عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 20-01-2021, 04:11 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,544
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مقدمات أساسية لتدبر القرآن الكريم والدخول إلى عوالمه الإيمانية

مقدمات أساسية لتدبر القرآن الكريم والدخول إلى عوالمه الإيمانية


أحمد الريفي





5- الاستسلام لله تعالى والشعور بأن تحقيق العبودية له تعالى حقاً وصدقاً لن تكون إلا إذا شعرت بأن القرآن هو ماء الحياة لقلبك وحبل النجاة لنفسك، وأنه لا نور ولا انشراح لصدرك، ولا زوال ولا جلاء لكل أحزانك، ولا ذهاب لجميع أنواع همك وغمك، إلا بالعيش في رحاب القرآن، والشعور بالفقر التام له، والحاجة الملحة لحبل نوره، وسر روحه وحياته، قتقبل عليه إقبال الملهوف، وتفر إليه فرار من يخاف على نفسه الهلاك والضياع والتيه، وتبحث عن نوره بحث من أطبق عليه الظلام وأبطأ في دروبه وضروبه، لا أن تقرأه قراءة من يريد إشباع نهمه الفكري والعقلي فقط. فعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول اله صلى اله عليه وسلم قال: "ما أصاب عبدا قط هم ولا حزن، فقال: الله إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ماض في حكمك عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو انزلته في كتابك او علمته أحدا من خلقك او استأثرت به في علم الغيب عندك، ان تجعل القرآن الكريم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء وحزني، وذهاب همي وغمي، إلا أذهب الله همه وغمه وحزنه، وأبدله مكانه فرحا" قال: فقيل يا رسول اللهن أفنتعلمها؟ فقال: "بلى ينبغي لمن سمعها ان يتعلمها"[9]



6- أن تعتقد أن لا وجود لك على الحقيقة – الوجود المعنوي الإنساني، لا الوجود الجسدي الحيواني- وألا حياة لك – الحياة النفسية والروحية التي هي سر إنسانيتك - إلا بالاستجابة لندائه، والحضور لخطابه ودعوته، والاستماع لأوامره ونواهيه في شتى مواضيع حياتك، إذ السر كل السر في تحقيق وجودك المعنوي يكمن في هذه الحقيقة، حقيقة الحياة القرآنية التي حياة قلبك وروح نفسك، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ الأنفال 23" إذ الإنسان الذي هو مخلوق خاص لله، يتميز عن باقي المخلوقات بأن جعل الله له وجوديْن: وجود مادي، ووجود معنوي، وسر الإنسان وقيمته إنما هو في الوجود الثاني، أي الوجود المعنوي، وهذا الوجود متوقف على "الوحي" إذ هو روحه ومادة حياته، وسر وجوده وإبصاره وكذلك سماه الله ووصفه: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ ﴾ " الشورى51".



كما سمى سبحانه سر حياة الجسد وسر الوجود المادي الأول بالروح: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ "الإسراء 84"، فكلاهما من أمر ربي باعتبارها سر الحياة والوجود، روح الوجود المادي الجسدي، وروح الوجود المعنوي النفسي. فلا بد من حضور هذه الحقيقة عند تلاوة القرآن وتدبره، أي باعتباره روح الإنسان النفس، وسر حياته ووجوده الإنساني.



7 - التفكر في عظمة الله سبحانه وتعالى وعلوه وفضله ولطفه بخلقه، عندما أنزل علينا هذا الكتاب، فإن القرآن عظيم، لأنه كلام الله، والله عز وجل عظيم، ومع ذلك فقد جعل كلامه مدركا لعقول البشر المحدودة، وإلا هو فوق طاقتنا، ولكن جعل كلامه عز وجل مفهوماً ميسراً: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴾ "القمر:40" ولولا أن الله جعله مُيسراً ما استطعنا تلاوته ولا حفظه ولا فهمه؛ لأنه فوق عقولنا، ولأنه نور من نور، وأنى لمخلق ضعيف كالإنسان يتحمل أنوار الله تعالى التي اندكَّ لها لها الجبل العظيم، لما تجلى الله بنوره على هذا الجبل ﴿ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا ﴾ "الأعراف 142" لكن الله سبحانه وتعالى برحمته سهَّله وقرَّبه لنا، ثم جعله بلغة العرب وهي أكمل لغات العالم.



فبقدر تعظيمك لله تعالى يعظم القرآن الكريم في صدرك، فتشعر بجلاله ونوره وجماله...ففي "فهم القرآن النجاة، وفي اﻹغفال عنه الهلكة، فلو ذاب أهل السماوات، وأهل اﻷرض حين يسمعون كﻻم الله عز وجل، أو ماتوا خمودا أجمعون لكان ذلك حق لهم، ولما كان ذلك كثيرا إذ تكلم الله عز وجل به تكليما من نفسه من فوق عرشه، من فوق سبع سمواته. فإذا عظم في صدرك تعظيم المتكلم به، لم يكن عندك شيء أرفع وﻻ أشرف وﻻ أنفع ولا ألذ وﻻ أحلى من استماع كلام الله جل وعز، وفهم معاني قوله، تعظيما وحبا وإجﻻلا إذ كان تعالى قائله، فحب القول على قدر حب قائله..
قال عبد الله بن مسعود "من أراد أن يعلم أنه يحب الله عز وجل فلينظر هل يحب القرآن" ([10])




ولذلك على القارئ أن يستحضر هذا المعنى وهو يقرأ القرآن الكريم، ليشعر في قلبه عظمة المتكلم وهو الله سبحانه وتعالى وكان عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه إذا نشر المصحف غُشي عليه، ويقول: كلام ربي.. كلام ربي.." ([11]) فتعظيم الكلام تعظيمٌ للمتكلم، كما مر فكلام الحارث المحاسبي.



8- أن يتأمل ما في هذا القرآن من الختم والطبع على قلوب الذين لا يفقهون ولا يعقلون وسياق ذلك، ويدعو الله ألا يكون منهم؛ لأن الذين طبع الله على قلوبهم غير موفقين ولا مؤهلين لتدبر القرآن الكريم، ويندرج تحت هذا، التخلي عن موانع الفهم التي تمنع الفهم، فإن أكثر الناس منعوا عن فهم معاني القرآن بأسباب، وحجب من النفس والشيطان؛ فعميت عليهم عجائب القرآن وجلاله وجماله، ومن ثم هدايته، فالله تعالى وصف هذا القرآن بأنه هدى للمتقين ﴿ الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ " البقرة 1.2" ولذلك فإن الإصرار على الذنوب والمعاصي من أسباب ظلمة القلب وصدئه، ومن ثم حجبه عن رؤية الحق والاهتداء به كالمرآة فإن صدأها يمنع الصورة الجلية، والقلب مثل المرآة، والشهوات مثل الصدأ، ومعاني القرآن مثل الصور التي تتراءى في المرآة، فكلما كانت المرآة نظيفة كانت المعاني التي تظهر في الصور أوضح. ولذلك فإن الله قال: ﴿ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴾ "ق:8" فإذا لم يكن منيباً لم يكن القرآن له تبصرةً ولا ذكراً. وقال الله عز وجل:﴿ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ ﴾ "غافر:13". فالذين لا ينيبون وليسوا في مقام الإنابة لا يفهمون القرآن الكريم.



9- الشعور بالتعبد والطاعة والخضوع والتقرب إلى الله تعالى، وأنت تتلو القرآن الكريم، كشعورك بطاعته والتعبد له وأنت في الصلاة والسجود له، إذ تلاوة القرآن من أجل الطاعات وأعظم القربات، ولذلك ﻻ يجوز وﻻ يليق بك أبداً وأنت تتلو القرآن أن تشتغل بشيء آخر سواه سواء كان ذلك ذهنيا وفكريا، أو جسديا وجوارحيا، فإن وقعت في شيء من ذلك ولم ترجع وتنزجر وتستحي من الله فقد أسأت اﻷدب مع الله جل في علاه، فقراءة القرآن تمثل قمة التعبد والطاعة، وهي من أعظم ما يتقرب به إلى الله سبحانه كما مر، ولذلك قدمها سبحانه في الرتبة على الصلاة التي هي أعظم عبادة في اﻹسلام على اﻹطلاق قال تعالى: ﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ ﴾ " العنكبوت 44" ويقول سبحانه: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ[فاطر: 29].. إلى غير ذلك من اﻵيات...



بل حتى الصلاة نفسها لا معنى لها إن كانت بدون القرآن، فهي منزلة من منازل قراءة القرآن وتدبره: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا ﴾ "المزمل 1-2" ولا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، وفاتحة الكتابة هي أم القرآن، ولذلك كانت هي الصلاة، وكانت الصلاة هي الفاتحة، نعم هي الفاتحة ألم يقل الله عز وجل في الحديث القدسي الشريف: " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين... " [12]



إن هذا المعنى – معنى التعبد لله عز وجل بقراءة القرآن وتعظيمه بتلاوته وتدبره- يكاد أن يكون قد اندثر إﻻ من رحم الله تعالى، وإذا أردت الدليل فانظر إلى أحوال الناس وهم يقرؤون القرآن أو يستمعون إليه، وخصوصاً في المناسبات والاجتماعات العامة، لترى ما يحزن له القلب وتدمع له العين، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على الناس –إلا من رحم الله تعالى- قد قست قلوبهم أو كادت، وعميت بصائرهم أو أوشكت، كيف لا وربنا سبحانه يخبرنا عن حالة الجبل مع القرآن-الذي نقول عنه أنه من الجمادات- لو أنزله عليه: ﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ " الحشر 20"

ولله الأمر من قبل ومن بعد، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.





[1] البيهقي، شعب الإيمان، باب تعظيم القرآن.



[2] البرهان ج 2 ص 197.



[3] مختصر منهاج القاصدين ص 97.



[4] مدارج السالكين ج 1 ص 343.



[5] الفوائد ص 8.



[6] أخرجه الطّبر ي في تفسيره عن عروة بن الزبير .21/ 217.



[7] حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ، ص:69.



[8] مفتاح دار السعادة،1 / 187.



[9] أحمد برقم : 799 وصححه الألباني.



[10] الحارث المحاسبي، فهم القرآن ص302 بتصرف.



[11] سنن النسائي - كتاب فضائل القرآن - باب في تعاهد القرآن - رقم3216.



[12] صحيح مسلم، كتَاب الصَّلَاةِ، بَاب وُجُوبِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رقم 603.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 26.70 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 26.07 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.35%)]