الوصايا الذهبية للمشاكل الزوجية
سيد مبارك
الوصية الخامسة: التكتُّم على الأسرار الزوجيَّة:
كثيرٌ من الرجال والنساء المتزوجين يُهمِلون مثل هذه الوصيَّة العظيمة، فالبيوت والأبواب إنما كانت لستر عورات الناس، واحتِفاظهم بخصوصياتهم التي لا يطَّلع عليها أحدٌ غيرهم.
فلو كانت حَياتهم بما فيها من خُصوصيَّات يمنعهم الحياء والخلق الحسن من كشْفها إلا في بيوتهم حيث يمارس كلٌّ من الزوج وزوجه حريَّته على طبيعته وفطرته دون تصنُّع، فمن البدهي أنَّ معرفة الأهل والأصدقاء بهذه الخصوصيَّات من الزوج أو الزوجة سيُؤدِّي إلى الصدام بينهما والحقد والكراهية وفقدان الثقة والغيرة المحمودة إلى النقيض تمامًا.
وبالتبعة يُؤدِّي ذلك إلى الفشل في العلاقات الزوجيَّة، فتنتهي بالطلاق أو الخلع، وهو النهاية المتوقَّعة للجهل بمثْل هذه الأمور.
ولعلَّ من أشدِّ الأسرار والخصوصيَّات التي ينبَغِي عدم إفشائها مهما كانت حدَّة الخلاف أسرارَ المعاشرة بينهما على الفراش؛ لأنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - حذَّر من ذلك فقال: ((إنَّ من شِرار الناس عند الله منزلةً يوم القيامة الرجلَ؛ يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ثم ينشُر أحدهما سرَّ صاحبه))؛ أخرجه مسلم في النكاح ح/1437، وأبو داود في الأدب ح/4870.
قال النووي في شرح الحديث ما مختصره:
وفي هذا الحديث تحريمُ إفشاء الرجل ما يجري بينه بين امرأته من أمور الاستمتاع، ووصف تفاصيل ذلك، وما يجري من المرأة فيه من قول أو فعل ونحوه، فأمَّا مجرَّد ذكر الجماع، فإنْ لم تكن فيه فائدةٌ ولا إليه حاجةٌ فمكروهٌ؛ لأنَّه خِلاف المروءة.
وإنْ كان إليه حاجة أو ترتَّب عليه فائدة بأنْ يُنكِر عليه إعراضه عنها، أو تدَّعي عليه العجز عن الجماع، أو نحو ذلك فلا كراهةَ في ذكره؛ كما قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إني لَأفعَلُه أنا وهذه))، وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم - لأبي طلحة: ((أعرستم الليلة؟))، والله أعلم، اهـ.
ومن ثَمَّ ينبغي الحذر من إفشاء أسرار الفِراش بصفة خاصَّة، والأسرار الزوجية بصفة عامَّة؛ لأنَّه يؤدِّي إلى القيل والقال، وتلويث السمعة وتدخُّل الناس بلا داعي، وهو أمرٌ يمقته الطبع السليم والشرع المطهَّر.
الوصية السادسة: الحذر من فتور المحبة بين الزوجين:
لو سألت أيَّ زوجين بعد زواجٍ دام عشر سنوات مثلاً عن شُعور كلٍّ منهما نحو الطرَف الأخربعد هذه المدة الطويلة، وهل هو نفس الشعور خلال فترة الخطوبة وبداية الزواج؟!
الجواب قطعًا: لا.
والسبب في ذلك فُتور المحبَّة.
وسببها الانشغالُ الدائم في العمل، وفي رعاية الأولاد، وعدم الانفِراد العاطفي بينهما خارج البيت، أو حتى داخله، وبث ما في القلب، وإهمال المناسبات السعيدة بينهما، وإهمال التزيُّن والتجمُّل، وغير ذلك.
وبدل الشعور بالحبِّ نجدُ الرحمة والشفقة هي التي تُغلِّف تصرُّفات كلٍّ من الزوج وزوجه.
ولكنَّ الرحمة والشفقة والإحساس بالأمان مع شريك الحياة قد لا يصمد أمامَ الفتن التي زادَتْ، والاختلاط بين الجنسيين بلا رادِعٍ من دِين أو حَياء الذي عمَّ أرجاء الحياة المعاصرة.
والذي من أعظم أسبابه تبرُّج المرأة وابتذالها، وهي من أخطر الفتن على الإطلاق والذي انتشر انتشارَ النار في الهشيم، وغير ذلك من الفتن.
كلُّ هذا جعل كلاًّ من الزوج أو زوجه بحاجةٍ إلى شعور عاطفي قوي يربطه بشَرِيكه حتى لا يَنهار أحدهما، ويغرق مع تيَّارٍ لم يتعوَّد على ردِّه وصدِّه.
ومن ثَمَّ ينبغي للزوجين إحياء رُوح الشباب، وعودة الترابُط العاطفي بينهما؛ لتستمرَّ الحياة الزوجيَّة ترتوي من ينبوع هذا الترابُط، وترتَقِي إلى أعلى درجات السموِّ الروحي والعاطفي بعيدًا عن رِياح التجديد والفتن التي فترت علاقتهما القلبيَّة بكثرة الهموم والغموم!
ولذلك أنصَحُ كلاًّ من الزوج وزوجه بأمرَيْن على الأقل:
الأمر الأول: أن يتزيَّن ويتجَمَّل كل منهما للآخَر:
إنَّ ممَّا يُسعِد قلب الزوج أنْ يَعُود فيجد زوجته في أبهى صورة وأطيب ريح مرحبةً به، وبكلماتٍ طيِّبة مُشجِّعة تنسيه همومَه ومشاكله في يومه هذا وهو بين يديها.
فكثيرٌ من المشاكل تنشَأ لإهمال الزوجة هذا الجانب الحيوي تحت عنوان راح الشباب وانقضى!
لا أيَّتها الزوجة المحبَّة، إنَّ الحياة الزوجيَّة واستمرارها تحتاجُ إلى تضحيات وإنكار ذات، ولك أنْ تتصوَّري زوجك المسكين الذي ما زال ينبض قلبُه ويتعطَّش للمسة حَنان منك لا يجد منك كلَّما عاد إلى بيته إلاَّ الإهمال والتجاهُل، ووجدك رثَّة الثياب، مشغولة دائمًا في أعمال المطبخ والغسيل وفض مشاجرات الأولاد.
وهو الذي تقَعُ عينه بقصدٍ أو بدُونه على زميلاته في العمل أو المتبرِّجات من النساء التي تسلب لبَّه فيبدأ المقارنة بينك وبينهن!
وكُونِي على يقينٍ أنَّ كفَّتهن أرجح وأخطر، وإنْ كان زوجك يخاف الله ويغضُّ بصره، ولا يخونك ويخاف من الحرام، فهذا أمرٌ يُحسَب له لا لك.
لكن ما يكبته في قلبه وتعطُّشه للغذاء العاطفي الذي يَروِيه ولا يجده منك، سيجعله حتمًا يخرج عن صَمته كردِّ فعلٍ لإهمالك إياه.
وربما يغضَب لأسباب تافهة، أو يتلفَّظ بالطلاق بمناسبةٍ وغير مناسبة.
أنت طالق إنْ خرجت، أنت طالق إن ذهبت لفلان، أنت عليَّ حرام... وهكذا.
ويبدأ من جهتك الشكُّ في تصرُّفاته، ويلعَب الشيطان لعبته في إيقاد نار الشك في هذا التغيير، ويُوَسوِس لك بوجود امرأةٍ أخري!
وتبدأ المشاجرات مَن هي؟ ومتى وأين عرفتها؟!
وما أغناك عن كلِّ ذلك بأنْ تهتمِّي بنفسك قليلاً؛ فإنَّ لزوجك عليك حقًّا، فليكن بيتك جنَّتك ومصدر سَعادتك، كُوني أمامَه في أجمل صورة وأطيب رِيح، وسوف ترَيْن العجب!
يقول الإمام السيوطي في كتابه "الإيضاح في علم النكاح": إنَّ الفُقَهاء أكثروا من نُصح النساء باستكمال زينتهنَّ داخل المنازل؛ وذلك بتسريح الشعر وتزيينه، والتطيُّب بالطيب أمام الزوج ليطيب قلبه، اهـ.
وعلى الزوج أيضًا ألا يُهمِل هذا الجانب؛ فالزوجة يسعدها أنْ تجد زوجَها في صورة ورائحة طيِّبة، وفي الخبر المشهور أنَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - "كان لا يُفارِقه المشط والمدرى والمرآة في سفر ولا حضر".
وهي سنَّة العرب، وهو - صلَّى الله عليه وسلَّم - قد أمرنا بسنن الفطرة التي فيها النظافة العامَّة كما في حديث أنس - رضي الله عنه - قال: "وقَّت لنا النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في قصِّ الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط، وحلق العانة، ألا يترك أكثر من أربعين ليلة))؛ أخرجه مسلم في الطهارة (258)، والترمذي في الأدب (2758).
وعلى الزوج أنْ يُدرِك أنَّ زوجته مثله تمامًا، وله في ابن عباسٍ - رضي الله عنهما - قدوةٌ؛ فقد رُوِي أنَّه قال: إنِّي لأتزيَّن لزوجتي كما تتزيَّن لي، وما أحبُّ أنْ أستَنظِف كلَّ حقي الذي لي عليها فتستوجب حقَّها الذي لها عليَّ؛ لأنَّ الله - تعالى - قال: ï´؟ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ï´¾ [البقرة: 228].
وقال ابن الجوزي - في صيد الخاطر (1/201) - ما مختصره: فينبغي للعاقل أنْ يكون له وقتٌ معلوم يأمُر زوجته بالتصنُّع له فيه، ثم يغمض عن التفتيش ليطيب له عيشه، وينبغي لها أنْ تتفقَّد من نفسها هذا، فلا تحصره إلا على أحسن حال، وبمثل هذا يَدُوم العيش.
فأمَّا إذا حصَلت البذلة بانتْ بها العيوب، فنبت النفس وطلبت الاستبدال، ثم يقع في الثانية مثل ما وقع في الأولى، وكذلك ينبغي أنْ يتصنَّع لها كتصنُّعها له؛ ليدوم الود بحسن الائتلاف، ومتى لم يجر الأمر على هذا في حق مَن له أنفة من شيءٍ تنبو عنه النفس، وقع في أحد أمرين: إمَّا الإعراض عنها، وإمَّا الاستبدال بها.
ويحتاج في حالة الإعراض إلى صبرٍ عن أغراضه، وفي حالة الاستبدال إلى فضل مُؤنة، وكلاهما يُؤذِي، ومتى لم يستعمل ما وصَفْنا لم يطبْ له عيشٌ في متعة، ولم يقدر على دفْع الزمان كما ينبغي، اهـ، انظر: صيد الخاطر؛ لابن الجوزي، فصل دوام الود بحسن الائتلاف.
الأمر الثاني: فتح جسر بينهما للتفاهُم والتشاوُر:
الحاجز النفسي الذي أوجده إهمالُ كلٍّ منهما للآخَر بسبب كثْرة مشاكل الأولاد وتربيتهم ورعايتهم، والهموم والغموم التي تُحِيط بالأسرة، ومُرور الأعوام وفتور العاطفة... إلخ.
لا بُدَّ لهذا الحاجز من هَدمِه وبناء جسرٍ من التفاهُم والانسجام بينهما قوامُه رعاية كلٍّ منهما لحقوق الآخَر؛ حتى يكون التآلُف والتآزُر بينهما قائمًا على أساس المعروف، لا على أساس الهوى والنزوة.
فلا يُهمِل الزوج حُقوقَ زوجته لمجرَّد خطَأ منها أو شيء يكرهه فيها، وكذلك لا تهمل الزوجة حُقوق زوجها لبخلٍ منه، أو أذى بدر منه؛ لسوء فهم، أو سرعة غضب، أو غير ذلك.
نعم؛ ينبغي لكلٍّ من الزوجين التجاوُز عن أيِّ هفوةٍ أو زلَّةٍ من الطَّرَفِ الآخَر، ولا يطلب من شريكه أنْ يكون مثاليًّا خاليًا من العيوب؛ ولهذا أوصى النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - الرجل بتجاوُز بعض الهفوات من الزوجة لضعفها؛ فقال: ((لا يَفرَك مؤمنٌ مؤمنةً، إنْ كَرِهَ منها خلقًا رَضِيَ منها آخَر - أو قال: غيره))؛ أخرجه مسلم في الرضاع ح/1469.
قال النووي في شرح الحديث: قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا يَفرَك مؤمنٌ مؤمنةً، إنْ كَرِهَ منها خلقًا رَضِيَ منها آخَر - أو قال: غيره))؛ يَفرَك: بفتح الياء والراء وإسكان الفاء بينهما، قال أهل اللغة: فرِكه بكسر الراء يفرَكه إذا أبغضه، (والفَرْك) بفتح الفاء وإسكان الراء: البُغض.
ثم قال - رحمه الله -: أي: ينبغي ألاَّ يبغضها؛ لأنَّه إنْ وجد فيها خلقًا يُكرَه وجد فيها خلقًا مرضيًّا، بأنْ تكون شرسةَ الخلق، لكنها ديِّنة، أو جميلة، أو عفيفة، أو رفيقة به، أو نحو ذلك، اهـ.
وأوصى أيضًا بغضِّ النظر عن هَفوات الزوج وابتغاء مرضاته؛ فقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ألا أُخبِركم برجالكم من أهل الجنَّة؟ النبيُّ في الجنَّة، والصديق في الجنَّة، والشهيد في الجنَّة، والمولود في الجنَّة، والرجل يزُورُ أخاه في ناحية المصر لا يزورُه إلا لله - عزَّ وجلَّ - ونساؤكم من أهل الجنَّة: الودود الولود العؤود على زوجها؛ التي إذا غضبَ جاءتْ حتى تضع يدها في يد زوجها وتقول: لا أذوقُ غمضًا حتى تَرضَى)).
ونكتَفِي هنا بما ذكرناه من وَصايا لحلِّ مشاكل الزواج، والله من وراء القصد، وهو يَهدِي السبيل.