
14-02-2021, 04:58 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,749
الدولة :
|
|
رد: رد على من زعم عدم وجود سند خاص بالمتن
رد على من زعم عدم وجود سند خاص بالمتن
محمود العشري
الرد على قولهم: "مَنْ قرأ رواية حفص فهو مجاز بمتني التحفة والجزرية تضمنًا".
يعنون بذلك: أن كل مَن قرأ رواية حفص على شيخه يعتبر مجازًا في متني: "التحفة والجزرية"؛ لأنه قرأ القرآن على شيخه مجودًا من خلالهما!
تمهيد:
أولاً: هل يلزم الطالب أن يحفظ "التحفة والجزرية" حتى يأخذ السند؟
ثانيًا: هل يلزم الطالب أن يقرأ القرآن بمضمن "التحفة والجزرية" دون غيرهما من المتون أو الكتب؟
ثالثًا: هل الطالب الذي قرأ القرآن على شيخه قرأ أيضًا متني: "التحفة والجزرية" حتى يَقْرأَهما قراءة صحيحة ويُحَفِّظَهما ويُعَلِّمَهما لغيره؟
رابعًا: افترضنا أن الطالب قرأ "التحفة والجزرية" على شيخه مع قراءته للقرآن، هل شيخه قرأ هذين المتنين على شيخه، وشيخه كذلك حتى نتيقَّن أن السند متصل إلى صاحبه؟
والجواب على ما مضى بحول الله وقوته:
أولاً: لا يلزم من الطالب - الذي يريد أن يقرأ رواية حفص - حفظ متني: "التحفة والجزرية" حتى يأخذ السند، وإن أنكرتم ذلك، فكيف كان حال الذين يَقْرؤون القرآن على شيوخهم قبل الشاطبي وابن الجزري والجمزوري؟!
وكذا أقول في القراءات السبع والعشر، فلا يلزم الطالب حفظ المتن فيهما دون غيرهما بل الذي يلزمه: أن يؤدِّي الرواية أو القراءة تأدية صحيحة على شيخه من حيث "الأصول والفرش"؛ لذا قال ابن الجزري - رحمه الله - في منجد المقرئين ص 52: "ويلزمه أيضًا أن يحفظ كتابًا مشتملاً على ما يُقرِئ به من القراءات أصولاً وفرشًا، وإلا داخله الوهم والغلط في كثير".
إذًا المهم هو: أن يقرأ الطالب الرواية أو القراءة قراءة صحيحة، دون الرجوع أو الالتزام بمتن معيَّن، وإن كان حفظ المتن أفضل وأوثق وأسرع في استحضار المعلومة؛ لذا قالوا: "من حفظ المتون حاز الفنون"، وإذًا فقد كانوا قبل الشاطبي وابن الجزري والجمزوري وغيرهم، يقرؤون ويُقْرِئُون بمضمن ما كان عندهم أو عند مَن سبقهم من العلماء؛ ككتب أبي عمرو الداني، ومكي بن أبي طالب، والمرعشي، والقرطبي، وغيرهم.
وعلى هذا: فمَن أُجِيز في رواية حفص من غير حفظ للتحفة والجزرية، فإجازته عند أهل العلم صحيحة مقبولة، إلا أنه لا يقال: إنه أجيز في التحفة والجزرية؛ لأن المتن تأليف خاص بمؤلِّفه، فلا يخلط سند القرآن بسند المتن،وهذا بالضبط كمَن تعلَّم العقيدة أو أي مادة علمية أخرى على شيخه دون كتاب ولا متن معين، ثم يأتي ويقول: أنا تعلَّمت على يد شيخي العقيدة، فأنا مجاز في الأصول الثلاثة، وكتاب التوحيد، ولمعة الاعتقاد، والواسطية، والطحاوية، وربما يقول: أنا مجازٌ في كل كتب العقيدة، فهذا لا شك فيه أنه أخطأ؛ لأن متن الأصول الثلاثة وغيره له سند خاص بمؤلفه، متَّصِل إليه من خلال مَن أخذ منه، وكذلك بقية الكتب والمتون في العقيدة، والفقه، واللغة، والتفسير، والحديث.
ثانيًا: لا يلزم الطالب أن يقرأ القرآن بمضمن "التحفة والجزرية" دون غيرهما من المتون، كما أوضحتُ سالفًا، ولأن بعض القرَّاء في وقتنا الحالي لا يُقرئ بمضمنهما، إنما يقرئ بمضمن متن "السلسبيل الشافي" لشيخه، أو شيخ شيخه العلامة/ عثمان مراد - رحمه الله - والبعض مِن هؤلاء المشايخ لا يحفظ متني "التحفة والجزرية"؛ لأنه يقول: إن السلسبيل أغنى عنهما؛ لأنه جمعهما وجمع أشياء أخرى ليست فيهما، وعلى ذلك أقول لهؤلاء الناس الذين قرؤوا على شيوخهم: أنتم مجازون في متن "السلسبيل الشافي"؛ لأن شيخَكم كان يقرئ بمضمنه، وربما الواحد منهم لا يستطعُ قراءته، فكيف يكون مجازًا في "التحفة، أو الجزرية، أو السلسبيل، أو الشاطبية"، أو غير ذلك من متون أهل العلم، وهو لا يعرف قراءة ألفاظ هذه المتون؛ لعدم تلقيها عن شيخ؟!
ثالثًا: هل الطالب الذي قرأ القرآن على شيخه قرأ أيضًا متني "التحفة والجزرية" حتى يَقْرَأهما ويُقْرِئهما قراءة صحيحة ويحفِّظهما ويعلِّمهما لغيره؟!
هذا سؤال مهم، بل في غاية الأهمية، وعليه مدار الموضوع كله، وللإجابة على هذا السؤال - ومن خلال الواقع الذي أراه عند كثير من المشايخ - أقول: إن أكثر الطلاب يقرؤون القرآن فقط، ثم يأخذون السند، ويذهبون دون الاهتمام بقراءة متني "التحفة والجزرية"، أو كتاب معين في علم التجويد، فهل هذا الطالب يعتبر مجازًا في متني "التحفة الجزرية"؟! كيف ذلك؟!
• بعضُهم لا يحفظ "التحفة ولا الجزرية"، وهم كثيرون جدًّا، وبعضُ مَن يأتي إليَّ يقول لي: أريد أن أقرأ القرآن، وأنا قرأتُ على فضيلة الشيخ العلامة فلان، وفضيلة الشيخ الدكتور فلان، فأقول له: هل تحفظ "التحفة والجزرية"؟ فيقول: لا.
يا إخواني الكرام، اذهبوا إلى أي شيخ من المشايخ الكبار الذي قرأ عليه المئات، وقولوا له: يا شيخ، كم طالبًا من الذين قرؤوا عليكم القرآن قرأ أو حَفِظَ عليك متني "التحفة والجزرية"؟ وانتظر الجواب.
• وأيضًا بعض الناس يَقْرَؤُون القراءات العشر دون حفظ لمتني "الشاطبية والدرة"، بل يَقْرَؤون من خلال كتاب "البدور الزاهرة" للشيخ القاضي - رحمه الله - وغيره من الكتب التي أفردت القراءات، فيقرأ هذا الطالب "القراءات السبع" أو "العشر" من خلال هذه الكتب قراءة صحيحة من حيث "الأصول والفرش"، فهل هذا الطالب يعتبر مجازًا في متني "الشاطبية والدرة" مثلاً بالسند المتصل إلى صاحبهما؟!
فإن قلتم: نعم، أقول: كيف ذلك، وهو لا يستطيع أن يقرأ مقدمة الشاطبية والدرة، فضلاً عن بقية المتن؟! والكل يعلم صعوبة متن الدرة في ألفاظه.
وإن قلتم: لا، أقول: نفس الأمر في التحفة والجزرية وغيرهما، كيف يكون مجازًا فيها، وهو ربما لا يستطيع قراءة باب منها كما هو حال البعض؟!
وإن قلتم: لا بد من حفظ "الشاطبية والدرة" لقراءة القراءات العشر، أقول: هذا الكلام مردود؛ حيث إن المتن سبب لاستحضار القراءات ومعرفتها جيدًا، فكيف كان حال مَن كان قبل الشاطبي، وابن الجزري في قراءة القراءات؟!
إذًا قراءتهم باطلة، طالما أننا قلنا بوجوب قراءة القراءات من خلال حفظ الشاطبية والدرة، وكما قال ابن الجزري - رحمه الله - في المنجد: "ويلزمه أيضًا أن يحفظ كتابًا مشتملاً على ما يقرئ به من القراءات أصولاً وفرشًا، وإلا داخله الوهم والغلط في كثير"؛ فهذا يدل على أن الطالب يكفيه أن يحفظ كتابًا، أو أن يقرأ من خلاله قراءة صحيحة فقط، والأصل هو: أداء الرواية أو القراءة أو القراءات، أداءً صحيحًا من حيث "الأصول والفرش".
تنبيه:
لا يلزم من كلامي السابق أن الطالب الذي يقرأ القراءات، لا بد أن يحفظ أو يقرأ متني الشاطبية والدرة على شيخه، ثم يأخذ فيهما سندًا، وكذلك متني التحفة والجزرية؛ فكم من عالمٍ يحفظ هذه المتون ويدرِّسها؛ ولكنه ليس معه فيها سندٌ، وإنما كلامي منصبٌّ على مسألة معيَّنة، وهي: الرد على مَن زعم عدم وجود سند خاص في المتون.
• والبعض لا يعرف أيَّ شيء عن أحكام التجويد أصلاً، لا من كتاب ولا متن، بل يقرأ عمليًّا فقط كما سمع من الأشرطة، وأكثر الشيوخ تسمع فقط، ولا تسأل عن أحكام التجويد.
• وإذا كان البعض يحفظ متني "التحفة والجزرية" ولم يقرأهما على شيخه، فما يدرينا أن هذا الطالب يحفظهما حفظًا جيدًا خاليًا من الأخطاء؟ أو يقوم بتعليمهما أو تحفيظهما لغيره دون أخطاء، وبالتالي يقع المحظور من الألحان وغيرها، وكما قيل:
مَنْ يأخذِ العلمَ عَنْ شَيْخٍ مُشَافَهَةً
يَكُنْ عَن الزَّيْغِ وَالتَّصْحِيفِ فِي حَرَمِ
وَمَنْ يَكُنْ آخِذًا لِلْعِلْمِ مِنْ كُتُبِ
فَعِلْمُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ كَالْعَدَمِ
• إذا سلَّمنا أن بعض المشايخ قرأ على شيخِه هذين المَتْنَينِ - كما يقول البعض - فما يدرينا أن شيخَه معه إجازة خاصة بذلك المتن؟ وأيضًا ما يدرينا أن شيخه قرأ على شيخه، وشيخه على شيخه، وهكذا، حتى يتصل السند بالقراءة - دون انقطاع أو سقط - إلى صاحبه؟
فينبغي البحث عن شيخ قرأ المتن على شيخه، وشيخه على شيخه، وهكذا؛ حتى يتصل السند إلى صاحبه بالقراءة.
• بعد فتح المجال الآن للقراءة من المصحف نظرًا عند بعض المشايخ، هل هذا يجعل الطالب يحفظ متني "التحفة والجزرية"؟ فكيف يكون حال الطالب الذي لم يحفظ القرآن، وربما يقع في أخطاء جلية وهو يقرأ من المصحف، فكيف نقول عن هذا الطالب: إنه مجاز في "التحفة والجزرية"، وهو قرأ القرآن كله من المصحف؟! وبالتالي نادرًا مَن يحفظ المتنين بهذه الطريقة، إلا أن تكون همته عالية، فيقرأ القرآن من المصحف، ويقرأ التحفة والجزرية على شيخه غيبًا عن ظهر قلب.
تنبيه:
القراءة بالنظر في المصحف، وإن كانت مضبوطةً مع التجويد، لكن ينقصُها التلقِّي عن ظهر قلب؛ حتى يبقى جميع السند مسلسلاً بهذه الصفة، والأصل أن الطالب يعرضُ القرآن الكريم كلَّه على شيخه حفظًا عن ظهر قلب، والعرض من المصحف، وإن جوَّزه بعض العلماء كالسيوطي في الإتقان (1/ 131)، ولكن هذا الأمر فتح الباب على مصرعَيه الآن، فأصبح الذي يقرأ من المصحف يستوي مع َمن يقرأ من حفظه، فضلاً عن الاستواء في السند عن الشيخ!
قال الدكتور/ محمد بن فوزان - حفظه الله - في إجازات القراء ص59: "والذي يظهر لي - والله أعلم - جواز هذا النوع من الإجازات بشروط، هي: عدم قدرة القارئ على الحفظ - الإفادة في الإجازة بأنه أُجِيز بقراءته من المصحف مباشرة - يُمنع المجاز بهذه الطريقة من إجازة غيره، فهي له بمثابة إجازة خاصة - عدم فتح هذا النوع من الإجازة أمام عامَّة الناس، والضرورات تقدَّر بقدرها".
أقول: وبعضهم قال: إذا أراد المُجاز أن يُقرئ غيره، فليقرئه من المصحف كما قرأ هو على شيخه من المصحف، والله أعلم.
رابعًا: افترضنا أن الطالب قرأ "التحفة والجزرية" على شيخه مع قراءته للقرآن، هل شيخه قرأ هذين المتنينِ على شيخه، وشيخه كذلك؛ حتى نتيقَّن أن السند متصل بالقراءة إلى صاحب المتن؟
وقد رددتُ على هذه الجزئية في الكلام الذي مضى، والحمد لله.
الخلاصة:
1- السند في "التحفة، والجزرية، والشاطبية"، وغيرها من المتون، ليس بدعةً على حد قولهم، وهذه المتون فيها سند خاص إلى صاحب المتن، يأخذه الطالب إذا حَفِظ وقرأ المتن على شيخه، سواء قرأ المتن غيبًا عن ظهر قلب، أو قرأه نظرًا؛ لأن الهدف هو معرفةُ ألفاظ المتن مع فهمه جيدًا، والعمل بمقتضى ذلك.
2- ليس كل مَن قرأ حفصًا على شيخه، أصبح مجازًا في متني "التحفة والجزرية" بالتضمن، كما وضَّحت ذلك، فلا يخلط سند القرآن بسند المتن؛ لما بينَّته سالفًا.
3- الأفضل لطالب القرآن أن يبحثَ عن شيخ مُسنِدٍ ومُتقِن في هذه المتون؛ ليحفظها ويقرأها عليه، ليأخذ سندًا متصلاً إلى صاحبه.
4- وجودُ إجازةٍ خاصة في المتن يجعل الطالب أكثر همَّة في حفظ هذا المتن وتَعَلُّمِه؛ فكثير - كما قلت - لا يحفظون متني "التحفة والجزرية"، فإذا قلت للطالب: احفظ متني "التحفة والجزرية" جيدًا، كي تأخذ فيهما الإجازة مع إجازة القرآن، فيذهب ويحفظهما حفظًا جيدًا؛ لينال الإجازة فيهما.
5- على الطالب الذي يريد إجازة في متنٍ ما، أن يقرأ شرح هذا المتن جيدًا حتى يفهمَه، وحتى لا تكون الإجازة خالية من العلم، وكذا الشيخ لا يعطي لأي أحد جاء إليه يطلب الإجازة، إلا بعد أن يتأكَّد منه في إتقانه وحفظه للقرآن، أمَّا أن يأتي بعض الناس وهو لم يحفظ القرآن ولم يدرِ شيئًا عن التجويد والمتون، ويأخذ سندًا في هذين المتنين! فلا ينبغي التساهل في ذلك.
6- الأفضل للطالب أن يعرض المتن كلَّه من أوله إلى آخره على شيخه، ولا يكتفي بعرض بعضه إلا إذا كان متقنًا وقرأ المتن على أكثر من شيخ.
7- نحن نثبت ونقول: إن هناك أسانيد بالمتون متصلة إلى أصحابها، ويجوز قراءتها على الشيخ الذي معه سند متصل، ثم نأخذ السند من الشيخ، ومعنا الأدلة على ذلك، وأنتم تنفون هذا الشيء، فأين دليلُكم على هذا النفي مع وجود ضده - الإثبات - عند كثير من القراء؟
8- وأخيرًا: أمامك - أخي الكريم، يا صاحب القرآن - الفرصة بأن تقرأ متني "التحفة والجزرية"، وغيرهما من متون التجويد والقراءات على الشيوخ المسنِدين ولا تستكبر، وتواضع، عسى الله أن ينفع بك.
وهذا آخر ما تيسَّر قوله في هذه المسألة، أسأل الله -تعالى- أن يرزقَنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يجنِّبنا شر الخلاف، وأن يوفِّقنا للحق والعمل به، آمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] هذا المبحث منقول بتمامه عن كتاب: "إعانة المستفيد بضبط متني "التحفة والجزرية" في علم التجويد"؛ للشيخ حسن بن مصطفى الوراقي - حفظه الله.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|