عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 11-02-2021, 04:20 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,140
الدولة : Egypt
افتراضي رد: سياحة نازح (مقامة أدبية)



ثم لما شنف أسماعي بأبياته الرائعاتِ، وعباراته المُلهباتِ، ونغماتها المحزنات، وأبعادها المؤثرات الموجعات، وثَبْتُ وثبة أُسامة، في عزَّةٍ وشهامَة، فقلتُ:




سألتَ جارًا قضى عُمْرًا بجانبِكُم

ففِي دَمي أنتَ تَجري في شَراييني




لا أترُكنَّك مَهْما صارَ إنَّ عَلى

فؤادِ حُبِّيَ نيرانًا تُلَظِّيني




بحُبِّنا سوفَ نبقى لا يُغَيِّرُنا

شيءٌ، ألا فادخلوا واستوْطِنوا عيني




لنا عليكُم حُقوقٌ لا نُضيِّعُها

إكرامُكم يا أَخي مِن مطلَبِ الدِّينِ




وحبُّكم واجبٌ يا خيرَ مَن عرفَتْ

عَيْني، ورُؤيَتُكم حقًّا تُداويني









ففرح وابتهَج، وشعر بالفرَج، ثم ابتدرتُه، وقلت: مرحبًا بالجار السابِق، والجار اللاحِق، مرحبًا بك إلى منزل ذي غرفتين، وشرفتين شاهقتَين، وعاهتين ثنتَين، وأسرتين عريقتين، فالعاهتان عاهةُ انثلام السَّقف، كل ثُلمَةٍ بحَجْمِ الكَفِّ، والأخرى انكشافُ الفناء، ومكابدةُ العناء، فدخلَ على وجَل، ونظرَ إلى البيت في عجَل، وأطرق هنا ثم انتقَل، ثم أترَح وابتذَل، وقال: بوركتَ ووُفِّقت، وهُنِّيتَ وسُدِّدْت، أنعِم بقصرِك الْمَشِيد، ومسكَنِك العَميد، وموطِنِك التَّليد!





ثم انقسمنا فرقتين، وانشطرنا جهتَين؛ النساء في غرفة، والرجال في ضفَّة، وعشنا عيشة البُسطاء اﻵمنين، خيرًا من المتألمين المعانين، في مُدن المعارِك، وغُبار السَّنابِك.




فكم كنتُ أشكو منزلاً ليَ ضيِّقًا

بِه مِن عَوادي الدَّهْرِ كلُّ العجائِبِ




صغيًرا ومهجورًا وليسَ زمانَهُ

وغادره الأقرانُ مِنْ كلِّ جانِبِ




على الناسِ منظورًا كأنَّا ونَحنُ في

فَنَاهُ جنودٌ في لِباسِ المُحارِبِ




وفيه مِنَ العاهاتِ ما لَو رَأيتَهُ

لعدَّدْتَ فيه أُمَّهاتِ المَثالِبِ




ولكنْ بَدا قصرًا لَنا حَيْثُ غَيرُنا

قَدِ استَوطَنوا بطنَ الفَلا والسَّباسِبِ









لقد انقطعت المواصلات، وسُبُلُ الاتِّصالات، لكنه لا يأسَ مع إيمان، ولا جزَع لمن وثقَ بالرحمن، لقد كان لسان الحمد لاهِجًا في كل حِين، فكيف يجرؤ اليأسُ أن يلجَ قلوبَ المتوكِّلين؟!





نحمد الله على ما صار، والخير فيما مَولانا قد اختار، ثم أيقَنَّا أنَّ لذنوبنا سببًا فيما جَرى، ولتقصيرِنا عاملاً مِمَّا نَرى، والحمدُ لله دائمًا، على جَنْبٍ وقاعِدًا وقائِمًا.





بقي بابُ الرجاءِ مَفْتُوْحًا لا يُوْصَد، ودائمًا لا يُرْصَد، قاصدوهُ قِلَّة، من أهل المِلَّة، في زمنِ الرخاء، والدَّعةِ والاسترخاء، فإذا حلَّت الكارثةُ المُلِمَّة، أو الفتنةُ المدلهمَّة، أسرَعوا إليه، وتسابَقوا عَلَيه، ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ﴾ [الإسراء: 67].





قال صاحبي: وها هي علامات انفراج الضِّيق، والخروجِ من المضِيق، باديةً ظاهرَة، لكلِّ عينٍ باصرَة، لقد هَطلَ غيْثُ النَّصْر، وعلَّلتْنا اﻷنفسُ بمغادرةِ القصر! تتحررُ البلاد، وتزولُ اﻷوتاد، وينهزمُ اﻷوغاد، وتتزاحم اﻷعياد، وها هي اﻷخبارُ السَّارةُ تتقادَم، وأنباءُ الفرجِ تتلاءم، وأمواجُ الظلماتِ في غيِّها تتلاطَم، إلى مكان سحيق، وإلى درَكاتِ الحريق، تقتل نفسَها حَرقًا، أو توقعُها شنْقًا.





وقد قيل من البداية: لكلِّ ظالمٍ نهايَة، وقد صارَتْ في الحياة عبرةً وآية، مطَّرِدةً دائمَة، وللظالمينَ مُلازِمَة، وللمجرمِ الندامَة، هنا ويومَ القيامَة، إلا من عادَ وأناب، وندِمَ وتَاب.





قال صاحبي: وإني وأنا أرى ثمرةَ الاصْطِبار، والتؤَدَة والانتظار، ﻷَجني ثَمرًا طريًّا، وأشربُ ماءً عذبًا نقيًّا، ثم أَتأمل مليًّا، في قولِ الكريمِ الوهَّاب: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: 10].





الصبر خَتْمُ الخير، وثمرة بعد كل عسير، ومجلبَة التيسير، وهو مثل اسمِه مُرٌّ طعمُه، كثيرٌ ألَمُه، إلا أن عاقبته مليحَة، ونهايته مريحة.





ثم أخبرني صاحبي أنَّ موعد العودة كاد يكون قريبًا، وليس مُريبًا، نداؤه بدنوٍّ قد صار، وإن ظننت طوال الادِّكار.





حتى بدا لي متفائلاً، ثم نظر إليَّ متسائلاً: ألا ترى فرج الله عاجلاً، ولو حسبته آجلاً؟! فالحمد لله على التمام، والشكر له في الختام.





حينما جعلنا من المرارةِ حلاوَة، ومن النظرة اليائسةِ منظَرًا عليه طلاوَة، وإداوة وهِراوَة، ومن الليمون عصيرًا حُلوًا، ولا ضرر ولا عَدْوى، ولا يأسَ ولا ابتئاس، ولا انحراف ولا انتِكاس، صيَّر من اﻷلم أملاً، ومن اﻷجل عجَلاً، ومن التعب فتوَّة وقوة، ومن البعيد قرابة وأخوَّة، ومن العَناء صبرًا، ومن الصمت ذِكرًا، ومن التعب جِهادًا، فحقَّقْنَا بذلك مُرادًا، وكسَبْنا به ازديادًا، وجعَلْنَا اللهَ عُدَّة وعتادًا، جحَدْنا بما سواه، ووحَّدْناه، كفَرْنا باﻷضداد، واﻷنداد، وكنا به مؤمنين، وبنصرِه واثقين.






ثم تركتُه وهو مبتسِم، ودمعُ الفرحة منسجِم.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 23.66 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 23.03 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.65%)]