31- ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾.
إن الله لا يحبُّ المتعدِّين حدَّهُ في حلالٍ أو حرام، الغالين فيما أحلَّ أو حرَّم، بإحلالِ الحرام، أو بتحريمِ الحلال، ولكنهُ يحبُّ أن يحلِّلَ ما أحلّ، ويحرِّمَ ما حرَّم، وذلك العدلُ الذي أمرَ به. (ابن كثير).
32- ﴿ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾.
لقومٍ يعلمونَ ما يبيَّنُ لهم، ويفقهونَ ما يميَّزُ لهم. (الطبري).
33- ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾.
قال: جمعُ فاحشة، وقد تقدَّمَ تفسيرها.
وقد قالَ في الآيةِ (151) من سورةِ الأنعام: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوٰحِشَ ﴾ أي: المعاصي، ومنه: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً ﴾ [سورة الإسراء: 32].
35- ﴿ فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾.
بيَّنها الشوكاني رحمهُ الله في الآية (38) من سورة البقرة: ﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾، قال: ﴿ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ يعني في الآخرة، ﴿ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ يعني لا يحزنون للموت.
37- ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ﴾.
قال: أي: لا أحدَ أظلمُ منه، وقد تقدَّمَ تحقيقه. ا.هـ.
ويقصدُ الآيةَ (21) من سورةِ الأنعام: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ﴾. قال:
﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً ﴾ أي: اختلقَ على الله الكذبَ فقال: إن في التوراةِ والإنجيلِ ما لم يكنْ فيهما، ﴿ أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِه ﴾ التي يلزمهُ الإيمانُ بها من المعجزةِ الواضحةِ البيِّنة، فجمعَ بين كونهِ كاذباً على الله، ومكذِّباً بما أمرَهُ الله بالإيمانِ به، ومن كان هكذا فلا أحدَ من عبادِ الله أظلمُ منه.
40- ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ ﴾.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا ﴾: إن الذين كذَّبوا بحُجَجِنا وأدلَّتِنا، فلم يصدِّقوا بها، ولم يتَّبعوا رسلَنا، وتكبَّروا عن التصديقِ بها، وأنِفوا مِن اتِّباعِها والانقيادِ لها تكبُّرًا...
﴿ الْمُجْرِمِينَ ﴾: الذين أجرموا في الدنيا. (الطبري). الكفرةَ وأهلَ الجرائمِ على الله تعالى. (ابن عطية).وأصلُ الجُرم: قطعُ الثمرةِ عن الشجرة. ويقال: أجرم: صارَ ذا جُرم، كأتمرَ وأثمر، ويستعملُ في كلامهم لاكتسابِ المكروه، ولا يكادُ يقالُ للكسبِ المحمود. (روح المعاني).
41- ﴿ لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ﴾.
قال: من اتصفَ بالظلم.
وقالَ الإمامُ الطبري: من ظلمَ نفسَهُ فأكسبها مِن غضبِ الله ما لا قِبَلَ لها به، بكفرهِ بربه، وتكذيبهِ أنبياءه.
42- ﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾
﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾: والذين صدَّقوا اللهَ ورسولَه، وأقرُّوا بما جاءَهم به مِن وحي اللهِ وتنزيلهِ وشرائعِ دينه، وعملوا ما أمرَهم اللهُ به، فأطاعوهُ وتجنَّبوا ما نهاهُم عنه...
﴿ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾: هؤلاءِ الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ هم أهلُ الجنةِ الذين هم أهلُها، دونَ غيرِهم ممَّن كفرَ باللهِ وعملَ بسيِّئاتهم فيها، هم في الجنةِ ماكثون، دائمٌ فيها مكثُهم، لا يخرجونَ منها ولا يُسْلَبون نعيمَهم. (الطبري).
43- ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ ﴾.
قالَ في مثلها، في الآيةِ (25) من سورةِ البقرة: ﴿ وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ﴾: الأنهارُ جمعُ نهر، وهو: المجرَى الواسع، فوق الجدولِ ودون البحر، والمراد: الماءُ الذي يجري فيها...
44- ﴿ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾.
غضبُ الله وسخطهُ وعقوبتهُ على من كفرَ به. (الطبري).
يعني: يقولُ المؤذِّن: إن لعنةَ الله على الظالمين، ثم فسَّرَ الظالمين مَن هم. (الخازن).
45- ﴿ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴾.
وهم بـالبعثِ بعدَ الممات، مع صدِّهم عن سبـيـلِ اللهِ وبغيهم إيّاها عِوجًا، ﴿ كَافِرُونَ ﴾، يقول: هم جاحدونَ ذلكَ منكِرون. (الطبري).
47- ﴿ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾.
يعني: الكافرين في النار. (البغوي).
50- ﴿ وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ ﴾.
وهذا خبرٌ من الله تعالى ذكرهُ عن استغاثةِ أهلِ النارِ بأهلِ الجنةِ عند نزولِ عظيمِ البلاءِ بهم من شدَّةِ العطشِ والجوع، عقوبةً من الله لهم على ما سلفَ منهم في الدنيا، من تركِ طاعةِ الله، وأداءِ ما كان فرضَ عليهم فيها في أموالهم من حقوقِ المساكينِ من الزكاةِ والصدقة. (الطبري).
لفظةُ النداءِ تتضمَّنُ أن أهلَ النارِ وقعَ لهم علمٌ بأن أهلَ الجنةِ يسمعون نداءهم، وجائزٌ أن يكونَ ذلك وهم يرونهم بإدراكٍ يجعلهُ الله لهم على بُعدِ السُّفلِ من العُلو، وجائزٌ أن يكونَ ذلك وبينهم السورُ والحجابُ المتقدِّمُ الذكر، ورُويَ أن ذلك النداءَ هو عند إطلاعِ أهلِ الجنةِ عليهم. (ابن عطية).
51- ﴿ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾.
قال: تقدَّمَ تفسيرُ اللهوِ واللعبِ والغرور.
وهو في الآيةِ (70) من سورةِ الأنعام: ﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾، قالَ رحمَهُ الله: أي: اتركْ هؤلاء الذين اتخذوا الدينَ الذي كان يجبُ عليهم العملُ به والدخولُ فيه لعباً ولهواً، ولا تعلِّقْ قلبكَ بهم، فإنهم أهلُ تعنُّت، وإن كنتَ مأموراً بإبلاغهم الحجَّة. وقيل: هذه الآيةُ منسوخةٌ بآيةِ القتال. وقيل: المعنى: أنهم اتخذوا دينَهم الذي هم عليه لعباً ولهواً، كما في فعلِهم بالأنعام من تلك الجهالاتِ والضلالاتِ المتقدمِ ذكرُها.وقيل: المرادُ بالدينِ هنا: العيد، أي: اتخذوا عيدَهم لعباً ولهواً، وجملة: ﴿ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ﴾ معطوفةٌ على ﴿ ٱتَّخَذُواْ ﴾ أي: غرَّتهم حتى آثروها على الآخرةِ وأنكروا البعثَ وقالوا: ﴿ إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ﴾ [سورة المؤمنون: 37]. ا.هـ.
وقالَ الإمامُ الطبري: ﴿ وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾: وخدعَهم عاجلُ ما هم فيه مِن العيشِ والخفضِ والدَّعَة عن الأخذِ بنصيبِهم مِن الآخرةِ حتى أتتهُم المنيَّة.
52- ﴿ وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾.
بيَّناهُ ليُهتدَى ويُرحَمَ به قومٌ يصدِّقونَ به، وبما فيه مِن أمرِ اللهِ ونهيه، وأخباره، ووعدهِ ووعيده، فيُنقِذُهم به مِن الضلالةِ إلى الهُدى. (الطبري).
53- ﴿ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا ﴾.
... فهل لنا مِن أولياءَ ونصراءَ يتوسَّلونَ لنا لنتخلَّصَ مِن هذا العذاب.. (الواضح).
54- ﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ﴾.
أي: خلقَ هذه الأشياءَ ﴿ مُسَخَّرَاتٍ ﴾ أي: مُذلّلاتٍ ﴿ بِأَمْرِهِ ﴾. (البغوي).
أي: الجميعُ تحت قهرهِ وتسخيرهِ ومشيئته. (ابن كثير، باختصار).
58- ﴿ كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ﴾.
نبيِّنُ آيةً بعدَ آية، ونُدلي بحجَّةٍ بعدَ حجَّة، ونضربُ مثَلاً بعدَ مثَل. (الطبري).
61- ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ ﴾.
فسَّرَ (الضلال) في الآيةِ التي تسبقها بقوله: الضلال: العدولُ عن طريقِ الحقِّ والذهابُ عنه.
64-﴿ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ ﴾.
الفُلك: السفينة.
65- ﴿ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴾.
قال: تقدَّمَ تفسيرُ هذا قريبًا. ويعني في الآيةِ (59) من السورة: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيم ﴾، قال: ﴿ اعْبُدُوا ﴾ أي: اعبدوه؛ لأنه لم يكنْ لكم إلهٌ غيرهُ حتى يستحقَّ منكم أن يكونَ معبوداً. ا.هـ.
وقالَ الإمامُ الطبري هنا: ... فأفرِدوا له العبادة، ولا تجعلوا معه إلهًا غيرَه، فإنهُ ليسَ لكم إلهٌ غيره، ﴿ أفلا تَتَّقُونَ ﴾ ربَّكم فتحذَرونَهُ وتخافون عقابَهُ بعبادتِكم غيرَه، وهو خالقُكم ورازقُكم دونَ كلِّ ما سواه؟.
66- ﴿ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ﴾.
قال: تقدَّمَ أيضًا تفسيرُ الملأ.
ويعني في الآيةِ (60) من السورة، فقال: الملأ: أشرافُ القومِ ورؤساؤهم. وقيل: هم الرجال.
ومثلهُ قولُ ابنِ كثيرٍ رحمَهُ الله: الملأُ هم الجمهورُ والسادةُ والقادةُ منهم.
67- ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾.
قال: تقدَّمَ بيانُ معنى هذا قريبًا.
في الآيةِ (61) من السورة: ﴿ قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِين ﴾، فقال: ... أرسلني إليكم لسوقِ الخيرِ إليكم، ودفعِ الشرِّ عنكم. نفَى عن نفسهِ الضلالة، وأثبتَ لها ما هو أعلَى منصباً وأشرفُ رفعة، وهو أنه رسولُ الله إليهم.
68- ﴿ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ ﴾.
ذكرَ أنه تقدَّمَ تفسيره. وهو في الآيةِ (62) من السورة: ﴿ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ ﴾.
فكان مما قال: الرسالات: ما أرسلَهُ الله به إليهم مما أوحاهُ إليه، ﴿ وَأَنصَحُ لَكُمْ ﴾: ... يقال: نصحتهُ ونصحتُ له، وفي زيادةِ اللامِ دلالةٌ على المبالغةِ في إمحاضِ النصح. قالَ الأصمعي: الناصح: الخالصُ من الغلّ، وكلُّ شيءٍ خلصَ فقد نصح، فمعنَى (أنصح) هنا: أُخلِصُ النيةَ لكم عن شوائبِ الفساد.
69- ﴿ أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
﴿ أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ فسَّرَهُ في الآيةِ (63) من السورة، فكان مما قال:
﴿ أَوَعَجِبْتُمْ ﴾: كأنه قيل: استبعدتُم وعجبتم، أو أكذبتُم وعجبتُم، أو أنكرتُم وعجبتُم ﴿ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ أي: وحيٌ وموعظة.
﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ أي: لكي يُفضيَ بكم ذكرُ النعمِ إلى شكرها، الذي مِن جملتهِ العملُ بالأركانِ والطاعةُ، المؤدِّي إلى النجاةِ مِن الكروب، والفوزِ بالمطلوب (روح المعاني).
70- ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾.
إنْ كنتَ من أهلِ الصدقِ على ما تقولُ وتَعِد. (الطبري).
71- ﴿ قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ ﴾.
أي: سخط. (البغوي).
73- ﴿ وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾.
قال: تقدَّمَ تفسيرهُ في قصةِ نوح. وهو في الآيةِ (59) من السورة: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيم ﴾، قال:
﴿ اعْبُدُوا ﴾ أي: اعبدوه؛ لأنه لم يكنْ لكم إلهٌ غيرهُ حتى يستحقَّ منكم أن يكونَ معبوداً. ا.هـ.
وقالَ الإمامُ الطبري هنا: ... فأفرِدوا له العبادة، ولا تجعلوا معه إلهًا غيرَه، فإنهُ ليسَ لكم إلهٌ غيره.
74- ﴿ فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾.
ذكرَ أنه تقدَّمَ تفسيره.
﴿ فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ ﴾ في الآيةِ (69) من السورة، قال: الآلاء: جمعُ إِلَى. ومن جملتها نعمةُ الاستخلافِ في الأرض، والبسطةِ في الخلق، وغيرِ ذلك مما أنعمَ به عليهم. وكرَّرَ التذكيرَ لزيادةِ التقرير. والآلاء: النعم.
﴿ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ في الآيةِ (60) من سورةِ البقرة، فكان مما قالَ هناك: عثَى يعثي عثيًا، وعثا يعثو عثواً، وعاثَ يعيثُ عيثاً، لغات، بمعنى أفسد. وقوله: ﴿ مُفْسِدِينَ ﴾ حالٌ مؤكدة... في الكشاف: العثي: أشدُّ الفساد، فقيل لهم: لا تمادوا في الفسادِ في حالِ فسادكم؛ لأنهم كانوا متمادين فيه.
76- ﴿ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آَمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾
قالَ الذين استكبروا عن أمرِ اللهِ وأمرِ رسولهِ صالح: إنّا أيها القومُ بالذي صدَّقتم به مِن نبوَّةِ صالحٍ وأن الذي جاءَ به حقٌّ مِن عندِ الله، جاحدونَ منكرون، لا نصدِّقُ به ولا نُقِرّ. (الطبري).
77- ﴿ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾.
يقول: إنْ كنتَ للهِ رسولاً إلينا، فإنَّ اللهَ ينصرُ رسلَهُ على أعدائه. فعجَّلَ ذلكَ لهم كما استعجلوه. (الطبري).
84- ﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ﴾.
فـانظرْ يا محمَّدُ إلى عاقبةِ هؤلاءِ الذين كذَّبوا اللهَ ورسولَهُ مِن قومِ لوط، فـاجترموا معاصيَ الله، وركبوا الفواحش، واستـحلُّوا ما حرَّمَ اللهُ مِن أدبـارِ الرجال، كيف كانت، وإلى أيِّ شيءٍ صارت، هل كانت إلا البوارَ والهلاك؟ فإنَّ ذلكَ أو نظيرَهُ مِن العقوبة، عاقبةُ مَن كذَّبكَ واستكبرَ عن الإيمانِ بـاللهِ وتصديقِكَ إنْ لم يتوبوا، مِن قومِك. (الطبري).
85- ﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾.
﴿ أَخَاهُمْ ﴾ قالَ في الآيةِ (65) من السورة: ﴿ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً ﴾: أي واحداً من قبيلتهم، أو صاحبهم، أو سمّاهُ (أخاً) لكونهِ ابنَ آدمَ مثلهم.
﴿ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ قال: قد سبقَ شرحهُ في قصةِ نوح.
وهو في الآيةِ (59) من السورة: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيم ﴾، قال:
﴿ اعْبُدُوا ﴾ أي: اعبدوه؛ لأنه لم يكنْ لكم إلهٌ غيرهُ حتى يستحقَّ منكم أن يكونَ معبوداً.
﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ﴾ قال: تقدَّمَ تفسيرهُ قريبًا. وهو في الآيةِ (56) من السورة، قالَ هناكَ رحمَهُ الله:
نهاهم الله سبحانهُ عن الفسادِ في الأرضِ بوجهٍ من الوجوه، قليلاً كان أو كثيراً، ومنه قتلُ الناس، وتخريبُ منازلهم، وقطعُ أشجارهم، وتغويرُ أنهارهم. ومن الفسادِ في الأرض: الكفرُ بالله، والوقوعُ في معاصيه. ومعنى ﴿ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا ﴾: بعد أن أصلحَها الله بإرسالِ الرسل، وإنزالِ الكتب، وتقريرِ الشرائع. ا.هـ.
﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾:مصدِّقين بما أقول. (البغوي).
86- ﴿ وَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِين ﴾.
أي: آخرُ أَمرِ قومِ لوط. (البغوي).
والإفسادُ في هذا الموضعِ معناه: معصيةُ الله. (الطبري).
87- ﴿ فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ﴾.
واللهُ خيرُ مَن يَفصل، وأعدلُ مَن يقضي، لأنه لا يقعُ في حكمهِ ميـلٌ إلـى أحد، ولا محاباةٌ لأحد. والله أعلـم. (الطبري).