معنى اسم الله الحكيم
الشيخ وحيد عبدالسلام بالي
وَنَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ [النساء: 59]، فَقَوْلُهُ فِيهَا: ﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ ﴾ كَقَوْلِهِ فِي هَذِهِ: ﴿ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ﴾.
وَمِنَ الآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ قوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 26].
فَهَلْ فِي الكَفَرَةِ الفَجَرَةِ المُشَرِّعِينَ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُوصَفَ بِأَنَّ لَهُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ؟ وَأَنْ يُبَالِغَ فِي سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ لإِحَاطَةِ سَمْعِهِ بِكُلِّ المَسْمُوعَاتِ وَبَصَرِهِ بِكُلِّ المُبْصَرَاتِ؟ وَأَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ؟ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَمِنَ الآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: 88].
فَهَلْ فِي الكَفَرَةِ الفَجَرَةِ المُشَرِّعِينَ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُوصَفَ بِأَنَّهُ الإَلَهُ الوَاحِدُ؟ وَأَنَّ كُلَّ شَيءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ؟ وَأَنَّ الخَلاَئِقَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ؟ تَبَارَكَ رَبُّنَا وَتَعَاظَمَ وَتَقدَّسَ أَنْ يُوصَفَ أَخَسُّ خَلْقِهِ بِصِفَاتِهِ[25].
وَمِنَ الآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ﴾ [غافر: 12].
فَهَلْ فِي الكَفَرَةِ الفَجَرَةِ المُشَرِّعِينَ لِلنُّظُمِ الشَّيْطَانِيَّةِ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُوصَفَ فِي أَعْظَمِ كِتَابٍ سَمَاوِيٍّ بَأَنَّهُ العَلِيُّ الكَبِيرُ؟
سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ عَنْ كُلِّ مَالَا يَلِيقُ بَكَمَالِكَ وَجَلاَلِكَ.
وَمِنَ الآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ * وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [القصص: 70 - 73].
فَهَلْ فِي مُشَرِّعِي القَوَانِينَ الوَضْعِيَّةَ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُوصَفَ بِأَنَّ لَهُ الحَمْدَ فِي الأُوُلَى وَالآخِرَةِ، وَأَنَّهُ هُوَ الذِي يُصَرِّفُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ مُبَيَّنًا بِذَلِكَ كَمَالَ قُدْرَتِهِ، وَعَظَمَةَ إِنْعَامِهِ عَلَى خَلْقِهِ.
سُبْحَانَ خَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، جَلَّ وَعَلا أَنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ فِي حُكْمِهِ أَوْ عِبَادَتِهِ أَوْ مُلْكِهِ.
وَمِنَ الآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [يوسف: 40].
فَهَلْ فِي أُولَئِكَ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُوصَفَ بِأَنَّهُ هُوَ الإَلَهُ المَعْبُودُ وَحْدَهُ وَأَنَّ عِبَادَتَهُ وَحْدَهُ هِي الدِّينُ القَيِّمُ"[26] اهـ باختصار.
2- اللهُ سُبْحَانَهُ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ وَمَا يَشَاءُ هُوَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ:
قَالَ سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ﴾ [المائدة: 1].
فَاللهُ سُبْحَانَهُ يَقْضِي فِي خَلْقِهِ مَا يَشَاءُ مِنْ تَحْلِيلِ مَا أَرَادَ تَحْلِيلَهُ وَتَحْرِيمِ مَا أَرَادَ تَحْرِيمَهُ، وَإِيجَابِ مَا شَاءَ إِيجَابَهُ عَلَيْهِم، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِهِ وَقَضَايَاهُ. وَلَهُ الحِكْمَةُ البَالِغَةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
وَلَيْسَ لأَِحَدٍ أَنْ يُرَاجِعَ اللهَ فِي حُكْمِهِ، كَمَا يُرَاجِعُ النَّاسُ بَعْضَهُم البَعْضَ فِي أَحْكَامِهِم، قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [الرعد: 41]، فَحُكْمُهُ فِي الخَلْقِ نَافِذٌ، لَيْسَ لأَِحَدٍ أَنْ يَرُدَّهُ أَوْ يُبْطِلَهُ.
3- كَلاَمُ اللهِ حَكِيمٌ وَمُحْكَمٌ:
وَكَيْفَ لَا يَكُونُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَهُوَ كَلَامُ أَحْكَمِ الحَاكِمِينَ وَرَبِّ العَالَمِينَ.
وَقَدْ وَصَفَ اللهُ القُرْآنَ العَظِيمَ - وَهُوَ كَلاَمُهُ المَنَزَّلُ عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم بِأَنَّهُ حَكِيمٌ وَمُحْكَمٌ فِي ثَمَانِ آيَاتٍ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾ [هود: 1].
وَقَوْلُهُ: ﴿ الم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ﴾ [لقمان: 1، 2].
وَقَوْلُهُ: ﴿ يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ﴾ [يس: 1، 2].
وَقَوْلُهُ: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ... ﴾ [محمد: 20].
وَحِكْمَةُ اللهِ تَقْتَضِي ذَلِكَ، تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ القُرْآنُ حَكِيمًا وَمُحْكَمًا؛ لِأَنَّهُ الكِتَابُ الذِي لَيْسَ بَعْدَهُ كِتَابٌ، وَلِأَنَّهُ الكِتَابُ الذِي أًَنْزَلَهُ اللهُ لِيَكُونَ تَشْرِيعًا عَامًّا لِكُلِّ مُجْتَمَعٍ بَشَرِيٍّ وَلِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ، حَتَّى يَرِثَ اللهُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا.
فَالقُرْآنُ حَكِيمٌ فِي أُسْلُوبِهِ الرَّائِعِ الجَذَّابِ، وَحَكِيمٌ فِي هِدَايَتِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَحَكِيمٌ فِي إِيضاحِهِ وَبَيَانِهِ، وَحَكِيمٌ فِي تَشْرِيعَاتِهِ وَحَكِيمٌ فِي كُلِّ أَحْكَامِهِ، وَحَكِيمٌ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَحَكِيمٌ فِي تَرْغِيبِهِ وَتَرْهِيبِهِ، وَحَكِيمٌ فِي وَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ، وَحَكِيمٌ فِي أَقَاصِيصِهِ وَأَخْبَارِهِ، وَحَكِيمٌ فِي إِقْسَامِهِ وَأَمْثَالِهِ، وَحَكِيمٌ فِي كُلِّ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ فَوْقَ ذَلِكَ وَأَعْظَمَ مِنْ ذَلِكَ.
وَالقُرْآنُ أَيْضًا مُحْكَمٌ فَلَا حَشْوَ فِيهِ، وَلَا نَقْصَ وَلَا عَيْبَ كَمَا يَكُونُ فِي كَلاَمِ البَشَرِ، اللهُ أَكْبَرُ مَا أَعْظَمَ هَذَا القُرْآنَ، لَقَدْ بَلَغَ الغَايَةَ فِي البَهَاءِ وَالجَمَالِ وَالكَمَالِ[27].
4- الإِيمَانُ يَقْتَضِي تَحْكِيمَ كِتَابِ اللهِ بَيْننَا:
وَالإِيمَانُ بِمَا سَبَقَ يَقْتَضِي تَحْكِيمَ كِتَابِ اللهِ جَلَّ شَأَْنُهُ بَيْنَنَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ كِتَابٌ مِثْلَ القُرْآنِ حَكِيمًا فِي كُلِّ شَيءٍ.
لِأَنَّ مَا شَرَعَهُ اللهُ سُبْحَانَهُ لِعِبَادِهِ مِنَ الأَحْكَامِ وَالمُعَامَلَاتِ وَالقِصَاصِ وَالحُدُودِ وَتَقْسِيمِ المَوَارِيثِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالأَحْوَالِ الشَّخْصِيَّةِ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ هِيَ فِي مُنْتَهَى الحِكْمَةِ؛ لِأَنَّهَا تَشْرِيعُ الحَكِيمِ العَلِيمِ سُبْحَانَهُ، الذِي لَا يَدْخُلُ حُكْمَهُ خَلَلٌ وَلَا زَلَلٌ، وَلِأَنَّهَا قَضَاءُ مَنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَوَاضِعُ المَصْلَحَةِ فِي البَدْءِ وَالعَاقِبَةِ.
وَقَدْ نَبَّهَ اللهُ سُبْحَانَهُ عِبَادَهُ لِهَذَا بِقَوْلِهِ: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ [المائدة: 50]، وقَوْلِهِ: ﴿ ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [الممتحنة: 10]، وقَوْلِهِ: ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ﴾ [التين: 8].
وَلِذَا فَإِنَّكَ تَجِدُ آيَاتِ الأَحْكَامِ كَثِيرًا مَا تَشْتَمِلُ خَوَاتِيمُهَا عَلَى اسْمِهِ (الحَكِيمِ)، وَمِنَ الأَمْثِلَةِ عَلَى ذَلِكَ:
قَوْلُهُ: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ﴾ إِلِى قَوْلِهِ: ﴿ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 11].
وقَوْلُهُ: ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 24].
وقَوْلُهُ فِي القَتْلِ الخَطَأِ: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 92].
وَقَوْلُهُ: ﴿ وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 130].
وَقَوْلُهُ: ﴿ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [التحريم: 2]، وَغَيْرُهَا مِنَ الآيَاتِ.
5- الإِيْمَانُ يَقْتَضِي تَحْكِيمَ الرَّسُولِ بَيْننَا:
وَقَدْ أَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم بِأَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أُنْزَلَ إِلَيْهِ مِنَ الأَحْكَامِ الرَّبَّانِيَّةِ، وَأَنْ يَتْرُكَ مَا سِوَاهَا مِنَ الآرَاءِ وَالأَهْوَاءِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ [المائدة: 48].
قَالَ سبحانه وتعالى: ﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ [المائدة: 49].
وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الأَمْرُ لِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم خَاصَّةً، وَإِنَّمَا هُوَ مَا أُمِرَتْ بِهِ جَمِيعُ الرُّسُلِ مِنْ قَبْلِهِ، يُبَيِّنُ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ [البقرة: 213].
وَقَوْلُهُ: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا ﴾ [المائدة: 44].
وَالمُؤْمِنُونَ يَرْضُونَ بِحُكْمِ اللهِ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ [النور: 51].
أَمَّا مَنْ لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ وَتَرَكَ تَشْرِيعَ الحَكِيمِ العَلِيمِ، وَأَخَذَ بِآرَائِهِ وَمَا يُمْلِيهِ عَلَيْهِ عَقْلُهُ مِنْ أَفْكَارٍ، أَوِ اتَّبَعَ أَهْوَاءَهُ وَمَا تَشْتَهِيهُ نَفْسُهُ، فَقَدْ وَقَعَ فِي هَاوِيَةِ الكُفْرِ أَوِ الفِسْقِ التِي حَكَمَ اللهُ بِهَا عَلَيْهِ.
وَقَالَ سبحانه: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [المائدة: 44]، وَقَالَ: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [المائدة: 45]، وَقَالَ: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [المائدة: 47].
6- اللهُ سُبْحَانَهُ يُؤْتِي حِكْمَتَهُ مَنْ يَشَاءُ:
كَمَا قَالَ عَنْ نَفْسِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ [البقرة: 269].
وَقَدْ تَنَوَّعَتْ عِبَارَاتُ المُفَسِّرِينَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ ﴾؛ فَمِنْهُم مَنْ قَالَ: هِيَ الإِصَابَةُ فِي القَوْلِ وَالفِعْلِ، وَقِيلَ: هِيَ الفِقْهُ فِي القُرْآنِ وَالفَهْمِ فِيهِ، وَقَالَ بَعْضُهُم: هِيَ الفَهْمُ وَالعَقْلُ فِي الدِّينِ وَالاتِّبَاعِ لَهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ النُّبُوَّةُ، وَقِيلَ هِيَ: الخَشْيَةُ للهِ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ جَامِعًا بَيْنَ الأَقَوْالِ السَّابِقَةِ: "وَقَدْ بَيَّنَا فِيمَا مَضَى مَعْنَى الحِكْمَةِ وَأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنَ الحُكْمِ وَفَصْلِ القَضَاءِ، وَأَنَّهَا الإِصَابَةُ بِمَا دَلَّ عَلَى صِحَّتِهِ، فَأَغْنَى عَنْ تَكْرِيرِهِ فِي هَذَا المَوْضِعِ.
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ مَعْنَاهُ، كَانَ جَمِيعُ الأقْوَالِ التِي قَالَهَا القَائِلُونَ الذِينَ ذَكَرْنَا قَوْلَهُم فِي ذَلِكَ، دَاخِلًا فِيمَا قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الإِصَابَةَ فِي الأُمُورِ، إِنَّمَا تَكُونُ عَنْ فَهْمٍ بِهَا وَعِلْمٍ وَمَعْرِفَةٍ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، كَانَ المُصِيبُ عَنْ فَهْمٍ مِنْهُ بِمَوَاضِعِ الصَّوَابِ فِي أُمُورِهِ فَهِمًا خَاشِيًا لله فَقِيهًا عَالِمًا، وَكَانَتِ النُّبُوَّةُ مِنْ أَقْسَامِهِ؛ لِأَنَّ الأَنْبِيَاءَ مُسَدَّدُونَ مُفَهَّموُنَ وَمُوَفَّقُونَ لِإِصَابَةِ الصَّوَابِ فِي الأُمُورِ، وَالنُّبُوَّةُ بَعْضُ مَعَانِي الحِكْمَةِ.
فَتَأْوِيلُ الكَلاَمِ: يُؤْتِي اللهُ إِصَابَةَ الصَّوَابِ فِي القَوْلِ وَالفِعْلِ مَنْ يَشَاءُ، وَمَنْ يُؤْتِهِ اللهُ ذَلِكَ فَقَدْ آَتَاهُ خَيْرًا كَثِيرًا"[28] اهـ.
7- جَوَازُ غِبْطَةِ مَنْ أُوتِىَ الحِكْمَةَ:
وَقَدْ جَاءَ فِي الحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَنْ أُوتِيَ الحِكْمَةَ يَنْبَغِي أَنْ يُغْبَطَ لِعِظَمِ هَذِهِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ.
وَهُوَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: "لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَآخَرُ آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا"[29].
وَقَدْ ذَكَرَ اللهُ فِي كِتَابِهِ بَعْضَ الذَّينَ آَتَاهُم الحِكْمَةَ وَأَكْثَرُهُمْ مِنَ الأَنْبِيَاءِ.
فَامْتَنَّ عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم بَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾ [النساء: 113].
وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللهُ عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ: ﴿ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 54].
وَعَلَى عِيسَى: ﴿ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﴾ [المائدة: 110].
وَعَلَى داود؛: ﴿ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ﴾ [البقرة: 251].
وَعَلَى لُقْمَانَ العَبْدِ الصَّالِحِ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ ﴾ [لقمان: 12].
وَاللهُ سُبْحَانَهُ أَعَلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ حِكْمَتَهُ.
8- خَلْقُ اللهِ سُبْحَانَهُ مُحْكَمٌ لَا خَلَلَ فِيهِ وَلَا قُصُورَ:
قَالَ تَعَالَى: ﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ [النمل: 88].
وَقَالَ: ﴿ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ﴾ [الملك: 3].
أَيْ: خَلَقَهُنَّ طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ مُسْتَوِيَاتٍ لَيْسَ فِيهَا اخْتِلَافٌ وَلَا تَنَافُرُ وَلَا نَقْصٌ وَلَا عَيْبٌ.
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ﴾؛ انْظُرْ إِلَى السَّمَاءِ فَتَأَمَّلْهَا هَلْ تَرَى فِيهَا عَيْبًا أَوْ نَقْصًا أَوْ خَلَلًا أَوْ فُطُورًا وَشُقُوقًا، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ ﴾ [الملك: 4]؛ أَيْ: مَهْمَا كَرَّرْتَ البَصَرَ مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ لَرَجَعَ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئًا عَنْ أَنْ يَرَى عَيْبًا أَوْ خَلَلًا، وَهُوَ حَسِيرٌ أَيْ: كَلِيلٌ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ الإِعْيَاءِ مِنْ كَثْرَةِ التَّكَرُّرِ وَلَا يَرَى نَقْصًا[30].
قَالَ الخَطَّابِيُّ: "وَمَعْنَى الإِحْكَامِ لِخَلْقِ الأَشْيَاءِ، إِنَّمَا يَنْصَرِفُ إِلَى اتْقَانِ التَّدْبِيرِ فِيهَا، وَحُسْنِ التَّقْدِيرِ لَهَا، إِذْ لَيْسَ كُلُّ الخَلِيقَةِ مَوْصُوفًا بِوَثَاقَةِ البِنْيَةِ، وَشَدَّةِ الأَسْرِ كَالبَقَّةِ، وَالنَّمْلَةِ، وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِنْ ضِعَافِ الخَلْقِ، إِلَّا أَنَّ التَّدْبِيرَ فِيهِمَا، وَالدِّلَالَةَ بِهِمَ عَلَى كَوْنِ الصَّانِعِ وَإِثْبَاتِهِ لَيْسَ بِدُونِ الدِّلَالَةِ عَلَيْهِ بِخَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالجِبَالِ وَسَائِرِ مَعَاظِمِ الخَلِيقَةِ.
وَكَذَلِكَ هَذَا فِي قَوْلِهِ عز وجل: ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ [السجدة: 7]، لَمْ تَقَعِ الإشَارَةُ بِهِ إِلَى الحُسْنِ الرَّائِقِ فِي المَنْظَرِ، فَإِنَّ هَذَا المَعْنَى مَعْدُومٌ فِيالْقِرْدِ وَالخِنْزِيرِ وَالدُّبِّ، وَأَشْكَالِها مِنَ الحَيَوَانِ. وَإنَّما يَنْصَرِفُ المَعْنَى فِيهِ إِلَى حُسْنِ التَّدْبِيرِ فِي إِنْشَاءِ كُلِّ شَيءٍ مِنْ خَلْقِهِ عَلَى مَا أَحبَّ أَنْ يُنْشِئَهُ عَلَيْهِ وَإِبْرَازِهِ عَلَى الهَيْئَةِ الَّتِي أَرَادَ أَنْ يُهَيِّئَهُ عَلَيْهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ﴾ [الفرقان: 2]"[31] اهـ.
9- الحِكْمَةُ مِنْ خَلْقِ الخَلْقِ:
إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الخَلْقَ لِحِكْمَةٍ عَظِيمَةٍ، وَغَايَةٍ جَلِيلَةٍ وَهِيَ عِبَادَتُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَيْثُ قَالَ: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾ [الذاريات: 56 - 58]، وَلَمْ يَخْلُقْهُمْ عَبَثًا وَبَاطِلًا كَمَا يَظُنُّ الكُفَّارُ وَالمَلَاحِدَةُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ﴾ [ص: 27].
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى ﴾ [الأحقاف: 3].
وَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ﴾ [المؤمنون: 115، 116].
وَجَعَل يَوْمَ القِيَامَةِ مَوْعِدًا لَهُمْ، وَيُرْجَعُونَ إِلَيْهِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالحُسْنَى.
10- كَرَاهِيَةُ التَّكَنِّي بِأَبِي الحَكَمِ:
فَعَنْ هَانئِ بْنِ يَزِيدٍ أَنَّهُ لَمَّا وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَعَ قَوْمِهِ سَمْعَهُم يُكَنُّونَهُ بِأَبِي الحَكَمِ؛ فَدَعَاهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "إِنَّ اللهَ هُوَ الحَكَمُ وَإِلَيْهِ الحُكْمُ، فَلِمَ تُكْنَى أَبَا الحَكَمِ؟" فَقَالَ: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيءٍ أَتَوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُم فَرَضِيَ كِلَا الفِرِيقَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا أَحْسَنَ هَذَا، فَمَا لَكَ مِنَ الوَلَدِ؟" قَالَ: لِيَ شُرَيُحٌ، وَمُسْلِمٌ، وَعَبْدُ اللهِ، قَالَ: "فَمَنْ أَكْبَرُهُم؟" قُلْتُ: شُرَيْحٌ، قَالَ: "فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ"[32].
فَتَغْيِيرُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِكُنْيَةِ الصَّحَابِيِّ دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهَتِهِ التَّكَنِّي بِهَذَا الاِسْمِ أَوِ التَّسَمِّي بِهِ.
قَالَ ابْنُ الأَثِيرِ: "وَإِنَّمَا كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ لِئَلَّا يُشَارِكَ اللهَ تَعَالَى فِي صِفَتِهِ"[33].
المَعَانِي الإِيمَانِيَّةُ:
1-الحُكْمُ القَدَرِيُّ وَالشَّرْعِيُّ:
وَالحُكْمُ نَوْعَانِ:
(حُكْمٌ كَوْنِيٌّ قَدَرِيٌّ، وَحُكْمٌ أَمْرِيٌّ دِينِيٌّ فَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فِي مَنَازِلِ السَّائِرِينَ وَشَرَحَهُ عَلَيْهِ الشَّارِحُونَ إِنَّمَا مُرَادُهُ بِهِ الحُكْمَ الكَوْنِيَّ القَدَرِيَّ، وَحِينَئِذٍ فَلَا بُدَّ مِنْ تَفْصِيلِ مَا أَجْمَلُوهُ مِنْ مُسَالَمَةِ الحُكْمِ وَالاِسْتِسْلاَمِ لَهُ وَتَرْكِ المُنَازَعَةِ لَهُ، فَإِنَّ هَذَا الإِطْلاَقَ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ وَلَا مُمْكِنٍ لِلْعَبْدِ فِي نَفْسِهِ بَلِ الأَحْكَامُ ثَلاَثَةٌ: حُكْمٌ شَرْعِيٌّ دِينِيٌّ، فَهَذَا حَقُّهُ أَنْ يُتَلَقَّى بِالمُسَالَمَةِ وَالتَّسْلِيمِ وَتَرْكِ المُنَازَعَةِ، بَلْ بِالاِنْقِيَادِ المَحْضِ، وَهَذَا تَسْلِيمُ العُبُودِيَّةِ المَحْضَةِ فَلَا يُعَارَضُ بِذَوْقٍ وَلَا وَجْدٍ وَلَا سِيَاسَةٍ وَلَا قِيَاسٍ وَلَا تَقْلِيدٍ، وَلَا يُرَى إِلَى خِلاَفِهِ سَبِيلًا البَتَّةَ، وَإِنَّمَا هُوَ الانْقِيَادُ المَحْضُ وَالتَّسْلِيمُ وَالإِذْعَانُ وَالقَبُولُ، فَإِذَا تُلُقِّيَ بِهَذَا التَّسْلِيمِ وَالمُسَالَمَةِ إِقْرَارًا وَتَصْدِيقًا بَقِيَ هُنَاكَ انْقِيَادٌ آَخَرَ وَتَسْلِيمٌ آَخَرَ لَهُ إِرَادَةٌ وَتَنْفِيذٌ وَعَمَلٌ، فَلَا تَكُونُ لَهُ شَهْوَةٌ تُنَازِعُ مُرَادَ اللهِ مِنْ تَنْفِيذِ حُكْمِهِ، كَمَا لَمْ تَكُنْ لَهُ شُبْهَةٌ تُعَارِضُ إِيمَانَهُ وَإِقْرَارَهُ، وَهَذَا حَقِيقَةُ القَلْبِ السَّلِيمِ الذِي سَلِمَ مِنْ شُبْهَةٍ تُعَارِضُ الحَقَّ وَشَهْوَةٍ تُعَارِضُ الأَمْرَ، فَلَا اسْتَمْتَعَ بِخَلَاقِهِ كَمَا اسْتَمْتَعَ بِهِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ، وَلَا خَاضَ فِي البَاطِلِ خَوْضَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشُّبُهَاتِ، بَلِ انْدَرَجَ خَلَاقُهُ تَحْتَ الأَمْرِ، وَاضْمَحَلَّ خَوْضُهُ فِي مَعْرِفَتِهِ بِالحَقِّ، فَاطْمَأَنَّ إِلَى اللهِ مَعْرِفَةً بِهِ وَمَحَبَّةً لَهُ وَعِلْمًا بِأَمْرِهِ.
الحُكْمُ الثَّانِي: الحُكْمُ الكَوْنِيُّ:
الَّذِي لِلْعَبْدِ فِيهِ كَسْبٌ، فَيُدَافِعُ بِهِ وَلَهُ، كَمَا قَالَ شَيْخُ العَارِفِينَ فِي وَقْتِهِ عَبْدُ القَادِرِ الجيلي: "النَّاسُ إِذَا دَخَلُوا إِلَى القَضَاءِ وَالقَدَرِ أَمْسَكُوا، وَأَنَا انْفَتَحَتْ لِي رَوْزَنَةٌ فَنَازَعْتُ أَقْدَارَ الحَقِّ بِالحَقِّ لِلْحَقِّ، وَالعَارِفُ مَنْ يَكُونُ مُنَازِعًا لِلْقَدَرِ، لَا وَاقِفًا مَعَ القَدَرِ" إِرَادَةً لِمَرْضَاتِهِ، فَهَذَا حَقُّ الحُكْمِ الدِّينِيِّ.
الحُكْمُ الثَّانِي: الحُكْمُ الكَوْنِيُّ القَدَرِيُّ:
الَّذِي لِلْعَبْدِ فِيهِ كَسْبٌ وَاخْتِيَارٌ وَإِرَادَةٌ وَالَّذِي إِذَا حَكَمَ بِهِ يَسْخَطُهُ وَيَبْغَضُهُ وَيُذَمُّ عَلَيْهِ، فَهَذَا حَقُّهُ أَنْ يُنَازَعَ وَيُدَافَعَ بِكُلِّ مُمْكِنٍ وَلَا يُسَالَمُ البَتَّةَ، بَلْ يُنَازَعُ بِالحُكْمِ الكَوْنِيِّ أَيْضًا، فَيُنَازِعُ حُكْمَ الحَقِّ بِالحَقِّ لِلْحَقِّ)[34].
التَّحَاكُمُ إِلَى غَيْرِ اللهِ تَحَاكُمٌ إِلَى الطَّاغُوتِ:
"وَمَنْ حَاكَمَ إِلَى غَيْرِ اللهِ وَرَسُولِهِ فَقَدْ حَاكَمَ إِلَى الطَّاغُوتِ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَكْفُرَ بِهِ، وَلَا يَكْفُرُ العَبْدُ بِالطَّاغُوتِ حَتَّى يَجْعَلَ الحُكْمَ للهِ وَحْدَهُ كَمَا هُوَ كَذَلِكَ فِي نَفْسِ الأَمْرِ"[35].
يتبع