
14-02-2021, 04:43 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,212
الدولة :
|
|
رد: العقم.. الأسباب والعلاج.. نظرة شرعية
علاج العقم بالوسائل الحديثة ... نظرة شرعية(5)
د. محمد بن هائل المدحجي
علاج العقم بالوسائل الحديثة ... نظرة شرعية(5)
التلقيح الصناعي (الحلقة الخامسة)
نبدأ الحديث في هذه الحلقة مع نازلة من نوازل العصر لها تعلق بعلاج العقم وهي نازلة (التلقيح الصناعي) ، والحقيقة أن التلقيح الصناعي ليس علاجاً للعقم من جهة أن الأسباب التي أدت لعدم الإنجاب باقية كما هي ، لكن يتم التدخل عبر التلقيح الصناعي حتى يحصل الإنجاب رغم بقاء أسباب العقم .
والتلقيح في اصطلاح الأطباء هو:" التقاء الخلية الجنسية المذكرة بالخلية الجنسية المؤنثة، فيختلطان ليكونا اللقيحة " ، أوهو: " دخول الحيوان المنوي المذكر في بويضة الأنثى ".
والطريق المعتاد لحصول الولد هو أن يتصل الرجل بالمرأة اتصالاً حقيقياً عن طريق الجماع، فيحصل الالتقاء بين ماء الرجل وبويضة المرأة، فيتم الحَبَل بإذن الله، ومن ثمَّ الولادة، وهذا هو المقصود بالتلقيح الطبيعي.
وهذا النوع من التلقيح هو الذي فطر الله الناس عليه، وهو الأصل في طلب الولد لأمور منها:
[1] أنّ الجماع من المقاصد الرئيسة في الزواج؛ لما فيه من المتعة واللذة التي أوجدها الله تعالى للزوجين، ولما فيه من تحصين الفرج وحفظه عن الوقوع في الفواحش.
[2] أنّ الجماع بين الزوجين بالحالة الطبيعية أستر للزوجين وأصون لهما، ولا شكّ أنّ كشف العورة لغير الزوجين أمر تحرِّمه الشريعة وتنهى عنه، إضافة إلى نفور ذوي الطباع السليمة منه.
[3] أنّ الله تبارك وتعالى شدّد في حفظ النسب، ولعن من انتسب إلى غير أبيه، ولا شكّ أنّ الإنجاب من الجماع الطبيعي بين الزوجين أمر مضمون العاقبة سليم النتيجة، بخلاف التلقيح الصناعي الذي قد تكتنفه الشكوك وتحوم حوله .
لكن قد لا يتحقق الإنجاب من خلال التلقيح الطبيعي؛ لوجود خللٍ في الزوجين أو أحدهما تعذر علاجه ، الأمر الذي يجعلهما في حاجة إلى سلوك طريق آخر يتمّ عن طريقه حصول الولد، وهو ما يعرف بالتلقيح غير الطبيعي أو التلقيح الصناعي، وهو : نقل الحيوانات المنوية للرّجل، ووضعها في الجهاز التَّناسلي للمرأة، أو الحصول على الحيوان المنويّ للرّجل وبويضة المرأة، وتلقيحها خارج الرَّحم في أنبوب، ثمّ إعادة زرعهما بطريقة طبيَّة معيَّنة في رحم المرأة.
ومن خلال ما تقدم يمكن تقسيم التلقيح الصناعي بالنظر إلى مكان حدوث التلقيح إلى نوعين رئيسين، وهما:
[1] التلقيح الصناعي الداخلي : وهو: إدخال مني الرجل في المجاري التناسلية للمرأة بغير اتصال جنسيّ، عن طريق حقنه في الموقع المناسب داخل مهبل المرأة أو رحمها، بطريقة اصطناعية بواسطة المحقن، بهدف الإنجاب.
[2] التلقيح الصناعي الخارجي : ويسمى عند الأطباء بطفل الأنبوب، وهو عبارة عن أخذ بويضة المرأة، وتلقيحها بمنيِّ الرَّجل خارج الجسم في أنابيب خاصة، وذلك بوسيلة طبيَّة معيَّنة، وبعد أن يتمّ تكوين البويضة الملقحة، وتبدأ بالانقسام والتكاثر في الأنبوب، تنقل إلى داخل الرحم، وتزرع في جداره، ثم تترك بعد ذلك لتنمو وتتطوَّر.
ويلجأ الأطباء إلى التلقيح الصناعي الداخلي في بعض الحالات المرضية مثل:
[1] إذا كانت حموضة المهبل تقتل الحيوانات المنوية للزوج بصورة غير اعتيادية.
[2] في حال كثافة إفرازات عنق الرحم، بحيث تمنع هذه الإفرازات الحيوانات المنوية من الدخول.
[3] في حال قلة الحيوانات المنوية عند الرجل، أو ضعفها وكثرة عدد أشكالها المشوهة وغير المتحركة.
[4] في حال كون الزوج عنيناً، أو سريع الإنزال، مع قدرته على إنتاج حيوانات منوية سليمة.
[5] إذا كان هناك تضاد مناعي بين الخلايا الجنسية للزوج والزوجة.
[6] إذا أصيب الزوج بمرض يستدعي العلاج بالأشعة والعقاقير التي تؤدي إلى العقم، فتؤخذ دفعات من المني وتحفظ، ثم تلقح الزوجة بها في الوقت المناسب.
كما يلجأ الأطباء إلى التلقيح الصناعي الخارجي في بعض الحالات المرضية مثل:
[1] انسداد قناتي المبيض أو تلفهما لدى المرأة، بسبب الالتهابات أو بسبب نقص في التكوين، بحيث لا تسمح للحيوانات المنوية بالوصول إلى البويضة لإخصابها، وهذا هو السبب الرئيس لإجراء التلقيح الصناعي الخارجي.
[2] في حال قلة الحيوانات المنوية عند الرجل، أو ضعفها وكثرة عدد أشكالها المشوهة وغير المتحركة.
[3] إذا كان هناك تضاد مناعي بين الخلايا الجنسية للزوج والزوجة.
[4] في حال وجود مرض انتباذ البطانة الرحمية عند المرأة.
[5] في حالات العقم غير معروفة السبب سواءً للزوج أو للزوجة.
ويجب ملاحظة أن نسبة نجاح عملية التلقيح تتراوح بين (10-15%)، و(10-30%) في أفضل التقادير. ويتفق التلقيح الصناعي الخارجي مع التلقيح الصناعي الداخلي في كون التلقيح يتم فيهما جميعاً دون اتصال الرجل بالمرأة عن طريق الجماع، لكنه يخالفه في أن التلقيح يتم خارج جسد المرأة، أما في الداخلي فيتم داخل جسد المرأة.
وباستقراء أهداف التلقيح الصناعي نجد أنها لا تخرج عن الأهداف العشرة التالية _ بغض النظر عن حكمها الشرعي _ :
[1] تحقيق الإنجاب للأزواج غير القادرين على الإنجاب: وهذا هو الهدف الرئيس، والذي من أجله ظهرت تقنية التلقيح الصناعي.
[2] تحقيق الإنجاب للأزواج غير القادرين على الاتصال الجنسي المباشر بسبب غياب الزوج لمدة طويلة: ومما يدخل تحت هذا الهدف:
(أ) تحقيق الإنجاب في حال سفر الزوج لمدة طويلة بسبب عمله في بقاع نائية، أو لكونه يحارب خارج بلاده، فيقوم الزوج بحفظ سائله المنوي في بنك المني، فتستطيع زوجته إجراء تلقيح صناعي أثناء مدة غيابه. : وقد كان الجنود الأمريكيون في حرب فيتنام وحرب الخليج (عاصفة الصحراء) يعطون منيهم لبنوك المني من أجل تحقيق هذا الهدف .
(ب) تحقيق الإنجاب في حال الحكم على الزوج بالسجن لمدة طويلة، حيث يرى البعض أن التلقيح الصناعي حق للمحكوم عليه؛ وذلك حتى لا يؤدي سلب هذا الحق منه إلى عدم قدرته على الإنجاب فيما بعد، خاصةً إذا طالت فترة العقوبة المحكوم بها.ومن ذلك ما نشر في بعض المواقع الإلكترونية من تلقيح النساء صناعيا من أزواجهن على أرض فلسطين، نظرا لصعوبة الالتقاء بسبب وضع هؤلاء الرجال في سجون الاحتلال الصهيوني!
[3] تحقيق الإنجاب للمرأة من زوجها المتوفى: فهنا ترغب المرأة في أن تحمل من زوجها الذي مات، وغالباً ما يكون الزوج قد خلّف حيوانات منوية مجمدة في بنك المني، وقد يتم استخراج الحيوانات المنوية من الزوج بعد وفاته، فتقوم المرأة بإجراء التلقيح الصناعي لهذا الهدف.
[4] تحقيق الإنجاب لامرأة غير متزوجة: فهنا ترغب امرأة غير متزوجة في أن تحمل، فتقوم بشراء حيوانات منوية من بنك المني ليتم تلقيحها بها، أو تقوم بشراء بويضة ملقحة من بنوك الأجنة ليتم غرسها في رحمهما لتتحقق لها رغبتها.
[5] تحديد جنس الجنين: فهنا يكون الغرض من إجراء التلقيح الصناعي هو اختيار جنس الجنين ليس إلا، فبعد أن يتم التلقيح وتبدأ اللقيحة في الانقسام، يتم استعمال تقنية التشخيص الوراثي، وذلك لمعرفة ما إذا كانت اللقيحة ذكراً أو أنثى، وفي حالة كون اللقيحة من الجنس المطلوب تنقل إلى الرحم، وإلا فلا.
[6] تجنب التشوهات الوراثية للأجنة: فهنا يكون الغرض من إجراء التلقيح الصناعي هو الخوف من إصابة الجنين بتشوهات خلقية وراثية، فيتم استعمال تقنية التشخيص الوراثي والفحص الجيني، وذلك لمعرفة ما إذا كانت اللقيحة مصابة بالمرض الوراثي أم لا، فإذا كانت مصابة تم استبعادها، وإذا كانت سليمة يتم نقلها إلى الرحم.
[7] تحقيق إنجاب ذرية بمواصفات معينة: فبنوك المني في البلاد الغربية تشتري النطف من المتميزين في المجتمع: كمخترع، أو عالم، أو لاعب مشهور، أو مغنٍّ ذائع الصيت، أو من الفائزين في مسابقة كمال الأجسام ونحو هؤلاء، فيمكن للراغب في شراء مني شخص ذي مواصفات معينة دفع الثمن، وإجراء التلقيح الصناعي، وانتظار المولود.
[8] حصول المرأة على ذرية بدون تحمل تبعات الحمل والولادة: فقد يكون وضع المرأة الاجتماعي لا يمكنها من القيام بعمليتي الحمل والولادة؛ لكونها تشغل منصباً لا تستطيع مع وجوده التفرغ للحمل والولادة، فتلجأ إلى التلقيح الصناعي، ولكن مع استئجار أم بديلة تقوم بحمل الجنين بدلاً عنها، ثم تسليمه لها بعد ولادته.
[9] تحقيق هدف علمي: فالهدف هنا من إجراء التلقيح الصناعي أن يصل العلم إلى نتائج معينة مقطوع بنجاحها وصحتها بعد أن كانت محل شك واختلاف، ثم بعد ذلك تستفيد منها البشرية جمعاء.
[10] زيادة عدد أفراد المجتمع: فقد ذكر بعضهم أنه يمكن في الحالات التي يقل فيها عدد أفراد المجتمع - وخاصة الرجال منهم - بسبب الحروب أو الأوبئة العامة أن يتم تعويض النقص من خلال التلقيح الصناعي، وهذا افتراض نظري، لكن لا يبعد وقوعه يوماً ما في البلاد التي لا تقيم للنسب وزناً.
فهذه أبرز أهداف التلقيح الصناعي ، منها الجائز ومنها المحرم ، وهذا ما سيتبين إن شاء الله تعالى من خلال الحديث عن أحكام التلقيح الصناعي ، والتي نشرع في بيانها فيما يلي :
أولاً : حكم التلقيح الصناعي بين نطفتي الزوجين
اختلف الفقهاء المعاصرون في حكم التلقيح الصناعي بين نطفتي الزوجين ، والصحيح أن التلقيح الصناعي بين نطفتي الزوجين جائز بشروط وضوابط معينة، وإليه ذهب المجمع الفقهي الإسلامي المنبثق عن رابطة العالم الإسلامي، ومجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي، واللجنة الفقهية الطبية الدائمة في الأردن، والمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، وهو قول أكثر الفقهاء والباحثين المعاصرين.
وشروط جواز التلقيح الصناعي كما يلي:
[1] أن تدعو الحاجة لإجراء التلقيح الصناعي، بأن يكون التَّلقيح الصِّناعي هو الوسيلةَ الوحيدة الممكنة للإنجاب: وهو ما يعني أن يكون اللُّجوء إلى هذه الوسيلة بعد استنفاذ كافة الوسائل الأخرى الممكنة لعلاج أيّ مانعٍ من موانع الإنجاب؛ فإذا استحال العلاج أمكن اللُّجوء إلى هذه الوسيلة إذا أمكن حصول الإنجاب بها.
[2] أن يؤمن اختلاط الأنساب بوجود ضمانات كافية تمنع استعمال مني غير الزوج وبويضة غير الزوجة في كل مراحل التلقيح الصناعي، وأن يصدر قانون ينظم هذه العملية، بحيث يترتب على كل من يتلاعب بها عقوبات رادعة.
[3] أن يتم التحقق من قيام الزوجية بين من أخذ منه السائل المنوي والمرأة المراد تلقيح بويضتها، فلا يكفي أن تتمَّ عمليّة التَّلقيح الصناعي بين رجل وامرأة تربطهما علاقة زوجية، بل يجب إضافة إلى ذلك أن تتمَّ عملية التَّلقيح والعلاقة الزَّوجية ما زالت قائمةً، وأن يتم التلقيح بالتراضي بين الزوجين.
[4] أن يتم مراعاة أحكام كشف العورة المتعلقة بالفحص الطبي، والتي تتمثل في أن يكون كشف العورة عند الضرورة أو الحاجة المقدرة بقدرها، وأن يكون المعالج امرأة مسلمة إن أمكن ذلك، وإلا فامرأة غير مسلمة، وإلا فطبيب مسلم ثقة، وإلا فغير مسلم بهذا الترتيب، فإن كان الذي يجري عملية التلقيح رجلاً فيشترط انتفاء الخلوة.
والدليل على جواز التلقيح الصناعي بين نطفتي الزوجين:
[1] الأدلة العامة الدالة على جواز التداوي، والتلقيح الصناعي لحاجة الإنجاب من جنس التداوي.
[2] قياس التلقيح الصناعي على التلقيح الطبيعي الذي يقع بين الزوجين عن طريق الوطء، فهو لا يختلف عنه إلا في طريقة إيصال المني إلى البويضة.
[3] أن من مقاصد الشريعة الإسلامية إبقاء النسل وحفظه، ومن أهم مقاصد الزواج في الإسلام إنجاب الأبناء، وهذا يتحصَّل عن طريق التلقيح الطبيعي، ولكن إذا تعذر فإنه يلجأ إلى التلقيح الصناعي، فهو محقق - بإذن الله - لهذا المقصد العظيم، فيكون جائزاً في ظل قيام الزوجية، وبرضى الزوجين.
[4] أن حاجة المرأة المتزوجة وحاجة زوجها إلى الولد تعد غرضاً مشروعاً يبيح لهما هذا الأسلوب من أساليب التلقيح بشروطه وضوابطه، الشريعة الإسلامية قائمة على اليسر ودفع المشقة والحرج عن المكلف، وفي إباحة التلقيح الصناعي بين نطفتي الزوجين دفع للحرج والمشقة عن الزوجين بإنجاب طفل يسعدان به، وتحقيق لتمام نعمة الزواج لهما.
فالولد من أشدِّ ما تدعو حاجة الإنسان إليه، ولذلك امتنَّ الله به على عباده في كثيرٍ من الآيات، ووصفه بأنه هبةٌ منه سبحانه وتعالى، فقال سبحانه:{لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ}(الشورى:49) وعدَّه هو والمالَ زينةَ الحياة الدنيا، فقال تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ... }(الكهف:46)، وها هو نبي الله زكريا يسأل ربه الولدَ، فيقول: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً* يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً}(مريم 5:6) ، فتأتيه البشارة من الله سبحانه وتعالى في قوله: {َيا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّا}(سورة مريم: 7)، ومن ثَمّ جاء في قرار المجمع الفقهي الإسلامي المنبثق عن رابطة العالم الإسلامي: " أن حاجة المرأة المتزوجة التي لا تحمل، وحاجة زوجها إلى الولد، تعتبر غرضًا مشروعًا يبيح معالجتها بالطريقة المباحة من طرق التلقيح الاصطناعي ".
لكن لا بد من الإشارة إلى أن بعض الباحثين منعوا التلقيح الصناعي، وأبرز ما استدلوا به للمنع أمران:
الأمر الأول : أن في التلقيح الصناعي كشفاً لعورة المرأة المغلظة أمام الطبيب - وهو رجل أجنبي - في مقابل أن هذا التلقيح لا يعد ضرورة يباح من أجلها التكشف والتعري، كما أن منفعته موهومة؛ إذ لا تتجاوز نسبة النجاح فيه (20-30%) .
وقد نوقش هذا الدليل من وجوه:
الأول: أن الشخص الذي لم ينجب لعارض يعد مريضاً يحتاج إلى الدواء، وقد أجاز الفقهاء كشف العورة والنظر إليها لحاجة التداوي، فيجوز كشفها لحاجة التلقيح.
الثاني: على فرض أن الإنجاب ليس من الضرورات فهو مطلوب شرعاً، وهذا يتضمن الإذن بعلاج ما يمنع منه، والإذن بالعلاج يتضمن الإذن بكشف العورة، فيقاس على الختان، حيث ذهب كثير من العلماء إلى أنه سنة، ومع ذلك فقد أجازوا كشف العورة لأجله.
الثالث: أن كشف العورة في هذا التلقيح لم يأت على سبيل القصد؛ لأن القصد منه تحقيق الإنجاب للزوجين، وإنما جاء على سبيل التبع، ومن القواعد الفقهية " يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في غيرها ".
الرابع: أن ما ذكر من أن منفعة التلقيح الصناعي موهومة إنما يرجع فيه لأهل الاختصاص، والحمل قد يتحقق بإذن الله بهذا التلقيح وإن كانت نسبة نجاحه ضعيفة، ثم إن المسلم مأمور بالأخذ بالأسباب المشروعة أما النتائج فهي بإذن الله تعالى.
أما الأمر الثاني الذي استدل به من منع التلقيح الصناعي أنه يؤدي إلى إثارة الشكوك والشبهات في صحة الأنساب؛ وذلك أنه من الممكن الخطأ في البويضات وفي الحيوانات المنوية، فتلقح البويضات بمني غير الزوج، وهذا يؤدي إلى اختلاط الأنساب، بل قد يبدّل الطبيب نطفة الزوج بنطفة غيره عن عمد وسوء نية، لاسيما في الطبقات التي تجهل تعاليم الإسلام، أو لا تعبأ بها لضعف الدين فيها، وقد حرم الله الزنا والتبني؛ لأنهما من أسباب اختلاط الأنساب، فكذلك التلقيح الصناعي.
وقد نوقش هذا الدليل: بأن التلقيح الصناعي لا يجوز إلا بالشروط والضوابط التي قررها المجيزون له، وفيها من الاحتياطات ما يمنع من حدوث مثل تلك المحاذير التي ذكرت، فنسب الطفل ثابت لوالديه، ولا مجال للشك فيه.
ومن جهة أخرى فإنه يلاحظ أن الكثير من المراكز الطبية تُجري الآلاف من التحاليل، ومع وجود احتمال الخطأ تبقى الثقة بها قائمة، ومن البدهي أنه يحرم إجراء مثل هذا التلقيح في المراكز غير الجديرة بالثقة.
إذن القول بجواز التلقيح الصناعي بنوعيه بين نطفتي الزوجين هو الصحيح.
ومما هو جدير بالذكر أن بعض الباحثين ذهب إلى أنه لا يجوز إجراء التلقيح الصناعي في بلاد الكفار؛ نظراً لعدم انطباق شروط المجيزين هناك، وهذا ظاهر جداً، اللهم إلا أن يوجد مركز طبي في بلد من بلاد الكفار يقوم عليه مسلمون، وتطبّق فيه الشروط السابقة، فهنا تنتفي الحرمة؛ وذلك لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
ومن جهة أخرى فإنه يمكن أن يضاف إلى شروط جواز التلقيح الصناعي ألا يتم أخذ مني الرجل في نهار رمضان - إن كان ممن يجب عليه الصوم -؛ لما يترتب على ذلك من إفساد الصوم دون ضرورة .
وللحديث بقية بإذن الله تعالى...
والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|