عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 11-01-2021, 11:44 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,625
الدولة : Egypt
افتراضي رد: العبرة من وداع العام وانقضاء العمر والأيام


كشف حساب بين العامين:
وكما مرَّ العامُ علينا شاهداً على أعمالنا فكذلك الحياة ستمرُّ بكل أطيافها وأحلامها العجاف، والخوف كله أن نخرج منها مُثْقَلينَ بوصمات الذنوب والمعاصي، وعند مقابلة الله تعالى سيجد كل فردٍ ما عمل: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران: 30].


ونحن إذن على مفرق عاميْن نقف - إن وقفنا - وقفةَ الاعتبار والتفكر والاستفادة من الأحداث لا وقفة المهنئين، فما نعلم على الحقيقة إن كنا من الفائزين أم من الخاسرين ونحن نقدم كشف حسابٍ عن العام الفائت، وأنَّى لنا بعلم الحقائق في بابِ القبول؟!.

ولهذا.. ينبغي على كل عاقلٍ أن يقف مع نفسه وقفةَ محاسبةٍ يستطلع فيها مرابحَهُ من صالح الأعمال ويقفُ على سوءات معاصيه واجتراحها علَّهُ أن يُصلحَ في قادم الأيام ما أفسده في فوائت الأيام والأعوام.


ذكر ابن أبي الدنيا موقوفاً: (عنْ ثَابِتِ بْنِ الْحَجَّاجِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا، فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ فِي الْحِسَابِ غَدًا، أَنْ تُحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ، وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الأَكْبَرِ، ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ﴾ [الحاقة: 18]) (محاسبة النفس - العاقل من يعمل للآخرة 2).


ومن حكمة الإنسان أن يحاسب نفسه كل يومٍ على خمس صلوات مفروضة في بيوت الله تعالى مع إضافة النوافل والرواتب والسنن حساباً يوجب عليه بعد ذلك عدم التفريط في المرابح "السنن" ناهيك عن رأس المال "الفرائض"، وعلى زكاته وأعدادها وأوقات وجوبها ودقة مصارفها، وعلى أهل الأرحام والتماس أسمائهم وأعدادهم وضبط مواعيد الزيارة لهم حتى لا يدخل بجفوته لهم في عداد القاطعين لأرحامهم، وأن يحاسب نفسه في ماله من أين يكتسبه وفيم ينفقه كما صرحت بذلك الأحاديث الشريفة، وأن يحاسب نفسه على عمره الذي يتسرب منه في أتفه المناشط فضلاً عن أن ينفقه في معصية، وأن يراجع نفسه في شئون أسرته ومجتمعه ووطنه وعن واجبه الذي قصر فيه فيما قد سلف، وان ينظم أصحابَ الحقوق عليه من أهل وأبناء وجيران فلا يطغى مرغوبٌ على مرغوبٍ ولا يشغله واجبٌ عن أوجبٍ، وهكذا في جميع المآخِذِ والمَتَارِكِ والشئون حتى تستقيم له حياته ويطمئن بالله قلبه ويكتب اسمه دوماً في ديوان الموَفَّقِينَ.


وكلما حاسب المؤمن نفسه ازداد من صالح العمل فزاد رصيده عند ربه ونما رأس ماله من الطاعات فتكون الأعوام التي تمر عليه منحةً وعطاءً وزيادةً له من الأجور عند مولاه، [قال ميمون بن مهران رحمه الله تعالى: لا خير في الحياة إلا لتائبٍ، أو رجلٍ يعمل في الدرجات، يعني أن التائب يمحو بالتوبة ما سلف من السيئات، والعامل يجتهد في علو الدرجات ومن عداهما فهو خاسرٌ كما قال تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ [العصر 1: 3]، فأقسم الله تعالى أن كل إنسانٍ خاسرٌ إلا من اتصف بهذه الأوصاف الأربعة الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر على الحق، فهذه السورة ميزان الأعمال يزن بها المؤمن نفسه فيبين له بها ربحه من خسرانه، ولهذا قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: لو فكر الناس كلهم فيها لكفتهم] (الإمام ابن رجب الحنبلي / لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف ص 400 ط1 2002م بتحقيق عبد الله عامر/ دار الحديث - القاهرة).


غربة المؤمنين في الدنيا:
كان عطاء السلمي يقول في دعائه: " اللهم ارحم في الدنيا غربتي، وارحم في القبر وحشتي، وارحم موقفي غداً بين يديك".


نعم.. نحن في غربةٍ موحشةٍ من هذه الدنيا ولولا يقين الإيمان لتقطعت نفوسنا حسرات، وما لنا في الدنيا إلا ابتغاء الآخرة بحسن العمل.


ولما خُلِقَ آدم أُسكِن هو وزوجته الجنة، ثم أهبطهما منها، ووعدا الرجوع إليها وصالح ذريتهما، فالمؤمن أبداً يحنُّ إلى وطنه الأول لأنه وارث أبويه في الجنة، كلما ذُكرتْ عنده زاد شوقه وتناهت لوعته لأنه يطمع أن تكون مستقره بعد نقلته من غربة الدنيا إلى نعيم الآخرة:
فحيَّ على جنات عدنٍ فإنها
منازلنا الأولى وفيها المخيمُ

وحيَّ على روضاتها وخيامها
وحيَّ على عيشٍ بها ليس يُسأمُ

ولكننا سبي العدوِّ فهل ترى
نعود إلى أوطاننا ونسلم؟



وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (أخَذ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بمَنكِبي فقال: "كُنْ في الدنيا كأنك غريبٌ أو عابرُ سبيلٍ"، وكان ابنُ عُمرَ يقولُ: إذا أمسيْتَ فلا تنتَظِرِ الصباحَ، وإذا أصبحْتَ فلا تنتظِرِ المساءَ، وخُذْ من صحتِك لمرضِك، ومن حياتِك لموتِك) (صحيح البخاري 6416).


وذكر الشيخ السلمان في "موارد الظمآن لدروس الزمان" أن روح الله عيسى عليه السلام يقول: "يَا بَنِي إسرائيل، اجعلوا بيوتكم كمنازل الأضياف فما لكم فِي العَالِم من منزلٍ إن أنتم إِلا عابري سبيل، وَقَالَ: يَا معشر الحواريين أيكم يستطيع أن يبَنِي فوق موج البحر دارًا؟! قَالُوا: يَا روح الله من يقدر على ذَلِكَ؟ قَالَ: إِيَّاكُمْ والدُّنْيَا فلا تتخذوها قَرَارًا".


وَقَالَ: "يَا بَنِي إسرائيل تهاونوا بالدُّنْيَا تهن عليكم، وأهينوا الدُّنْيَا تكرم عليكم الآخِرَة، ولا تكرموا الدُّنْيَا تهن عليكم الآخِرَة، فَإِنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ بأَهْل للكرامة، وكل يوم تدعوا إلى الفتنة والخسارة".

♦♦ ♦♦ ♦♦



ومهما طال العمر بالإنسان فإنَّ له مع ربه عز وجلَّ موعدٌ يلقَاهُ فيه ويُفارِقُ الدنيا وأهلها، لأن الله تعالى لم يكتب الخلود لأحدٍ من البشر، قال الله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ [الأنبياء 34: 35]، فأين قومُ عادٍ الذين بوأهم الله في الخلق بسطةً وأطال أعمارهم ومنحهم القوة التي لا تُضارَع لدرجة أنهم كانوا ينحتون من الجبال قصوراً ومساكن فارهة؟، وأين الأنبياء وقد كانوا نور الدنيا وقفاةَ هدايتِهَا بعد أن عاشَ أطولهم عمراً في دعوته فقط ما يقارب ألفَ عَام، قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ [العنكبوت: 14]، ذهبَ الجميع بعد فناء الأعمار على مدار الأقدار، ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ﴾ [القصص من الآية: 68]:
كُتِبَ الموْتُ على الخلقِ فَكَمْ
فَلَّ من جيشٍ وأَفْنَى من دُولْ

أين نمروذُ وكنعانُ ومنْ
مَلَكَ الأرضَ وولَّى وعَزَلْ

أين من سادُوا وشَادُوا وبنوْا
هَلَكَ الكُلُّ فلمْ تغنِ الحِيَلْ

أين أربابُ الحِجا أهلُ التُّقَى
أينَ أهلُ العِلْمِ والقوْمُ الأُوَلْ

سيعيدُ اللهُ كُلاً منْهُمو
وسَيجزِي فَاعِلاً مَا قَدْ فَعَلْ



وفي الختام:
ستمضي بنا الحياة لا تلوي على شئٍ كعادتها، ونحن على بساطِ الأمل في تشاغلٍ مقيتٍ بالتوافهِ الفانيةِ بينما يباغتنا القدرُ في ذواتِنَا وأحبَّائِنَا بالموتِ أو المرضِ أو الغُرْبَةِ، وهذا شأن الدنيا بأعوامها وأيامها ولياليها، بل نحن الذين نرحلُ ونمرضُ ونرضى ونسخطُ ونعلو ونهبطُ وتدورُ علينا مراسيمُ الحَيَاةِ:
قالوا: سيرحلُ من أعوامنا عامُ
فقلتُ: كيفَ؟ وهذا العُمْرَ أيامُ؟

لاَ يَرْحَلُ العَامُ نحنُ الرَّاحِلُونَ إلى
نهايةِ العُمْرِ والأَعْوامُ أَرْقَامُ



وما أجمل استدراكَ الأمانيِّ بالرَّجَاءِ، مع صدقِ الدُّعَاءِ أن يُغَيِّرَ الله الحالَ إلى أطيبِ حالٍ بعد استنفارِ الهِمَمِ وعدم النكوصِ في حُفَرِ المعاصي والخطأِ كما كانت للناس في العام الفائت سوابق وخوافي من السيئات، والأوْلَى أن تكون سوابقهم في الطاعات.


تغيروا أنتم فما تتغير الدنيا بحالها إلا من أهلها، أشْرِقُوا على أديم الحياة بنور الأخلاق وطهارة القلوب واجتهدوا بالسعي الحثيث للمجدِ الحقيقي بحسن استخلاف الله تعالى في أرضه وعلى الطريق الصحيح الصادق لسيد الأنام صلى الله عليه وسلم لتحسنوا كتابة اسمكم في صفحات التاريخ.. لو كان للإنسانِ فيه ذكرٌ باقٍ.


وليكن الأملُ مُصاحِباً لقلوبِ الصَّالحين من أمتنا المَهْدِيَّةِ في دروبها التي تَعَرَّجَتْ بها السبُلُ بأن يجمع الله تعالى للأمة أمر رشدٍ وهُدى وأن يبعدها عن الضلالةِ والرَّدَى، وأن يُوَفِّقَ أوْزَاعَ الخيْر إلى بذل القدوة العملية للناس ويحدونهم إلى كريم التعامل وجميل الأخلاق والشيم.
وأملنا في الله كبير بقدر جلاله وأسماء جماله وكماله.
وعلى الله بلوغ الأرب.
والحمد لله في المبدأِ والمنتهى.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 28.42 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 27.79 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.21%)]