قَوَاعِدُ فَهْمِ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ (2)
د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
قَوْلُهُ: (الضَّابِطُ الثَّانِي: العَامُّ: هوَ اللَّفْظُ المُسْتَغْرِقُ لِكُلِّ مَا يصْلُحُ له): أي: متناولًا لكل ما وُضِع له اللفظ في اللغة، فلا بُدَّ في العامِّ أن يكون اللفظ مستغرِقًا لكلِّ ما يَصلح له، أما ما لم يَستغرق كل ما وُضع له اللفظ، فلا يدخل تحت العموم[1].
والعامُّ لُغَةً: الشامل، بخلاف الخاص[2].
مثال [1]: قول الله تعالى: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾ [العصر: 2].
لفظ: (الإنسان) عام؛ لأنه يستغرق كل ما وُضع له اللفظ.
مثال [2]: قول الله تعالى: ﴿ وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا ﴾ [الكهف: 38].
لفظ: (أَحَدًا) عام؛ لأنه يَستغرق كلَّ ما وُضِع له اللفظ.
مثال [3]: قول الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا ﴾ [يونس: 44].
لفظ: (شيئًا) عام؛ لأنه يَستغرق كلَّ ما وُضِعَ له اللفظ.
مثال [4]: قول الله تعالى: ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾ [المطففين: 1].
لفظ: (لِلْمُطَفِّفِينَ) عام؛ لأنه يَستغرق كلَّ ما وُضِع له اللفظ.
مثال [5]: أكْرِم الطالب، إذا أُرِيد به طالبًا معيَّنًا.
لفظ (الطالب) خاص، وليس عامًّا؛ لأنه لم يَستغرق ما وُضِعَ له اللفظ.
قَوْلُهُ: (دَفْعَةً وَاحِدَةً): أي: لا بُدَّ أن يكون الاستغراق في العام شاملًا لجميع أفراده في آنٍ واحدٍ، وخرج بهذا المطلق، فإنه يستغرق استغراقًا بدليًّا على سبيل التناوب، وليس دَفعة واحدة، وخرَج به النكرة في سياق الإثبات، فإنها مستغرقة، ولكن استِغْرَاقُها بدَليٌّ لا دَفعة واحدة[3].
مثال [1]: قول الله تعالى: ﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [الأنعام: 106].
لفظ: (المشركين) عام؛ لأنه استغرق جميع ما وُضِع له دَفعةً واحدة.
مثال [2]: قول الله تعالى: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ [المجادلة: 3].
لفظ: (رقبة) ليس عامًّا؛ لأنه لا يتناول جميع الأفراد على وجه الشمول، وإنما يتناول واحدًا غير معيَّن.
مثال [3]: أكْرِم رجلًا.
لفظ (رجلًا) ليس عامًّا؛ لأنه لا يستغرق جميع ما وُضِعَ له؛ أي: إنه لم يتناولْه دَفعة واحدة، فإذا أَكرَم رجلًا واحدًا، فقد حقَّق الإكرام المطلوب.
فائدة [1]: ينبغي إضافة قيدين لتعريف شيخنا حفظه الله؛ ليكون تعريفًا تامًا مانعًا:
القيد الأول: (بحَسَب وضعٍ واحد): أي: يدل اللفظ على معناه بحسب وضعٍ واحدٍ.
وخرج بهذا القيد المشترك، كلفظ العَين والقُرْء؛ فإنه لفظ مستغرق لما يَصلُح له من مسمَّياتِه، لكنه ليس بوضع واحد، بل بأكثر منه؛ فالقُرْء الدال على الحيض إنما وُضِع له، وكذلك القُرء الدال على الطُّهر إنما وُضِع له بوضْع غير الأوَّل بخلاف قولنا: الرجال، فإن دلالته على جميع ما يصلح له بوضع واحدٍ[4].
القيد الثاني: (بلا حصر): أي لا بُدَّ أن يكون الاستغراق في العام لا حصر له.
وخرج بهذا ما يتناول جميع أفراده مع الحصر؛ كأسماء الأعداد، والنكرة المثناة؛ لأنها محصورة[5].
مثال [1]: أكْرِمْ عشرة طلاب.
لفظ (عشرة) ليس عامًّا؛ لأنه محصور.
مثال [2]: قاتل مائة رجل.
لفظ (مائة) ليس عامًّا؛ لأنه محصور.
مثال [3]: أكْرِم رجلين.
لفظ (رجلين) ليس عامًّا؛ لأنه محصور.
فائدة [2]: الفرق بين العام، والمشترك:
♦ أما العام فهو اللفظ الموضوع لمعنى واحد.
♦ وأما المشترك فهو اللفظ الموضوع لمعنيين فأكثر[6].
فائدة [3]: صيغ العموم:
الألفاظ التي تدل على العموم والشمول والاستغراق أحد عشر قِسمًا[7]:
القسم الأول: كل اسم عُرِّف بالألف واللام لغير المعهود[8]،وهو ثلاثة أنواع:
النوع الأول: ألفاظ الجموع؛ كالمسلمين والمشركين، والذين.
النوع الثاني: أسماء الأجناس، وهو ما لا واحد له من لفظه؛ كالناس، والحيوان، والماء، والتراب.
النوع الثالث: لفظ الواحد؛ كالسارق، والسارقة، والزاني، والزانية، والإنسان.
القسم الثاني: ما أُضيف من هذه الأنواع الثلاثة إلى معرفة؛ كَعَبيدِ زيد، ومال عمرو.
القسم الثالث: أدوات الشرط؛ مثل:
[1]: (مَن) فيمَن يَعقِل:
مثال [1]: قول الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ [الطلاق: 3].
مثال [2]: قول الله تعالى: ﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ [النساء: 123].
[2]: (ما) فيما لا يعقل:
مثال [1]: قول الله تعالى: ﴿ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ﴾ [البقرة: 197].
مثال [2]: قول الله تعالى: ﴿ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ﴾ [المزمل: 20].
[3]: (أي) فيمن يَعقل، وما لا يَعقل:
مثال من يعقل: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ))[9].
مثال ما لا يعقل:﴿ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ ﴾ [القصص: 28].
[4]: (أين) في المكان:
مثال [1]: قول الله تعالى: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ ﴾ [النساء: 78].
مثال [2]: قول الله تعالى: ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 115].
القسم الرابع: كلُّ، وجميع:
مثال [1]: قول الله تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾ [آل عمران: 185].
مثال [2]: قول الله تعالى: ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ [الرعد: 16].
مثال [3]: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا))[10].
مثال [4]: قول الله تعالى: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ﴾ [القمر: 44].
مثال [5]: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا))[11].
القسم الخامس: المفرد المضاف إلى معرفة:
مثال [1]: قول الله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾ [إبراهيم: 34].
فلفظة (نعمة) مفردة أُضيفت إلى معرفة، وهو لفظ الجلالة (الله)، فإنها تفيد العموم؛ أي: عموم النعم.
مثال [2]: قول الله تعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ [النور: 63]؛ أي: كلأمر الله جل جلاله.
فلفظة (أمر) مفردَةٌ أُضيفت إلى معرفة، وهو الهاء، فإنها تفيد العموم؛ أي: عموم الأوامر.
القسم السادس: النكرة في سياق النفي:
مثال [1]: قول الله تعالى: (﴿ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ ﴾ [الأنعام: 101].
مثال [2]: قول الله تعالى:﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾ [البقرة: 255].
القسم السابع: النكرة في سياق النهي:
مثال [1]: قول الله تعالى: ﴿ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴾ [الجن: 18].
مثال [2]: قول الله تعالى: ﴿ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾ [النساء: 36].
مثال [3]: قول الله تعالى: ﴿ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا ﴾ [الإنسان: 24].
القسم الثامن: النكرة في سياق الامتنان:
مثال [1]: قول الله تعالى: ﴿ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ﴾ [الأنفال: 11]، استدلوا به على طهورية كلِّ ماءٍ سواء نزل من السماء، أو نبع من الأرض[12].
مثال [2]: قول الله تعالى: ﴿ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ﴾ [الرحمن: 68].
القسم التاسع: النكرة في سياق الإثبات:
مثال [1]: قول الله تعالى: ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ﴾ [الانفطار: 5].
مثال [2]: قول الله تعالى: ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ ﴾ [التكوير: 14].
القسم العاشر: النكرة في سياق الاستفهام:
مثال [1]: قول الله تعالى: ﴿ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا ﴾ [مريم: 98]، والرِّكز هو الصوت الخفي[13].
مثال [2]: قول الله تعالى: ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ﴾ [مريم: 65].
القسم الحادي عشر: النكرة في سياق الشرط:
مثال [1]: قول الله تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ﴾ [فصلت: 46].
مثال [2]: قول الله تعالى: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ ﴾ [التوبة: 6].
قَوْلُهُ: (وَالخَاصُّ: قَصْرُ حُكْمِ العَامِّ): أي الدليل الخاصُّ يُخَصِّصُ الدليلَ العامَّ حُكمًا لا لفظًا، فاللفظ العامُّ يظلُّ باقيًا على عمومه لا يُخَصَّصُ[14]، أما حكم العام فهو الذي يُخصص.
قَوْلُهُ: (عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ): أي الخاصُّ يجعل حكم العام خاصًّا يُراد به بعض أفراده بسبب قرينةٍ مخصِّصَة[15].
مثال [1]: قول الله تعالى: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ﴾ [البقرة: 228]، مخصَّصٌ بقول الله تعالى: ﴿ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ [الطلاق: 4].
يتبع