الموضوع: تقويم اللسانين
عرض مشاركة واحدة
  #17  
قديم 16-02-2021, 04:36 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,685
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تقويم اللسانين



3- قال المعترض: وقد خالف الفصاحة العربية باستعماله جمع القلة المنكر (أنفسا) مع أن مقتضى الحال يوجب استعمال (النفوس) أعني جمع الكثرة، فذوو الظلم كثيرون، أو كثير على الأفصح، وإنما قلت المنكر، لأن المعرف (بأل) أو الإضافة من هذا الجمع يجوز أن يستعمل للكثرة، الخ. يا أيها الناس: اقرءوا واسمعوا وتعجبوا من هذا المعترض الذي يصدر الأحكام واحدا بعد واحد بدون دليل ولا برهان، ولا استناد على قاعدة، ولا عزو إلى إمام فكأنه يظن أن القراء أطفال في المدرسة الابتدائية، يتقبلون منه كلما حدثهم به، ودونكم ما قاله الأئمة في جمع القلة وجمع الكثرة، ونيابة أحدهما عن الآخر وضعا أو استعمالا.



قال الأزهري في التصريح ج 2 ص 300، ما نصه: وله رأي لجمع التكسير الذي يتغير فيه بناء مفرده لفظا سبعة وعشرون بناء منها أربعة موضوعة للعدد القليل وهو من الثلاثة إلى العشرة بدخول العشرة على القول بدخول الغاية في المغيا، ولو قال وهو الثلاثة والعشرة، وما بينهما لكان أولى وهي أفعُل، بضم العين، كأكلب، جمع كلب، وأفعال كأجمال بالجيم جمع جمل، وأفعِلة بكسر العين، كأحمرة، جمع حمار، وفِعْلة، بكسر الفاء وسكون العين، كصِبْية جمع صبى، وخصت هذه الأوزان الأربعة بالقلة، لأنها تصغر على لفظها، نحو أكيلب، وأجيمال وأحيمرة، وصبية، بخلاف غيرها من الجموع فإنها ترد إلى واحدها في التصغير، وتصغير الجمع يدل على التقليل، وإليها أشار الناظم بقوله:



أفعلة أفعل ثم فعلة

تمت أفعال جموع قلة








وليس من جموع القلة (فُعَل) بضم الفاء وفتح العين، كغرف، ولا (فعل) بكسر الفاء وفتح العين، كنعم، ولا فعلة بكسر الفاء وفتح العين، كقِرَدة خلافا للفراء.



وثلاثة وعشرون موضوعة للعدد الكثير، وهو ما تجاوز العشر، وقد يستغنى ببعض أبنية القلة عن بناء الكثرة وضعا أو استعمالا، اتكالا على القرينة، قاله في التسهيل:

قال الشاطبي: وحقيقة الوضع أن تكون العرب لم تضع أحد البناءين استغناء عنه بالآخر، والاستعمال أن تكون وضعتهما معا، ولكنها استغنت في بعض المواضع عن أحدهما بالآخر اهـ.



فالأول كأرجل، جمع رِجْل بسكون الجيم، وأعناق جمع عُنُق، وأفئدة جمع فؤاد قال الله تعالى5، 6) ﴿ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ﴾ (8-12) ﴿ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ ﴾ (14، 43) ﴿ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ ﴾ فاستغنى فيها ببناء القلة عن بناء الكثرة، لأنها لم يستعمل لها بناء كثرة.



والثاني: كأقلام جمع قلم، قال الله تعالى31- رقم الآية 27) ﴿ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ ﴾ والمقام مقام مبالغة وتكثير قطعا، وقد استعمل فيه وزن القلة، مع أنه سمع له وزن كثرة، وهو قلام، وقد يعكس، فيستغنى ببعض أبنية الكثرة عن بناء القلة وضعا أو استعمالا اتكالا على القرينة.



فالأول كرجال جمع رجل بضم الجيم، وقلوب جمع قلب، وصردان بكسر الصاد، جمع صُرد، بضمها وفتح الراء، اسما لطائر، تقول: خمسة رجال بخمسة قلوب معهم خمسة صردان، فيستغنى بجمع الكثرة عن جمع القلة لعدم وضعه وليس منه، أي من هذا القسم، وهو ما لم تضع العرب له بناء قلة ما مثل به الناظم وأنبه من قولهم في جمع صفاة، وهي الصخرة الملساء، صفي بضم الصاد وكسر الفاء وتشديد الياء لقولهم في جمع قلتها، اصفاء حكاه الجوهري وغيره، بل هو من القسم الثاني، وهو ما وضعت العرب له بناء قلة، ولكنها استغنت ببناء الكثرة عنه كقوله تعالى (2- 228) ﴿ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ﴾ نفسر ثلاثة بجمع الكثرة، مع وجود جمع القلة، كقوله صلى الله عليه وسلمدعي الصلاة أيام إقرائك) وعلى ذلك يحمل قول الناظم:



وبعض ذي بكثرة وضعا يفي

كأرجل والعكس جاء كالصفي








انتهى - وقد طالعت ما عندي من شرح الألفية كالأشموني بحاشية الصبان وابن عقيل وبحاشية الخضري وألفية ابن بونا بحاشيته، فوجدتهم لا يختلفون فيما نقلته عن التصريح، واخترت كلامه، لأنه أوسع وأوضح. ومنه تعلم أن ما زعمه المعترض من أن جمع القلة لا يستعمل في موضع جمع الكثرة إلا إذا كان مضافا أو معرفا بالألف واللام، لا وجود له في كلام أولئك الأعلام ومحال أن يهملوه لو كان ثابتا في القواعد الصحيحة المسلمة.



فنحن نطالبه بتصحيح النقل، إن كان ناقلا، وإن لم يكن ناقلا، فقد كذب على النحاة، واخترع قاعدة من عنديته، فإن جاء بالنقل عن بعض علماء اللغة قابلنا نقله بتلك النقول، وهي أكثر فيسقط نقله، أو يكون مرجوحا، ولو ثبتت القاعدة التي ادعاها ما أغنته شيئا، لأن جمع القلة المنكر قد استعمل في موضع جمع الكثرة في أفصح الكلام وأبلغه، وهو كتاب الله، قال تعالى في سورة لقمان: (27) ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ﴾ والمقام يقتضي استعمال جمع الكثرة، ومع ذلك عدل عنه إلى التعبير بجمع القلة، اكتفاء بالقرينة، هذا مع أن للقلم جمع كثرة على (قلام).



قال ابن منظور في لسان العرب، القلم: الذي يكتب به، والجمع أقلام وقلام، قال ابن بري: وجمع أقلام أقاليم، وأنشد ابن الأعرابي:



كأنني حين آتيها لتخبرني

وما تبين لي شيئا بتكليم



صحيفة كتبت سرا إلى رجل

لم يدر ما خط فيها بالأقاليم





وقال أيضا في مادة: ط.ل.ح - وطلحة الطلحات، طلحة ابن عبيد الله بن خلف الخزاعي، ثم نقل عن ابن الأعرابي في طلحة هذا أنه، إنما سمي طلحة الطلحات بسبب أمه، وهي صفية بنت الحارث بن طلحة بن أبي طلحة، زاد الأزهري، ابن عبد مناف، قال وأخوها أيضا طلحة بن الحارث، فقد تكنفه هؤلاء الطلحات كما ترى، وقبره بسجستان، وفيه قال ابن قيس الرقيات:




رحم الله أعظما دفنوها

بسجستان طلحة الطلحات








قوله (أعظما) دفنوها، يريد عظام طلحة الطلحات المذكور، وهو من استعمال جمع القلة في موضع جمع الكثرة، لأن عظام الجسم كثيرة، وجمع القلة يدل على تسعة أو عشرة، فأين ما زعمه المعترض من أن جمع القلة إذا كان نكرة لا يستعمل في موضع جمع الكثرة.

وقال تعالى في سورة القيامة3) ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ ﴾ فعبر بجمع الكثرة، لأن عظام الإنسان كثيرة، وعبر الشاعر بجمع القلة لوجود القرينة الدالة على أنه يريد الكثرة، فما يقول المعترض في هذه النصوص القاطعة؟ وهذه القواعد المحكمة؟



قوله (وكأنني بالدكتور) وقد قرأ هذا الاعتراض يلجأ إلى ثلاثة قروء. أقول في جوابه، أنا لا ألجأ إلى ثلاثة قروء، وإنما تلجأ إليها النساء وأشباههن من الرجال الذين يقاتلون من وراء جدر، وقد أقمت الدليل على بطلان ما ادعاه دون أن التجئ إلى ما توهمه.



4- قوله: فما معنى القنابل في اللغة العربية؟ أقول في جوابه:



جاء شقيق عارضاً رمحه

إن بني عمك فيهم رماح



ومن قدمته نفسه دون غير

رأى غيره التأخير ذاك التقدما





أتظن أنه لا يعرف معنى القنابل والقنابر في الدنيا أحد غيرك، لقد كذبتك نفسك، أنا ما جاريت جهلة المترجمين، بل أنت جاريتهم، وأجلبت بخيلك العجاف، ورجلك الضعاف، لتصحيح أخطائهم، وتقف في طريق المصلحين الناصحين لقومهم، لتكتسب بذلك شهرة، وما نقلت عن أولئك المؤرخين، ولم تسم أحدا منهم من استعمالهم القنبر والقنابر بالراء – لا يساوي عند علماء اللغة جناح بعوضة، لأنهم ليسوا من العرب، وكلامهم ليس بحجة، فالعرب لم تعرف هذه الأشياء المتفجرة التي تسمى في هذا الزمان (قنابل) وليس من واجباتها أن تضع لها لفظا، بل ذلك من واجباتنا نحن، وأنت تعلم أنه ليس للمتكلمين بالعربية دائرة معارف، أو موسوعة كما يسمونها، متفق عليها تجمع شتات ما نحتاج إليه، إما أن نستعمل اللفظ الذي اصطلح عليه جماهير الكتاب والقراء، ليكون كلامنا مفهوما عند قرائنا، وإما أن يخترع كل واحد منا ما يعجبه من الألفاظ فلا يفهمه أحد سواه، فكأنه يكتب لنفسه، لا لقراء كتابة أو مجلته، ولا شك أن الصواب هو اختيار الطريق الأول.




وما المانع لنا أن نضع لفظ القَنْبَلة بفتح فسكون ففتح، الذي عبرت به العرب عن الطائفة من الناس ومن الخيل لما يسمى بالإنكليزية Bomb وبالفرنسيةBombe ولاسيما وقد شاع استعمال هذا اللفظ بين المتكلمين بالعربية من عرب وغيرهم، فيكون بالنسبة إلى أهل زماننا يدل على المعنيين كليهما؟ وما الذي يجعل لفظ (القنبر) أولى بالتعبير من القنبلة والقنبل، هل عندك شاهد من القرآن أو من كلام العرب الذين يحتج بكلامهم على صحة ما زعمت؟ أما القنبر في لغة العرب فدونكم معناه أيها القراء الأعزاء، قال ابن منظور في لسان العرب: والقبر والقبرة، والقنبر والقنبرة والقنبراء: طائر يشبه الحمرة، الجوهري القبرة واحدة القبر، وهو ضرب من الطير قال طرفة وهو يصطاد هذا الطير في صباه:



يالك من قبرة بمعمر

خلا لك الجو فبيضي واصفري



ونقري ما شئت أن تنقري

قد ذهب الصياد عنك فابشري








لا بد من أخذك يوما فاحذري

ومثله باختصار في القاموس وفي حياة الحيوان للدميري ما نصه: القبرة، بضم القاف وتشديد الباء الموحدة، واحدة القبر، قال الجوهري: وقد جاء في الشعر (قنبرة) كما تقوله العامة، وقال البطليوسي في، أدب الكاتب، وقنبرة أيضا بإثبات النون، قال وهي لغة فصيحة، وهو ضرب من الطير يشبه الحمر، وكنية الذكر منه أبو صابر، وأبو الهيثم، والأنثى، أم العلعل، وأنشد أبيات طرفة المتقدمة، اهـ.



فظهر مما تقدم أن استعمال القنبر فيما يسميه الأوربيونBomb ليس من اللغة العربية في قبيل ولا ديبر:

أقول لك أيها المعترض الكريم: إن احتجاجك بكلام غير العرب باطل، فالكلمة التي نبحث فيها لم تسمها العرب، لا قنبرة ولا قنبلة، ولنا أن نصطلح على تسميتها بما نشاء وليس ما يشتهيه بعضنا حجة على غيره، وأنا لا أعيب على المترجمين إلا خطأهم فيما عرفته العرب وتكلمت به، ومنعهم جهلهم من معرفته، فعبروا عنه بعبارات فاسدة، لا مستند لها، أما آلاف المحدثات من الأجرام والأعمال والآلات والمكتشفات فلا أتعرض لها، إذ لا يستطيع أن ينشرها إلا جماعة من العلماء اللغويين تنتخبهم الأمة العربية وتتلقى ما يضعونه من الكلمات بالقبول والاستعمال، ولا يستطيع شخص واحد أن يقوم بهذا العمل، فدع المغالطة واستقم، واقتصر على هذا القدر، وموعدنا الجزء التالي إن شاء الله.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 29.58 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 28.96 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.12%)]