اللغة/ الكلمة من منظور الأدب الإسلامي
مصطفى بن عمور
والحقيقة أن الغريزة ذاتُ طبيعة جامدة؛ فهي الآن نفس ما كانت عليه عند إنسانِ ما قبلَ الطُّوفان وستبقى على حالها إلى أن يأذَن الله بالساعة، إنها تظل دائمًا طافية على السطح... متصلِّبة كقطعة فلِّين، ووراءَها يكمُن بعدٌ إنساني آخر، وعالم أفسحُ ومعانٍ تموج داخل الكيان الإنساني العميق... إلا أن ذلك يحتاج في رؤيتنا إلى لغةٍ سليمة، تستطيع الحفر في تلك الأعماق والنَّهَل من تلك الأمواج الحيوية المنسابة فيما وراء الغريزة الطافية المتصلبة، بل وتحتاج في رأينا إلى شجاعةٍ تتحدى الجمودَ والتحجُّر المفروضَين على أشواق الروح الإنسانية وفضائها الرحب الفسيح، وهل يوجد مَن هو أهلٌ لذلك غير الأديب المتشرِّب لروح الإسلام أو مَن يماثله من الأدباء الإنسانيِّين الكبار؟! إنه الأديب المبدِع الذي لا تُغريه لغةَ الغريزة ويُسرَها ومحدوديتها التي لا تتطلب جهدًا عقليًّا أو فيضًا روحيًّا كبيرًا، ولا تُغريه الشهرة الميسورة والأموال المغدِقة التي تجلبها تلك اللغة الغريزية بسِحرها المزيف وفتنتها المائلة المميلة؟! إن رغبة الأديب الإسلاميِّ والمبدع الإنساني فوق ذلك كله؛ رغبته هي بناء حضارة الإنسان ذاتِ الفضاء الرَّحْب والسعة المشرقة والطُّموح المترامي ببَصيرته نحو النموذج الإنساني المتكامل عقلاً وروحًا ومادَّة، رغم ما يتطلَّبه ذلك من جهدٍ وصبر وعناء...
وشتَّان ما بين اللغتين؛ فقد يكون الموضوع واحدًا، ثم تختلف مضامينه ومعانيه وإيحاءاته حين يمر بقناةِ هذه اللغة (لغة الروح) أو تلك (لغة الغريزة)؛ حيث نكتشف فرقًا شاسعًا بين حديثَيهما عنه؛ خذ موضوع الحب مثلاً نريد التعبير عن مَضمونه وتفجير معانيه وإثارة إيحاءاته، فتيقن أنَّك ستَجد نفسك أمام شعورين أو إحساسين متباعدين إلى حدِّ التنافر والتناقض:
أما أحدهما فيَجعلك بكيانك كلِّه تَصغر وتَضيق وتنكمش حتى تجمد على حيِّز صغير منه؛ وذلك ما تقوم به لغة الغريزة.
بينما يجعل الآخَر كيانك كله يَكبر وتتَّسع أبعاده ومراميه حتى لتَشعر أن ذراعَيْ عقلك وقلبك وروحك تضمَّان الكون بما فيه بعاطفةٍ فيَّاضة لا يمكن وصفُها بميزان الحروف والكلمات، بل بميزان الشعور والذَّوق والوجدان... وشتَّان ما بين القناتين/ اللغتين.
وهنا نكون قد وصَلنا إلى نفس النتيجة التي دلَّتنا عليها شواهدُ سُقناها من قَبلُ عن مفكِّرين آخرين، وهذه النتيجة هي: خطورة اللغة وقوتها وقدرتها على بناء الإنسان وتشكيل معرفته بنَفسه وبالعالم مِن حوله، إنها كما اتَّضح من قبلُ أشبه بقدرٍ لازب يتحكَّم في الإنسان ومصيره؛ (تأمَّل قول الله تعالى: ﴿ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ ﴾ [مريم: 80]). وقد نتَّفق مع هيدجر حين يؤكِّد أن اللغة في جوهرها تكشف عن الكينونة وبدونها لا يحدث ذلك، ولكن اختلافنا الأعمق يَكمُن في تحديد ماهية تلك الكينونة، فنحن نقول: ماهية روحية/ إنسانية، بينما غيرنا يؤكِّد أنها حيوانيَّة غريزيَّة، فتفترق النتيجتان.
وأما خطورة اللغة فهو أمر لا يُنكَر إلا أنه لا يتعلَّق بحتميَّة لغوية تقابل الحتميَّة الاقتصادية المادية (حسب مدرسة ماركس) أو الحتمية الاجتماعية؛ (حسب مدرسة دوركهايم)، أو الحتمية الجنسيَّة (حسب مدرسة فرويد)؛ لأننا نؤمن حسب منهاجنا الإسلاميِّ الأصيل بأن الإنسان قادرٌ على التبصُّر والتفكر وكشف العواقب قبل أن يتحرَّك أو يخطوَ خطوة ما، بل هو مُطالَب بذلك مأمورٌ به ﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ﴾ [القيامة: 14].
4 - إننا من خلال هذه الخطوات المختصرة نكون على مَقرُبة من فقهِ وحقيقة تلك التوجيهات الإسلامية التي تَنهانا عن قول كلام وتحضُّنا وترشدنا إلى قولٍ آخر، كما تفصل بين الكلمة في مستواها السليم (= الكلمة الطيبة/ أحسن القول)، والكلمة في مستواها المنحرف (= الكلمة الخبيثة/ السوء من القول)، وتعطينا القِسطاس الصحيح الذي نَزِن به الكلام/ اللغة، والمعيار القويم الذي نَحكم ونوجِّه به سيرورة اللغة؛ حتى تَكون في مصلحتنا لا ضدنا، ولا التفاتَ إلى مَن يعتبر ذلك مجرَّد نصائحَ أخلاقية لا علاقة لها بتشييدِ المعرفة وبناء الثقافة.
وعلى هذا الأساس قدَّم لنا القران الكريم نموذجًا نقديًّا إسلاميًّا حين يقول الله عز وجل عن نوع خاصٍّ من الشعراء/ منتجي الثقافة الشعرية: ﴿ وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ ﴾ [الشعراء: 224 - 226]. إنهم شعراء/ منتِجون لنوعٍ من أخطر أنواع الإنتاج الثقافي "يتَّبعون المزاج والهوى، ومِن ثم يتَّبعهم الغاوون، الهائمون مع الهوى، الذين لا مَنهج لهم ولا هدف، وهم يَهيمون في كلِّ وادٍ من وِديان الشعور والتصوُّر والقول، وفق الانفعال الذي يسيطر علهم في لحظةٍ من اللحظات، تحتَ وقع مؤثر من المؤثرات"؛ سيد قطب - في ظلال القرآن.
إنهم ينطقون كلماتٍ لا قرارَ لها ولا غاية، ولا خيرَ وراءها للإنسان السَّوي، كلمات تسوق كلَّ مَن ربط مصيره بها، إلى المجهول، إلى القلق والحيرة والضَّلال، وضياع الهُوية الإنسانية الكريمة، رغم طلائها المبهرَج ورغم فتنتها الناقمة، إنها ظاهرٌ لا باطنَ له، كشجرة مجتثَّة جافة، يحسبها الناظرُ سليمة، بيد أنَّها منخورةُ الباطن لا تثمر عِلمًا ولا معرفة، ولا تؤسِّس عقلاً ولا تنمي شعورًا، وشرٌّ من ذلك كله أنها كلمة/ شجرة منبطحة، يتوهم متسلِّقها أنه يَصعد إلى علوٍّ وسمو من خلالها، فإذا به يجد نفسه في مكانه، وربما أسفل منه؛ لأنها لا تنمو كباقي الشجر الحيِّ السليم نحو الأفق، معانقة السماء! ويا خيبة مَن يجهد نفسه في التسلُّق ويتعبها ويضيع وقتًا ثمينًا، ليجد نفسه في النهاية لم يتقدَّم شبرًا، ولم يتحلحل عن مكانه قِيدَ أنملة، وهذا توقيعٌ وتحقيق مبين لمعنى الكلمة/ اللغة كما جاء مَعناها في آيات بيِّنات أخرى من القران الكريم، فتأمَّل: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ ﴾ [إبراهيم: 24، 26].
إن الفِكر لتتشعَّب أطرافه من قوة التعبير وجمالية التشبيه، وإن الخيال ليقف لحظاتٍ ليستجمع أنفاسه أمام هذه الأمواج المتلاحقة الزخَّارة والمتدفقة من المعاني والدلالات! وها نحن أولاء أمام صورتين: كلمة طيبة، وكلمة خبيثة: الأولى كشجرة طيبة، والثانية كشجرة خبيثة، الأولى أصلها ثابت في الأرض وفروعها المورقة ممتدة نحو الأعلى، بينما الأخرى اجتُثَّت من أصلها فانحنَت فروعها الميتة إلى الأسفل.
ومن التصوير الموحي نقتطف برهة من الزمن لننتقل نحو الواقع والتجربة: هي ذي شجرةٌ خضراءُ ريَّانة، جذورها متغلغلة في أعماق الأرض، تمتص رحيق الوجود وتستمد أنساغ الحياة من مجاري المياه العميقة.. العميقة، وها هي فروعها تتَسامق إلى الأعلى حيث فسحةُ الفضاء وحيث احتضانُ الحرارة ومعانقةُ النور، وسخاء غزير يتساقط ثمارًا حلوة، وجمال فتَّان يبعث في النفس أريحية واطمئنانًا.
ثمَّ ها هي ذي شجرةٌ من نوع آخر: اقتُلعت من جذورها، فانقطع عنها نسغ الحياة ومدد الوجود، وبدل أن تُعانق فروعها فسيحَ الفضاء انحدرت إلى أسفل؛ لونها الصفراوي يوحي بدلالات الموت وأطياف العدم، وجفافها الرهيب تعبِّر عنه وريقاتها الممتقعة كوجه ذهبَت عنه نَضارة الحياة؛ لا نمو ولا حركة، ولا ثمار ولا ظلال جمال، وإنما صلابة متخشِّبة، وأشباح الموت تحيطها بهالة من الجفاف والامتقاع، فلم تعد تصلح إلا للنار ولهيبها!
فالكلمة حين تنبعث من أعماق كاتبها، متواشجة مع روحه الإنسانية الشفافة وإحساسه الصافي النقي، مغتَذِية بخفقات قلبه، وسُبحات فكره المتعالية وامتدادات خياله الرائع - لهي كلمةٌ متوغلة الجذور، تستمد حياتها من مجاري الفطرة العميقة السليمة، وتمتد ظلالها وفروعها إلى باقي النفوس سخيةً بثمارها الحية، وما ثمارها تلك سوى غذاءٍ للعقول والقلوب، مشعَّةٌ بالنور محتضنة له، لا يَخشى قارؤها عوادِيَ الجمود الغريزي أو طوارقَ التِّيه والتشتت والاغتراب، إنها كالمنار تَهدي التائهين في غَيابات الظلام ولجج التيه والحيرة.
وتلك هي الكلمة التي تحبب الحياة الكريمة وتدعو إلى احترامها؛ كهبةٍ إلهية لا يجب التفريط فيها أو العدوان عليها أو تحريف مجراها نحو الهيمان الوجودي والضلال النفسي...
وتلك هي الكلمة الخالدة التي تجسِّد الحكمة المرنة، والقدرة على اختراق النفوس إلى أعماقها، واستِكْناه أغوارها، وإطلاق طاقتها الخلاقة في سبيل الإبداع الذي يقيم الصرح الإنسانيَّ الرفيع الكريم، وينميه ويصله بمبتدَئه الحقيقي ومنتهاه السليم.
وفي المقابل هناك الكلمة الخبيثة التي يَكتبها صاحبها وكأنها غريبة عنه، لا يَعرف لها أصلاً من روحه الإنسانية الكريمة، ولا مرجعًا من فطرته السليمة، ولا سندًا من شعوره وفكره المتعالي عن الدنايا وسفاسف الاهتمام، ولا جذورًا تمتد إلى مجاري أغواره الروحية، فإذا قرأتها تحس وكأنها طيفٌ شيطاني عنيد، أو صفعات لا توقظك؛ بل تخدرك، كأنها نسيج من الظلمات، طبقة تغشاها طبقة، إذا اتسعت عينُ قلبك أو عقلك لا تكاد ترى شيئًا سوى ظلام لا نهاية له!
إنها كلمة/ لغة جمعَت من أصناف المرض والضلال ما يُطوح بك في مهامِهِ القلق والاغتراب، وتمجُّ في شرايين كيانك ذرات الضعف والانسياق لكلِّ ناعق أو ضوء زائف، إنها الكلمة التي يكتبها صاحبها ليتلهَّى بها، فتستحيل مأساة لقارئها، وما أخطرها من جريمة!
هذه الكلمة في مستواها الطيب أو الخبيث هي التي تحدِّد مصير الإنسان، وتوجه حركتَه حسَب تعامله معها، وعلاقته التي تربطه بها؛ فإن كان حذرًا متبصرًا، كان مصيره إلى خير، وإن كان هائمًا على عقله وشعوره، حاطبًا للكلمات في ظلمات ليل بهيم - كان مصيره إلى شرٍّ ودائرة سَوء تَحيق به من جميع الجهات إلى حدِّ الاختناق والاحتراق، وهذا تَجلٍّ من تجليات قول الرسول صلى الله عليه وسلم لمعاذ: ((ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يُكبُّ الناسَ في النار على وجوههم/ مناخِرهم، إلا حصائدُ ألسنتهم؟!))؛ الترمذي - حسن صحيح.
هكذا تصبح الكلمات/ اللغة أشبهَ بأعوادٍ من حطب تَشوي صاحبها في آخر المطاف، وتُذيقه بعض الذي كسَب منها بغير تبصُّر أو اعتبار.
"إن الكلمات يجب أن تُسأل عما تصنعه بعقولنا وأرواحنا"؛ مصطفى ناصف - محاورات مع النثر العربي - عالم المعرفة.
وزبدة القول: يموت الإنسان عضوًا عضوًا، ولكن يبقى منه شيء/ عضو بعد موته؛ يبقى منه كلامه/ لغته؛ خاصة تلك التي استعمَلها في إنتاج خطابه المعرفي/ الثقافي، تبقى تلك اللغة كعضو إنساني قويِّ المِراس، ماهرٍ في مراوغاته وقدرته على التخفِّي والمكر؛ فإما أن يَمتلك الإنسان زمامه ويَكبَح جماحه ويهذِّب من لوثاته، ويسخِّره لروحه وعقله وشعوره بالمعروف... وإلا فانتظِر أن يملك هو زمامَه، فيطوِّح به كيفما شاء، ويرمي به في كل مفازة مجهولة الحدود والمعالم، أو يصدمه بقدر لم يدرك له حسابًا، ولم يَضرب له موعدًا.