المثل الأعلى (2)
الشيخ طه محمد الساكت
قال لي صاحبي: قد حدثتَني عن المُثُل العليا، وكثرة اختلافها، وعزة تحقيقها على وجهها، فهل لك أن تحدثني عن مثالك الذي رسمته لنفسك ورضيته لها، ثم أخذت تحملها عليه؟ قلت له: ألم يأن لك أن تعفيني من هذه المسائل المحرجة؟ أوَلم تعلم أن هذا سر بين العبد وربه، لا يجمل منه أن يذيع به؟ أوَلم أقل لك: أن المثل تغير من حين إلى حين، وأن القلوب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء))؟ قال: إن لم تفعل فسوف أتخذك مثالي الذي أحتذي، وقدوتي التي أتبع، قلت: ويحك! أفتَّان أنت؟ من أنا حتى تتخذني أسوة لك؟! والله إني لفي صراع بيني وبين نفسي، ولما أفرغ من حسابها، وما أظنها إلا غالبتي إلا أن يمدني الله بعون منه، فكيف تتخذ قدوتك مَن ضعُف أمام نفسه ولم يكبح جماحها بعد؟ ألم تتل نبأ الأب الذي قال لابنه: من تحب يا بني أن يكون قدوتك؟ فأجاب من فوره: أنت يا أبت؟ قال: يا بني إني ما بلغت هذه المكانة التي تزعم، إلا بعد أن اتخذت قدوتي علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وبيني وبين علي من الفضل ما ترى، فكيف بك إذا اتخذتني قدوتك؟ قال: إنك أخي في الله، ولأخوتي حق عليك... قلت: نعم، ولكن لكل شيء حد... ولئن أبيت إلا مثالاً يحتذى، إني محدثك حديثًا ما حدثته أحدًا من قبل، لعل فيه إشارة إلى ما سألت، ثم لعل في نشره خيرًا لي ولك، فألق إليَّ السمع.
لبثت مذ عقلت عمرًا أتردد في منهاج أسير عليه، وفي قدوة أهتدي به، وكنت مولعًا - ولا أزال - بتاريخ عظماء الرجال؛ لعلّي أجد فيهم قدوة لي.
ولا تنس أن يكون مثالك الذي تبتغي متفقًا وتربيتَك وبيئتك وميولك، وداخلاً في دائرة الإمكان، وإلا كنت سابحًا في بحار من الخيالات والأوهام.
ويؤسفني أن أقول لك: إن في عظماء التاريخ من بعد السلف الصالح رضي الله عنهم نقصًا كبيرًا؛ فهذا عالم جليل إلا أن فيه خوارًا وضعفًا، وهذا مصلح كبير إلا أن فيه طيشًا وسخفًا، وذاك زعيم أي زعيم، غير أنه يُؤثِر هواه ودنياه، ويخشى الناس ولا يخشى الله، وذلك تقي كريم، غير أنه قريب النظرة، محدود الفكرة، لا يعرف زمانه، ولا يصلح للزعامة، وذلك شجاع همام، قائد مقدام، إن كتب فهو أمير البيان، وإن خطب فهو قس وسحبان، وإن جال أو صال فهو فارس الميدان، بَيْدَ أن الغرور أطغاه، والعُجب أهلكه وأرداه.
وإن كان يؤلمك أن ترى هذه الصورة الناقصة من بعد السلف، فإنه يسرك وينعشك أن ترى في القرون الأولى خيرًا كثيرًا، وفضلاً عظيمًا، فيمِّم وجهك شطر الصحابة والتابعين، وإن شئت فاقتد بخاتم النبيين وإمام المرسلين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين؛ فإنك إن فعلت فقد وجدت الكمال الإنساني كله متمثلاً، والفضائل العليا كلها كاملة، وهنالك تعثر على نشوتك، وتظفر بطَلِبتك، وعند هذه الغاية تبتدئ كمالك، وتحقق مثالك.
والله يعينك ويتولى هداك.
مجلة الإسلام العدد 25 بتاريخ 25 جمادى الثانية سنة 1363هـ، الموافق 16 يونيه سنة 1944م.
[1] تتمة ما نشر في الجزء الخامس عشر من "مجلة الإسلام"، وأصل المثال والمماثلة: المشابهة، ثم استعمل كما في المصباح بمعنى الوصف والصورة، وهو الذي نستسيغه ونفضله في مثل هذا المقام.