فخصص اللهُ سبحانه وتعالى المطلَّقةَ الحامل، وجعل عدَّتها وضع الحمل، فلم يَبقَ لفظ العموم - وهو المطلقات - على عمومه، بل قصره على بعض أفراده.
مثال [2]: قولك: أكْرِمِ الطلابَ الناجحين، فهنا قصر هذا اللفظ العامَّ - وهو الطلاب - على أفراد معينة وهم الناجحون.
قَوْلُهُ: (وَيُحْمَلُ العَامُّ عَلَى الخَاصِّ): أي إذا تعارَض دليلان أحدهما خاص، والآخر عام، فيجب أن يُقدَّمَ الخاص على العامِّ، ويُخصِّصَه بالإجماع، ولا يُعمل حينئذ بالعام[16].
لأن الخاصَّ أقوى في الدلالة، وأخص بالمطلوب.
ولأن العمل بالعام يلزم منه إبطال دلالة الخاص وتعطيله، ولا يلزم من العمل بالخاص تعطيلُ العام[17].
قال ابن قدامة: (لا نعلم خلافًا في جواز تخصيص العموم)[18].
مثال [1]: قول الله تعالى: ﴿ وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ﴾ [البقرة: 221]، عام في حرمة نكاح كلِّ المشركات.
وقول الله تعالى: ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ [المائدة: 5]، خاصٌّ فيجواز نكاح الكتابية، فيُحمل العام على الخاص.
مثال [2]: قول الله تعالى: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ [المائدة: 38]، عام في كل سرقة.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (تُقْطَعُ اليَدُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا)[19]، خاص في أن القطع فيمن سرق قيمة ربع دينار فصاعدًا، فيُحمل العام على الخاص.
مثال [3]: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ)[20]، عام في وجوب إخراج الزكاة في أيِّ مقدَار تُخْرِجُهُ الأرض.
وقول الرسول صلى الله عليه وسلم:(لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوْسُقٍ[21] صَدَقَةٌ)[22]، خاص في وجوب الزكاة في خمسة أوسق فأكثر، ولا تجب الزكاة في أقل من خمسة أَوْسُق، فيُحمل العام على الخاص.
فائدة [1]: أقسام المخصِّص:
ينقسم المخصِّص عند أهل الأصول قسمين[23]:
أحدهما: مخصِّص متَّصِل: هو ما لا يستقل بنفسه، بل مُرتبط بكلام آخر، وهو خمسة أنواع:
النوع الأول: الاستثناء:
مثال [1]: قول الله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ﴾ [النور: 4] إلى قوله سبحانه وتعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا ﴾ [النور: 5].
مثال [2]: قول الله تعالى: ﴿ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾ [الطلاق: 1].
النوع الثاني: الشرط:
مثال [1]: قول الله تعالى: ﴿ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ ﴾ [النساء: 11].
مثال [2]: قول الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ﴾ [النور: 33].
النوع الثالث: الصفة المعنوية:
مثال [1]: قول الله تعالى: ﴿ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ﴾ [النساء: 25].
الشاهد: أن لفظة (فَتَيَاتِكُمُ) قُيِّدت بالإيمان.
مثال [2]: قول الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ ﴾ [النساء: 93].
الشاهد: أن لفظة (مُؤْمِنًا) قيِّدتْ بالتعمُّد.
مثال [3]: في الغنم السائمة الزكاة:
الشاهد: أن لفظة (الغنم) قُيِّدتْ بالسَّوم وهو الرَّعي بلا مُؤنة[24].
النوع الرابع: الغاية:
مثال [1]: قول الله تعالى: ﴿ فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ﴾ [البقرة: 222].
مثال [2]: قول الله تعالى: ﴿ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ﴾ [البقرة: 235].
النوع الخامس: بدل البعض من الكل.
مثال [1]: قول الله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾ [آل عمران: 97].
الشاهد: أن وجوب الحج قُيِّد بالاستطاعة، وهو بدل من الكل أي من الناس:
مثال [2]: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((فِي صَدَقَةِ الغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ شَاةٌ))[25].
الشاهد: أن وجوب الزكاة في الغنم قُيِّد بكونها سائمة، وهو بدل من الكل؛ أي: من جميع الغنم.
القسم الثاني: مخصِّص مُنفصِل: هو ما يستقل بنفسه بأن لم يكن مرتبطًا بكلام آخر، وهو خمسة أنواع:
النوع الأول: الحِسُّ.
مثال [1]: قول الله تعالى: ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا ﴾ [الأحقاف: 25]، أثبت الحسُّ أمورًا لم تُدمِّرْها تلك الريح؛ كالسماوات، والأرض، والجبال.
مثال [2]: قول الله تعالى: ﴿ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ [النمل: 23]، أثبت الحسُّ أمورًا لم تُؤْتَها بلقيس.
مثال [3]: قول الله تعالى: ﴿ يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ [القصص: 57]، أثبت الحسُّ أمورًا لم تُجْبَ إلى الحرم.
النوع الثاني: العقل:
مثال: قول الله تعالى: ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ [الزمر: 62]، دلَّ العقل على أنه سبحانه وتعالى لا يتناوله ذلك، وإن كان لفظ الشيء يتناوله سبحانه وتعالى؛ كقوله سبحانه وتعالى: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ﴾ [القصص: 88].
النوع الثالث: الإجماع:
مثال [1]: قول الله تعالى: ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ﴾ [المؤمنون: 6]، دل إجماع المسلمين على أن الأخت من الرضاع لا تَحل بمِلك اليمين.
والإجماع في الحقيقة هنا إنما يدل على مُستَند للتخصيص، فمُستنَد هذا الإجماع هو قول الله تعالى: ﴿ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ ﴾ [النساء: 23].
مثال [2]: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لَا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ))[26]، دل الإجماع على جواز إنكاح البكر من غير استئذان إذا كانت صغيرةً.
يتبع