فوائد من مصنفات العلامة ابن عثيمين (2) من تجارب الشيخ
فهد بن عبدالعزيز عبدالله الشويرخ
ورد في حديث إسناده فيه مقال, يرويه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا حليم إلا ذو عثرة, ولا حكيم إلا ذو تجربة ) [أخرجه الترمذي وأحمد, قال الترمذي: حديث حسن غريب, لا نعرفه إلا من هذا الوجه, وضعفه الإمام الألباني برقم 6297 في ضعيف الجامع, وقال محققو مسند الإمام أحمد: إسناده ضعيف].
والإنسان كلما كمل في عقله, استفاد من تجارب غيره, فصاحب التجربة قد يكون عنده علم ومعرفة في أمرٍ من الأمور أكثر من المتخصص فيه, وتجارب الآخرين زاد لكل من يريد أن يزيد في معرفته وعلمه.
والإنسان يستفيد من كل من سبقه في شيءٍ, ولو كان عدوه, فالرسول عليه الصلاة والسلام استدل بفعل فارس والروم في عدم النهي عن الغِيلة, فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن جذامة بنت وهب الأسدية رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول: ( لقد هممتُ أن أنهى عن الغِيلة حتى ذكرتُ أن الروم وفارس يصنعون ذلك, فلا يضر أولادهم ) [أخرجه مسلم] والغِيلة: وطء المُرضع, قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: في هذه دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد يستدل بفعل الكفار في الأمور العادية والطبيعية, وما أشبه ذلك, وأن التأسي بهم والنظر في حالهم في مثل هذه الأمور لا بأس بها, لأن هذا ليس من أزيائهم, وليس من حُلاَهم, كما نأخذ مثلاً بما عندهم من علم الطب وغيره, فهذا مثله.
ومن كان عنده تجارب فينبغي أن يقدمها لغيره ليستفيدوا منها, فكليم الله ونبيه موسى عليه السلام عندما مر به نبينا محمد صلى الله وسلم في حادثة الإسراء والمعراج, بعد أن فرض الله جل جلاله علي أمته خمسين صلاة, سأله عليه السلام: ما فرض الله على أمتك؟ فأجابه عليه السلام: فَرَضَ خمسين صلاة, فقال له موسى عليه السلام: إني قد جربتُ الناس قبلك, وإني عالجت بني إسرائيل أشدَّ المعالجة, وإن أمتك لن يطيقوا ذلك, فارجع إلى ربك فاسأله أن يخفف عنه.
فكليم الله ونبيه موسى عليه السلام أخبر بتجربته مع بني إسرائيل, وخليل الله نبينا محمد عليه الصلاة والسلام استفاد من تلك التجربة, وسأل الله الكريم التخفيف عن أمته في عدد الصلوات المفروضة كل يوم حتى صارت خمس صلوات, فجزاهما الله خير الجزاء, ففعلهما كان من باب الشفقة والرحمة بأمة محمد صلى الله عليه وسلم.
فالحري بكل مسلم أن يقدم تجاربه لغيره, وعلى من بُذلت له أن يقلبها ويعمل بها ما كانت تجربة نافعة, تجلب خيراً, أو تدفع شراً.
والشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى له تجارب في طلب العلم, وفي التعامل مع الناس, وفي غيرها من شئون الحياة, وهو كعادته رحمه الله لا يترك فرصة تأتي فيها مناسبة إلا ويذكر فيها ما ينفع إخوانه المسلمين, ومن ذلك: أنه كان يذكر رحمه الله تجاربه وما مرّ عليه من تجارب, إذا جاءت مناسبة لذلك في دروسه ومحاضراته, لكي يستفيد منها غيره, وهو يؤكد على ما يذكر من تجارب بقوله: نحن جربنا بأنفسنا, وهذا شيء مجرب, وجرب تجد.
وقد يسّر الله الكريم جمع شيءٍ منها, أسأل الله أن ينفع بها جامعها وقارئها وناشرها.
القرآن الكريم شفاء للأمراض الحسية ولعسر الولادة
قال الشيخ رحمه الله: القرآن شفاء للأجسام دعنا من أمراض القلوب فهي أمراض خفية تُداوى بهذا الوحي العظيم لكن حتى الأمراض الحسِّيَّة فإنها تُداوى بهذا الوحي العظيم.
نزل قوم بعثهم النبي صلى الله عليه وسلم في سرية على قوم من الناس, ولكن هؤلاء الذين نزلوا بهم لم يضيقوهم, فتنحى الصحابة ناحية, فبعث الله عقرباً شديدة اللسع, فلدغت سيدهم فتعب منها, فطلبوا راقياً ليرقيه, فقالوا: لعل مع هؤلاء القوم راقياً, فجاءوا إلى الصحابة وقالوا: إن سيدهم لُدغ فهل عندكم من راقٍ؟ قالوا: نعم, عندنا من يرقي, ولكن هل لديكم من جعل؟ أي: عوض, قالوا: نعم, لكم هذا القطيع من الغنم, أنجوا صاحبنا, فذهب أحد القوم, وجعل يقرأ على هذا اللديغ بفاتحة الكتاب: {الحمد لله رب العالمين} قرأها عليه فقام حتى كأنما نُشِطَ من عقالٍ, يعني: كأنه بعير فُكَّ عقالُه, أي انبعث نشيطاً لقراءة الفاتحة عليه....
وهذا شيء مُجرَّب, ولكن لا ينفع إلا من آمن بذلك من قارئ ومقروءٍ عليه, فإذا كان القارئ مؤمناً والمقروء عليه مؤمناً بفائدة هذا القرآن, انتفع به المريض, أما إذا كان يقرأ على سبيل الشَّكِّ والتجربة, فإنه لا ينفع.
القرآن شفاء حتى للإمراض الحسية, كما في هذا المثال, وكما جُرِّب أن يكتب على الحزا –قروح وبثرات تظهرُ في القدم أو في اليد أو في الذراع– يُكتبُ عليها {فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت} [البقرة:266] إذا كتبت هذه الآية عليها مرة أو مرتين, زالت – بإذن الله- نهائياً, ولو وضعت عليها كل دواء من الأدوية المعروفة ما نفع, لكن اكتب عليها هذه الآية تزُل, وهذا شيء مُجرَّب.
في عسر الولادة تعسر الولادة على المرأة أحياناً, اقرأ في ماء, أو اكتب بزعفران على جدران الإناء الآيات التي فيها أن الله سبحانه وتعالى مُعتن بالحمل, مثل: {الله يعلم ما تحمل كل أُنثى وما تغيض الأرحامُ وما تزاد وكُلُّ شيءٍ عنده بمقدار} [الرعد:8] ومثل: {وما تحمل من أُنثى ولا تضعُ إلا بعلمه} [فاطر:11] ومثل: {إذا زلزلت الأرض زلزالها * وأخرجت الأرض أثقالها} [الزلزلة:1-2] وما أشبه ذلك من الآيات, ثم تشربها المرأة التي عسُرت ولادتها, وتمسح ما حول المكان, وبإذن الله يسهُل خُروج الحمل, لكن كما قلت: المسألة تحتاجُ إلى إيمان من القارئ والمقروء عليه.
قال جامعه: لا يستغرب ما قاله الشيخ رحمه الله من أن القرآن الكريم كلام رب العالمين شفاء للأمراض الحسية, قال العلامة ابن القيم رحمه الله: وكيف تقاوم الأدواء كلام رب الأرض والسماء الذي لو نزل على الجبال لصدعها أو على الأرض لقطعها فما من مرض من أمراض القلوب والأبدان إلا وفي القرآن سبيل الدلالة على دوائه وسببه والحمية منه لمن رزقه الله فهماً في كتابه, وقال: شفاء القرآن لا يُناسب إلا الأرواح الطيبة والقلوب الحية.
وقد أورد ابن القيم في كتابه القيم " زاد المعاد في هدى خير العباد " في الجزء الرابع صفحة: 357, من الطبعة الرابعة عشر لمؤسسة الرسالة آثاراً عن بعض السلف أنهم يكتبون آيات من القرآن لعسر الولادة.
طلب حكم مسألة من المسائل
قال الشيخ رحمه الله: والعجيب أني أحياناً وهذا عن نفسي أطلب حُكم مسألةٍ من المسائل, فيما عندي من كتب الفقهاء, وفيما أعرفه من السنة, ولا أجدها, ثم أتأمل في آية من القرآن توحي بحكم هذه المسألة, فإذا تأملت وجدت الحكم في القرآن, فيطمئن الإنسان إلى القرآن {تبياناً لكُل شيءٍ} وهداية لكل حائر, وقال في [فتا:26/416]: نحن جربنا بأنفسنا فأحياناً تمر بنا المسألة نطلبها فيما عندنا من كتب أهل العلم فلا نجدها لها حكماً, ثم إذا رجعنا إلى كتاب الله وسنة ورسوله صلى الله عليه وسلم , وجدناه قريبة يتناولها اللفظ بعمومه, أم بمفهومه, أو بإشارته, أو بلازمة, أو غير ذلك من أنواع الدلالة المعروفة.
حبس النفس على طلب العلم
قال الشيخ رحمه الله في: العلم يحتاج إلى تعب...الذي يريد أن يستريح لا يقول: إنه طالب علم, فلا بد لطالب العلم أن يكون طالب علم على سبيل الحقيقة, وسيجد أثر ذلك فيما بعد, سيجد النتيجة والتحصيل, وهو قد يشق عليه في أول الأمر أن يحبس نفسه على العلم, لكن إذا اعتاد حبس نفسه على العلم صار ذلك سجية له وطبيعة له, حتى إنه إذا فقد ذلك الحبس انحبس, وجرِّب تَجِد, فأنا قد جربت وغيري قد جرب, فإذا حبست نفسك على العلم فإنك تفقد ذلك الحبس لو تأخرت عنه...فالله الله على الحرص على طلب العلم...الذي يريد العلم لا بُدَّ أن يُكبَّ عليه وأن يجتهد, وهو وأن أتعب جسمه الآن سيجد الراحة فيما بعد.
قراءة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم رحمهما الله
قال الشيخ رحمه الله: أنا أنصح إخواني طلبة العلم بقراءة كتب شيخ الإسلام رحمه الله وابن القيم..وقد أوصى بهما شيخنا رحمه الله عبدالرحمن بن سعدي لأنه رحمه الله انتفع بكتب الشيخين انتفاعاً كبيراً, ونحن انتفعنا بهما والحمد لله, فنشير على كل طالب علم أن يقرأهما وينتفع بهما.
أبرك العلم ما كان في المساجد
قال الشيخ رحمه الله: العلم لا يقتصر طلبه في الحضور إلى الكليات ودراسة موادها, بل إن من أبرك العلم تحصيلاً وتأثيراً في النفس وفي العمل والمنهج هو ما يحصل في المساجد, فما أبرك علم المساجد لأن المساجد فيها خير وبركة, ولذلك أنا أقول لكم عن نفسي: إن العلم الحقيقي الذي أدركته هو العلم الذي قرأته على المشايخ, وإن كنت استفدت من الجامعة في فنون أخرى, لكن العلم الراسخ المبارك هو ما يدركه الإنسان عند المشايخ...ولذلك أنا أحثُّ الطلاب على ألا يقتصروا على مواد الجامعة إذا كان لديهم وقت وقدرة.
أهمية معرفة الأصول والقواعد والضوابط
قال الشيخ رحمه الله: لا بد من معرفة الأصول والقواعد, ومن لم يعرف الأصول حرم الوصول, وكثير من طلبة العلم تجده بحفظ مسائل كثيرة, لكن ليس عنده أصل, لو تأتيه مسألة واحدة شاذة عما كان يحفظه ما استطاع أن يعرف لها حلاً, لكن إذا عرف الضوابط والأصول استطاع أن يحكم على كل مسألة جزئية من مسائله, ولهذا فأنا أحثُّ إخواني على معرفة الأصول والضوابط والقواعد لما فيها من الفائدة العظيمة, وهذا شيء جربناه, وشاهدناه مع غيرنا على أن الأصول هي المهم
يتبع