِيُقَرِّر عقيدة أهل الإسلام في خالقِ الأكوان، تنزيهه عن كل مِثْل وشَبيه، وإفراده بالأسماء والصفات، واستطاع الشعر - عند إسماعيل زويريق - أن يتحمل مضامين تبدو تقريريَّة، وإرشاديَّة وَعْظِيَّة، لكن بأسلوبٍ شاعريٍّ ماتعٍ نقلها إلى عالم وجداني، يمس شغاف القلوب، كما يمسك بتلابيب العقول:
يَا قَلْبُ أَبْشِرْ لأَنَّ اللهَ يَغْفِرُ مَا قَدِ ارْتَكَبْتَ مِنَ الآصَارِ وَاللَّمَمِ
يَكْفِيكَ تَشْهَدُ أنَّ اللهَ مُنْفَرِدٌ وَأَنَّهُ مَن بَرَى الأَكْوَانَ مِنْ عَدَمِ
مُنَزَّهٌ عَنْ صِفَاتٍ أَنْتَ تَعْلَمُهَا مُقَدَّسٌ عَنْ فِعَالِ الخَلْقِ كُلِّهِمِ
فَمَا لَهُ فِي الوَرَى نِدٌّ وَلاَ مَثَلٌ وَلاَ لَهُ فِي غَيَابَاتِ الوُجُودِ سَمِي
هُوَ الجَوَادُ هُوَ المَعْبُودُ مُنْفَرِدًا هُوَ الكَرِيمُ هُوَ المَوْسُومُ بِالقِدَمِ
هُوَ البَصِيرُ بِمَا تَحْتَ البِحَارِ وَمَا فَوْقَ السَّمَاءِ هُوَ المَوْصُوفُ بِالكَرَمِ
هُوَ الغَفُورُ وَمَنْ يَدْعُو سِوَاهُ فََقَدْ ضَلَّ السَّبِيلَ وَأَلْقَى النَّفْسَ فِي الظُّلَمِ[60]
وإذا كان الخالق بهذه الصفات، فلِمَ الاستغاثة بغيره، والاستعانة بأنْدَاده، والتَّوَسُّل بما لا يضر ولا ينفع؟!
أَنْتَ يَا أللهُ المُغِيثُ إِذَا حَلَّ تْ هُمُومٌ وَضَاقَتِ الفَيْحَاءُ[61]
ويُقَرِّر الشاعر أنَّ عقيدة المسلم، تَقْتَضِي التسليم لِمُدَبر الكون، والاعتراف بالقضاء والقدر، بعد الأخذ بالأسباب، واستفراغ الوسع في العمل، دون اتِّكال أو توانٍ.
يقول:
بِمَا قَضَيْتَ رَضِيتُ اليَوْمَ مُلْتَمِسًا أَنْ تُبْرِئَ الرُّوحَ مِنْ رُزْءٍ وَمِنْ سَدَمِ[62]
ويقول:
تَعْمَى البَصَائِرُ وَالأَبْصَارُ إِنْ حَسَمَتْ إِرَادَةُ اللهِ أَمْرًا غَيْرَ مُنْحَسِمِ[63]
ويقول:
قَدْ ظَفِرْتُ بِأُمْنِيَّتِي يَا نَفْ سُ فَهَذَا مَقامُكِ فَابْتَهِجِي
فَاتْرُكِي للهِ الأَمْرَ إِذَا فَجَأَتْكِ صُرُوفٌ لَمْ تَرْجِ[64]
وهكذا أينما صَوَّبْتَ النَّظَر إلى صفحات الديوان، طالعتْكَ أبيات العقيدة، تقريرًا، وتصويبًا، ودعوةً، وهذا هو الشاعر الإسلامي، تجده مسكونًا بالقضيَّة الكبرى، التي مِن أجلها خُلق الإنسان، قضية التوحيد، وما يتطلبه من تطهير الجنان مِن زيف المعتقد، وفساد التَّصَوُّر.
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|