عون البصير على فتح القدير (8)
أ. محمد خير رمضان يوسف
الجزء الثامن
(سورة الأنعام من الآية 111 حتى آخرها، سورة الأعراف 1 - 87)
112-﴿ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾
وما يكذبون. أي: دعْ أذاهم، وتوكَّلْ على اللهِ في عداوتِهم، فإنَّ اللهَ كافيكَ وناصرُكَ عليهم. (ابن كثير).
114-﴿ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴾.
من الشاكّين أنهم يعلمون ذلك. (البغوي).
119- ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ ﴾.
المرادُ منه أنه هو العالمُ بما في قلوبهم وضمائرهم، من التعدِّي، وطلبِ نصرةِ الباطل، والسعي في إخفاءِ الحقّ. وإذا كان عالماً بأحوالهم، وكان قادراً على مجازاتهم، فهو تعالى يجازيهم عليها. والمقصودُ من هذه الكلمةِ التهديدُ والتخويف. والله أعلم. (التفسير الكبير للرازي).
121- ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾.
قال: تقدَّمَ تحقيقُ الفسق.
ولعلهُ يعني كلمة (الفَاسِقِينَ)، الواردة في الآيةِ (26) من سورةِ البقرة، حيثُ أوردَ أقوالًا لأهلِ العلمِ فيها.
قالَ الإمامُ الطبري: اختلفَ أهلُ التأويلِ في معنى "الفسق" في هذا الموضع، فقالَ بعضهم: معناه: المعصية. فتأويلُ الكلامِ على هذا: وإنَّ أكلَ ما لم يُذكرِ اسمُ الله عليه لمعصيةٌ لله وإثم...
وقالَ آخرون: معنى ذلك: الكفر.
122- ﴿ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾.
كذلكَ سوَّلنا لنفوسِ الكافرين تحسينَ وتزيينَ ما هم فيه من ظلامٍ وعملٍ ضالٍّ وسلوكٍ منحرف؛ ليَذوقوا جزاءَ كفرِهم وعنادِهم ورفضِهم اتِّباعَ الحقّ. (الواضح).
124- ﴿ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ ﴾.
عذابٌ شديدٌ بما كانوا يَكيدون للإسلامِ وأهلهِ بالجدالِ بالباطلِ والزخرفِ مِن القولِ غرورًا لأهلِ دينِ اللهِ وطاعته. (الطبري).
128- ﴿ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾.
﴿ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ ﴾ في تدبيرهِ في خلقه، وفي تصريفهِ إيّاهم في مشيئتهِ من حالٍ إلى حال، وغيرِ ذلك من أفعاله. ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بعواقبِ تدبيرهِ إيّاهم، وما إليه صائرٌ أمرُهم من خيرٍ وشرّ (الطبري).
130- ﴿ يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾.
﴿ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ﴾ أي: يقرؤون عليكم، ﴿ آيَـٰتِي ﴾: كتبي، ﴿ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ﴾ وهو يومُ القيامة. (البغوي).
﴿ وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾ أي: وقد فرَّطوا في حياتهم الدنيا، وهلكوا بتكذيبهم الرسل، ومخالفتهم للمعجزات؛ لما اغترُّوا به من زخرفِ الحياةِ الدنيا وزينتها وشهواتها. (ابن كثير).
135- ﴿ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾.
لا ينجحُ ولا يفوزُ بحاجتهِ عند الله. (الطبري).
136- ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا ﴾.
الحَرْث: الزروعُ والثمار. (ابن كثير).
فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا ﴾: أخبرَ الله جلَّ ثناؤهُ أنهم جعلوا لله من حرثهم وأنعامهم قسماً مقدَّراً، فقالوا: هذا لله، وجعلوا مثلَهُ لشركائهم - وهم أوثانهم بإجماعٍ من أهلِ التأويلِ عليه - فقالوا: هذا لشركائنا... (الطبري).
137- ﴿ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُون ﴾.
يختلقون من الكذب. (البغوي).
138- ﴿ وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾.
﴿ وَحَرْثٌ ﴾: سبقَ في الآيةِ (136) أن معناها الزروعُ والثمار.
﴿ ٱفْتِرَآءً عَلَيْهِ ﴾ أي: على الله، وكذباً منهم في إسنادهم ذلك إلى دينِ الله وشرعه، فإنه لم يأذنْ لهم في ذلك، ولا رضيَهُ منهم، ﴿ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ أي: عليه، ويُسندون إليه. (ابن كثير).
﴿ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾: ... وسوفَ يعاقبهمُ اللهُ على كذبِهم هذا سُوءَ العقاب. (الواضح).
139- ﴿ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾.
إن اللهَ في مجازاتهم على وصفِهم الكذبَ وقيلِهم الباطلَ عليه، حكيمٌ في سائرِ تدبيرهِ في خلقه، عليمٌ بما يُصلحهم، وبغيرِ ذلكَ مِن أمورهم. (الطبري).
140- ﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ ﴾.
تكذيباً على الله وتخرُّصاً عليه الباطل. (الطبري).
141- ﴿ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾
﴿ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ﴾ قالَ رحمَهُ الله: تقدَّمَ الكلامُ على تفسيرِ هذا.
وقد وردَ في الآيةِ (99) من السورة: ﴿ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ﴾ قال: كلُّ واحدٍ منهما يشبهُ بعضهُ بعضاً في بعضِ أوصافه، ولا يشبهُ بعضهُ بعضاً في البعضِ الآخر، وقيل: إن أحدهما يشبهُ الآخرَ في الورقِ باعتبارِ اشتمالهِ على جميعِ الغصن، وباعتبارِ حجمه، ولا يشبهُ أحدُهما الآخرَ في الطعم. ا.هـ.
﴿ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾: بل يبغضُهم، من حيثُ إسرافُهم، ويعذِّبُهم عليه إنْ شاءَ اللهُ جلَّ شأنه. (روح المعاني).
فاللهُ لا يحبُّ مَن تجاوزَ الحدَّ إلى ما هو مضرّ، بنفسهِ أو بالآخَرين. (الواضح).
144- ﴿ وَمِنَ الإِبْلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ وَصَّاكُمُ اللّهُ بِهَـذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين ﴾.
﴿ وَمِنَ الإِبْلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ ﴾ قالَ رحمَهُ الله: الكلامُ فيه كما ذُكرَ في الآيةِ السابقة.
وهي الآية: ﴿ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ ﴾، وكان مما قال: المرادُ من هذه الآية: أن الله سبحانهُ بيَّنَ حالَ الأنعامِ وتفاصيلَها إلى الأقسامِ المذكورةِ توضيحاً للامتنانِ بها على عباده، ودفعاً لما كانت الجاهليةُ تزعمه، من تحليلِ بعضها وتحريمِ بعضها تقوّلاً على الله سبحانهُ وافتراءً عليه. والهمزةُ في ﴿ قُلْ ءآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلانثَيَيْنِ ﴾ للإنكار. والمرادُ بالذكرَين الكبشُ والتيس، وبالأُنثيَين النعجةُ والعنز.... والمعنى: الإنكارُ على المشركين في أمرِ البَحيرة وما ذُكرَ معها. ا.هـ.
﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين ﴾: لا يوفِّقُ اللهُ للرشدِ مَن افترَى على الله، وقالَ عليه الزورَ والكذب، وأضافَ إليه تحريمَ ما لم يحرِّم؛ كفرًا باللهِ وجحودًا لنبوَّةِ نبيِّهِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم. (الطبري).
145- ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
قالَ رحمَهُ الله: تقدَّمَ تفسيرهُ في سورةِ البقرة، فلا نعيده..
ويعني عندَ تفسيرِ الآيةِ (173) مِن السورةِ المذكورة، فكان مما قالَ هناك: أي: فمن اضطرَّ إلى شيءٍ من هذه المحرمات... قيل: المرادُ بالباغي مَن يأكلُ فوق حاجته، والعادي: من يأكلُ هذه المحرماتِ وهو يجدُ عنها مندوحة... اهـ.
قالَ في (الواضح في التفسير): فمن دَعَتْهُ الضَّرورةُ إلى تناولِ شيءٍ مِن تلكَ المحظورات، غيرَ مُعْتَدٍ في ذلك، بأنْ لا يأخذَهُ مِن مضطرٍّ آخرَ مثلِه، ولا متجاوِزٍ قَدْرَ الضرورةِ، بأنْ لا يأكلَ زيادةً على حاجتهِ إليها، فإنَّ اللهَ يغفرُ لهُ ما أكل، ويرحمُه.
146- ﴿ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُون ﴾.
قال: بسببِ بغيهم.
وقالَ الإمامُ البغوي: أي: بظلمهم، من قتلهم الأنبياء، وصدِّهم عن سبيلِ الله، وأخذهم الربا، واستحلال أموالَ الناسِ بالباطل.
150- ﴿ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾.
﴿ أَهْوَاءَ ﴾:للإيماءِ إلى أن مكذِّبَ الآياتِ متبِعٌ الهوى لا غير، وأن متبعَ الحجةِ لا يكون إلا مصدِّقاً بها.
﴿ يَعْدِلُونَ ﴾أي: يجعلون له عديلاً، أي: شريكاً. (روح المعاني).
151- ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾.
﴿ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ﴾: منعٌ لموجبيةِ ما كانوا يفعلون لأجلهِ واحتجاجٌ عليه. (البيضاوي).
وقالَ ابنُ كثير رحمَهُ الله: قالَ في سورةِ الإسراء: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ ﴾ [الآية 31] أي: لا تقتلوهم خوفاً من الفقرِ في الآجل، ولهذا قالَ هناك: ﴿ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم ﴾، فبدأ برزقهم للاهتمام بهم، أي: لا تخافوا من فقركم بسببِ رزقهم، فهو على الله. وأما في هذه الآية، فلما كان الفقرُ حاصلاً قال: ﴿ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ﴾ لأنه الأهمُّ هاهنا. والله أعلم.
﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ لعلكم تعقلونَ عنه أمرَهُ ونهيَهُ. (ابن كثير).
152- ﴿ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ﴾.
لا تبخسوا الناسَ الكيلَ إذا كلتوهم، والوزنَ إذا وزنتموهم، ولكن أوفوهم حقوقَهم. (الطبري)
وأتمُّوا المكيلَ والميزانَ بالعدل، في البيعِ والشِّراء. (الواضح).
154- ﴿ ثُمَّ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾.
وتبيينًا لكلِّ ما لقومهِ وأتباعهِ إليه الحاجةُ من أمرِ دينهم. (الطبري).
161- ﴿ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
وما كان مِن المشركينَ بالله، يعني إبراهيمَ صلواتُ الله عليه، لأنه لم يكنْ ممَّن يعبدُ الأصنام. (الطبري).
سورة الأعراف
3- ﴿ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ﴾.
يريدُ كلَّ ما عُبِدَ واتُّبِعَ من دونِ الله، كالأصنامِ والأحبارِ والكهّانِ والنارِ والكواكبِ وغيرِ ذلك. (ابن عطية).
8- ﴿ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾
الذين ظفروا بالنجاح، وأدركوا الفوزَ بالطلبات، والخلودَ والبقاءَ في الجنّات. (الطبري).
9- ﴿ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ﴾
ومَن خفَّتْ موازينُ أعمالهِ الصالحة، فلم تثقلْ بإقرارهِ بتوحيدِ اللهِ والإيمانِ به وبرسوله، واتِّباعِ أمرهِ ونهيه، فأولئكَ الذين غبنوا أنفسَهم حظوظَها مِن جزيلِ ثوابِ اللهِ وكرامته، بما كانوا بحججِ الله وأدلتهِ يجحدون، فلا يقرُّون بصحتِها، ولا يوقنون بحقيقتها (الطبري).
10- ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ﴾.
وأكثرهم مع هذا قليلُ الشكرِ على ذلك. (ابن كثير).
11- ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾.
﴿ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ﴾ في أرحامِ النساء، خلقاً مخلوقاً ومثالاً ممثَّلاً في صورةِ آدم. (الطبري).
18- ﴿ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾
وهذا قسَمٌ من اللهِ جلَّ ثناؤه: أُقسِمُ أنَّ من اتَّبعَ من بني آدمَ عدوَّ الله إبليسَ وأطاعه، وصدَّقَ ظنَّهُ عليه، أن يملأَ مِن جميعهم، يعني مِن كفرةِ بني آدمَ تبَّاعِ إبليس، ومن إبليسَ وذرِّيته، جهنَّم. فرحمَ اللهُ امرءًا كذَّبَ ظنَّ عدوِّ اللهِ في نفسه، وخيَّبَ فيها أملَهُ وأمنيَّته، ولم يكنْ ممَّن أطمعَ فيها عدوَّه... (الطبري).
19- ﴿ وَيَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾.
ذكرَ رحمَهُ الله أنه تقدَّمَ معنَى الإسكان ﴿ اسْكُنْ ﴾، و ﴿ وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ﴾ في سورةِ البقرة.
وقصدهُ في الآيةِ (35) منها: ﴿ وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾، ومختصرُ تفسيرهِ لها: اتخذِ الجنةَ مسكنًا أنتَ وزوجُكَ حوّاء، وكُلا منها في عيشٍ هنيء ﴿ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا ﴾، ولا تدنوا من ﴿ هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ لأنفسِهم بالمعصية.
23- ﴿ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾.
وإن أنت لم تسترْ علينا ذنبنا فتغطِّيه علينا، وتتركْ فضيحتَنا به بعقوبتِكَ إيّانا عليه، وترحمْنا بتعطُّفِكَ علينا، وتركِكَ أخذَنا به، ﴿ لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ يعني: لنكوننَّ من الهالكين. (الطبري).
24- ﴿ قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ﴾.
فسَّرهُ في الآيةِ (36) مِن سورةِ البقرة، فكان مما قال: العدوان: الظلمُ الصراح. وإنما أخبرَ عن قوله: ﴿ بَعْضُكُمْ ﴾ بقوله: ﴿ عَدُوٌّ ﴾ مع كونهِ مفرداً؛ لأن لفظَ "بعض" وإن كان معناهُ محتملاً للتعددِ فهو مفرد، فروعيَ جانبُ اللفظ، وأخبرَ عنه بالمفرد، وقد يراعَى المعنى فيخبرُ عنه بالمتعدد.
26- ﴿ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾
... جعلتُ ذلك لهم دليلاً على ما وصفتُ ليذكَّروا، فيعتبروا ويُنيبوا إلى الحقِّ وتركِ الباطل، رحمةً مني بعبادي. (الطبري).
27- ﴿ يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾.
﴿ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا ﴾ ذكرَ أنه تقدَّمَ تفسيره. ويعني في الآيتين (20) و(22) من السورة: ﴿ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا ﴾، ﴿ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا ﴾.
وقد قالَ الإمامُ الطبري بما يناسبُ ألفاظَ الآية: نزعَ عنهما ما كان ألبسَهما مِن اللباس؛ ليُريَهما سوآتهما بكشفِ عورتهما وإظهارها لأعينِهما بعد أن كانت مستترة.
﴿ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾: إنّا جعلنا الشياطينَ نصراءَ الكفار، الذين لا يوحَّدونَ اللهَ ولا يصدِّقونَ رسلَه. (الطبري).
يتبع