الفوائد والأحكام:
لقد اشتمل موضوع الحديثين على بضعَ عشرةَ فائدة، منها:
1 - [... الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: "فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا ..." إلَخْ، تَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَفْعَالَ الْمَأْمُومِ تَكُونُ بَعْدَ أَفْعَالِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْفَاءَ تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ. وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي الْمَنْعِ مِنْ السَّبْقِ. وَقَالَ الْفُقَهَاءُ: الْمُسَاوَاةُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ: مَكْرُوهَةٌ.
2 - قَوْلُهُ: "وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ"، يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ التَّسْمِيعَ مُخْتَصٌّ بِالْإِمَامِ. فَإِنَّ قَوْلَهُ: "رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ". مُخْتَصٌّ بِالْمَأْمُومِ. وَهُوَ اخْتِيَارُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ.
3 - اخْتَلَفُوا فِي إثْبَاتِ الْوَاوِ وَإِسْقَاطِهَا مِنْ قَوْلِهِ: "وَلَكَ الْحَمْدُ"، بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ، وَهَذَا اخْتِلَافٌ فِي الِاخْتِيَارِ، لَا فِي الْجَوَازِ.
وَيَرْجِعُ إثْبَاتُهَا بِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ مَعْنًى؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: رَبَّنَا اسْتَجِبْ لَنَا - أَوْ مَا قَارَبَ ذَلِكَ - وَلَكَ الْحَمْدُ، فَيَكُونُ الْكَلَامُ مُشْتَمِلًا عَلَى مَعْنَى الدُّعَاءِ، وَمَعْنَى الْخَبَرِ. وَإِذَا قِيلَ بِإِسْقَاطِ الْوَاوِ دَلَّ عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ.
4 - قَوْلُهُ: "وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ"، أَخَذَ بِهِ قَوْمٌ، فَأَجَازُوا الْجُلُوسَ خَلْفَ الْإِمَامِ الْقَاعِدِ لِلضَّرُورَةِ، مَعَ قُدْرَةِ الْمَأْمُومِينَ عَلَى الْقِيَامِ، وَكَأَنَّهُمْ جَعَلُوا مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ عُذْرًا فِي إسْقَاطِ الْقِيَامِ، وَمَنَعَهُ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ الْمَشْهُورِينَ.
وَالْمَانِعُونَ اخْتَلَفُوا فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى طُرُقٍ.
منها: ادِّعَاءُ كَوْنِهِ مَنْسُوخًا، وَنَاسِخُهُ: صَلَاةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاسِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ قَاعِدًا، وَهُمْ قِيَامٌ، وَأَبُو بَكْرٍ قَائِمٌ يُعْلِمُهُمْ بِأَفْعَالِ صَلَاتِهِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ الْإِمَامَ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ مَأْمُومًا فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ ...][22].
[... وأنكر الإمام أحمدُ النسخَ، والأصلُ عدمُ النسخ بين النصوص الشرعية، وأنه مهما أمكن الجمع بينها، وجب المصير إليه، لأنه إعمال لها جميعاً...
وذهب الإمام أحمد إلى التوسط بين هذين القولين؛ وهو إن ابتدأ بهم الإمام الراتب الصلاة قائماً، ثم اعتلَّ في أثنائها فجلس؛ أتمُّوا خلفه قياماً وجوباً، عملا بحديث صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بأبي بكر والناسِ، حين مرِض مرَض الموت.
وإن ابتدأ بهم الصلاة جالساً صلَّوا خلفه جلوسا استحبابا؛ عملا بحديثي الباب ونحوهما، وهو جمع حسن، تتلاقى فيه الأحاديث الصحيحة المتعارضة، ولاشك أن الجمع بين النصوص - إذا أمكن - أولى من النسخ والتحريف. - أي حَمْلُه عَلَى وَجْهَيْنِ فَأَكْثَر - [23].
وقد قوَّى هذا الجمعَ الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى...
5 - وجوب متابعة المأموم للإمام في الصلاة وتحريم المسابقة، - أو الموافقة أو المخالفة - .
6 - تحريم مخالفته وبطلان الصلاة بها.
7 - أنّ الأفضلَ في المتابعة، أن تقع أعمالُ المأموم بعد أعمال الإمام مباشرة، قال الفقهاء: وتكره المساواة والموافقة في هذه الأعمال.
8 - أن الإمام إذا صلى جالسا - لعجزه عن القيام - صلى خلفه المأمومون جلوساً - استحباباً -، ولو كانوا قادرين على القيام، تحقيقا للمتابعة والاقتداء.
9 - أن المأموم يقول: "ربنا لك الحمد"، حينما يقول الإمام: "سمع الله لمن حمده". وقال ابن عبد البر: (لا أعلم خلافاً في أن المنفرد يقول: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد")، وقال ابن حجر: (فَأَمَّا مَنْعُ الْإِمَام مِنْ قَوْل: "رَبَّنَا وَلَك الْحَمْد" فَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَجْمَع بَيْنَهُمَا).
10 - جواز الإشارة في الصلاة للحاجة...][24].
11 - [مشروعية ركوب الخيل، والتدرب على أخلاقها، والتأسي لمن يحصل له سقوط ونحوُه بما اتُّفِق للنبي صلى الله عليه وسلم في هذه الواقعة، وبه الأسوة الحسنة[25].
12 - أنه يجوز عليه ما يجوز على البشر من الأسقام، ونحوها، من غير نقص في مقداره بذلك، بل ليزداد قدرُه رفعةً، ومنصبُه جلالةً.
13 - مشروعية عيادة من سقط عن مركوبه، فحصل له بذلك ضرر.
14 - ما قاله الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله: أنه يجوز للإمام إذا مرض، وعجز عن القيام أن يصلي بنفسه، ولا يستخلف، لكنَّ الأفضلَ له الاستخلاف...][26].
15 - قال البيهقي: [وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِي كَرَاهِيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيَامَهُمْ لَهُ، وَحَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ فِي ذَلِكَ وَقَوْلُهُ: «لَا تَقُومُوا كَمَا تَقُومُ الْأَعَاجِمُ يُعَظِّمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا»، فَإِنَّمَا هِيَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ إِذَا كَانَ الْقِيَامُ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ لَا التَّكْرِيمِ؛ مَخَافَةَ الْكِبْرِ، وَالَّذِي رُوِيَ عَنْ مُعَاوِيَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَمْثُلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»، فَإِنَّمَا هُوَ أَنْ يَأْمُرَهُمُ بِذَلِكَ، وَيُلْزِمُهُ إِيَّاهُمْ عَلَى مَذْهَبِ الْكِبْرِ وَالنَّخْوَةِ، فَيَكُونُ هُوَ قَاعِدًا، وَهُمْ مُنْتَصِبُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ][27].
قال ابن عثيمين: [... فالقيام على الرجل منهيٌّ عنه، اللهمَّ إلا إذا دعت الحاجة إلي ذلك، كأن يُخاف على الرجل أن يَعتدِي عليه أحد فلا بأس أن يقوم عليه القائم، كذلك إذا قام عليه الرجل إكراماً له في حال يقصد إكرامَه وإهانةَ العدوِّ، مثل ما حصل من المغيرة بن شعبة رضي الله عنه في صلح الحديبية، حينما كانت قريش تراسل النبي صلي الله عليه وسلم للمفاوضة فيما بينهم، كان المغيرة بن شعبة رضي الله عنه واقفا على رأس رسول الله وبيده السيف؛ تعظيماً لرسول الله صلي الله عليه وسلم، وإهانة لرسل الكفار الذين يأتون للمفاوضة][28].
16 - قال البسّام: [ومنه يؤخذ تَحَتُّمُ طاعةِ القادةِ وولاةِ الأمرِ ومراعاةِ النظام، وعدمِ المخالفةِ والانشقاقِ على الرؤساء.
فما هذه الشرائعُ الإلهيَّةُ إلاّ لتعويدِنا على السمعِ والطاعة، وحسنِ الاتباعِ والائتلاف، بجانب التعبُّدِ بها لله سبحانه وتعالى.
وما أعظمَ الإسلامَ وأسمى تشريعاتِه، وأجلَّ أهدافَه!!
وفّق الله المسلمين إلى التبصّرِ بدينهم واتّباعِه، فيجتمعَ شملهم، وتتوحَّدَ صفوفُهم، وتعلوَ كلمتُهم فما الخيرُ إلا في الاجتماع والتفاهم، وما الشرُّ إلاَّ بالتفرُّق والاختلافِ والمراءِ الباطل، ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الأنفال: 46]][29].
هذا والله تعالى أعلم
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
[1] (رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام)، لأبي حفص عمر بن علي بن سالم بن صدقة اللخمي، الإسكندري المالكي، تاج الدين الفاكهاني (المتوفَّى: 734هـ) (2/ 110).
[2] بتصرف من (تيسير العلام شرح عمدة الأحكام) للبسام (ص: 135).
[3] بتصرف من (رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام) للفاكهاني (2/ 113).
[4] رواه (خ) (688)، (1113)، (1236)، (م) 82 - (412)، وغيرُهما.
[5] كتاب الطب النبوي لأبي نعيم الأصفهاني (2/ 649) ح (703).
[6] البخاري، رقم (5658).
[7] (خ) (689).
[8] من (فتح الباري) لابن حجر.
[9] (خ) (689).
[10] (خ) (378).
[11] (د) (602)، (خد) (960).
[12] قاله الشيخ عبد الكريم الخضير في (شرحه على الموطأ).
[13] قال الشوكاني: [قَوْلُهُ: (مَشْرُبَةٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبِضَمِّ الرَّاء وَفَتْحِهَا وَهِيَ الْغُرْفَةُ، وَقِيلَ: كَالْخِزَانَةِ فِيهَا الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ، وَلِهَذَا سُمِّيَتْ مَشْرُبَةً، فَإِنَّ الْمَشْرَبَةَ بِفَتْحِ الرَّاءِ فَقَطْ: هِيَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَشْرَبُ مِنْهُ النَّاسُ]. نيل الأوطار (3/ 203).
[14] (د) (602)، (خد) (960)، صححه الألباني في (الإرواء) (2/ 122)، و(صحيح أبي داود) (615).
[15] بتصرف من (تيسير العلام شرح عمدة الأحكام) للبسام (ص: 136).
[16] (خ) (1911).
[17] (خ) (378).
[18] بتصرف من (تيسير العلام شرح عمدة الأحكام) للبسام (ص: 136).
[19] (خ) (371)، وغيره.
[20] من (فتح الباري) لابن حجر.
[21] [قَطَاةٌ مَارِيَةٌ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ؛ مُكْتَنِزَةُ اللَّحْمِ لُؤْلُؤِيَّةُ اللَّوْنِ، وَقَدْ تُخَفَّفُ وَبِهَا سُمِّيت الْمَرْأَةُ، وَالْمَارِيَةُ بِالتَّشْدِيدِ الْبَقَرَةُ الْبَرَّاقَةُ اللَّوْنِ]. المصباح المنير في غريب الشرح الكبير (2/ 585).
[22] بتصرُّف من (إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام) لابن دقيق العيد (1/ 224، 225).
[23] (فتح الباري لابن حجر) (13/ 523)
[24] بتصرف من (تيسير العلام شرح عمدة الأحكام) للبسام (ص: 136، 138).
[25] انظر(الاستذكار) لابن عبد البر (2/ 169)
[26] (ذخيرة العقبى في شرح المجتبى) للإثيوبي (10/ 116، 117).
[27] (الآداب) للبيهقي (ص: 100).
[28] شرح رياض الصالحين (1/ 158).
[29] بتصرف من (تيسير العلام شرح عمدة الأحكام) للبسام (ص: 136، 138).