21- ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
إنَّ الذين كفروا بدينِ اللهِ وما أنزلَهُ من آياتٍ بيِّناتٍ، فآثروا الكفرَ على الإيمان، وارتكبوا المآثمَ بتكذيبِهم رسلَه، وخالفوهم استكباراً وعناداً، ولم يكتفوا بهذا، بل قتلوا بعضَ أنبياءِ اللهِ الكرام، ولا جريمةَ لهم في ذلك سوى دعوتِهم إلى الحقّ! ثم شهروا السُّيوفَ ضدَّ من يأمرُهم بالعدلِ واتِّباعِ الصِّراطِ المستقيم، وينهاهُم عن المنكرِ والبغي والجهالة، مادامَ ذلكَ لا يوافقُ أهواءَهم وضلالاتِهم، تكبُّراً واستعلاءً على الحقِّ والهدَى. إذاً فبشِّرهم بذلَّةٍ وصَغار، وعذابٍ قريبٍ ينالُهم. (الواضح).
22- ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.
وما لهؤلاءِ القومِ من ناصرٍ ينصرُهم من اللهِ إذا هو انتقمَ منهم بما سلفَ من إجرامِهم واجترائهم علـيه فـيستنقذهم منه (الطبري).
23- ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾.
أي: ليفصلَ الحقَّ من الباطلِ بين الذين أوتوا - وهم اليهود - وبين الداعي لهم - وهو النبيُّ صلى الله عليه وسلم - في أمرِ إبراهيمَ عليه السلام، أو في حكمِ الرجم، أو في شأنِ الإسلام، أو بين مَن أسلمَ منهم ومن لم يُسلم، حيثُ وقعَ بينهم اختلافٌ في الدينِ الحقّ... (روح المعاني).
26- ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
... لأنكَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ دونَ سائرِ خَلقك، ودونَ مَن اتَّخذهُ المشركونَ من أهلِ الكتابِ والأميينَ من العربِ إلهًا وربًّا يعبدونَهُ من دونك، كالمسيح، والأندادِ التي اتَّخذها الأميونَ ربًّا (الطبري، باختصار).
29- ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
واللهُ قديرٌ علـى معاجلتِكم بالعقوبةِ علـى موالاتِكم إيّاهم، ومظاهرتِكموهم علـى المؤمنـين، وعلـى ما يشاءُ مِن الأمورِ كلِّها، لا يتعذَّر عليه شيءٌ أراده، ولا يمتنعُ علـيه شيءٌ طلبه. (الطبري).
30- ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾.
يعني يومَ القيامةِ يُحضَرُ للعبدِ جميعُ أعماله، من خيرٍ ومن شرّ، كما قالَ تعالى: ﴿يُنَبَّأُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [سورة القيامة: 13]، فما رأى من أعمالهِ حسناً سرَّهُ ذلك وأفرحه، وما رأى من قبيحٍ ساءَهُ وغاظه... (ابن كثير).
31- ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾: أكثرُ المتأخرين على أن مثلَ ذلك جوابُ شرطٍ مقدَّر، أي: إنْ تتبعوني يحببكم، أي: يقرِّبكم. رواهُ ابن أبـي حاتم عن سفيان بن عُيينة. وقيل: يرضَ عنكم. ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ أي: يتجاوزْ لكم عنها، ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي: لمن تحبَّبَ إليه بطاعته، وتقرَّبَ إليه باتِّباعِ نبيِّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم. (روح المعاني، باختصار).
32- ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾.
أي: تخالَفوا عن أمره. (ابن كثير).
33- ﴿إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِين﴾.
ذكرَ أنه تقدَّمَ تفسيره. وقد قالَ في الآيةِ الثانيةِ من سورةِ الفاتحة: ﴿الْعَالَمِين﴾: جمعُ العالم، وهو: كلُّ موجودٍ سوى اللهِ تعالى. قالَهُ قتادة.
34- ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لأقوالِ العباد، ﴿عَلِيمٌ﴾ بأفعالهم وما تكنُّهُ صدورهم، فيصطفي من يشاءُ منهم. (روح المعاني).
35- ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيم﴾.
قالَ الإمامُ الطبري في معنى النذرِ في الآيةِ (270) من سورةِ البقرة: ما أوجبَهُ المرءُ على نفسه، تبرُّراً في طاعةِ الله وتقرُّباً به إليه، من صدقةٍ أو عملِ خير.
﴿إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ﴾ لسائرِ المسموعات، فتسمعُ دعائي، ﴿ٱلْعَلِيمُ﴾ بما كان ويكون، فتعلمُ نيتي. (روح المعاني).
37- ﴿إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَاب﴾.
قوله: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: بغيرِ تقدير؛ لكثرته، أو من غيرِ مسألةٍ سألها، على سبيلٍ يناسبُ حصولها، وهذا كقوله: ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾ [سورة الطلاق: 3]. (مفاتيح الغيب).
38- ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾
أي: سامعه، وقيل: مجيبه. (البغوي).
39- ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾.
وهو قائمٌ يصلي في محرابِ عبادته، ومحلُّ خلوته، ومجلسُ مناجاته وصلاته. (ابن كثير).
44- ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ﴾.
أي: من أخبارِ الغيب (البغوي)، والغيب: ما غابَ عن مداركِ الإنسان. (ابن عطية).
45- ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِين﴾.
﴿قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ﴾: ... فقالوا لها: إنَّ اللهَ يبشِّرُكِ بولدٍ تَلِدينَهُ بأمرٍ من اللهِ وكلمةٍ منه، هي "كُنْ"، فيكون. (الواضح).
﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِين﴾: يعني أنه ممن يقرِّبهُ اللهُ يومَ القيامةِ فيُسكِنهُ في جوارهِ ويُدنيهِ منه (الطبري).
47- ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾
أي: هكذا أمرُ اللهِ عظيم، لا يُعجِزهُ شيء.
وصرَّحَ هاهنا بقوله: ﴿يَخْلُقُ﴾، ولم يقل: "يفعل" كما في قصةِ زكريا، بل نصَّ هاهنا على أنه يخلق، لئلاّ يُبقي لمبطلٍ شبهة.. (ابن كثير).
49- ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
يعني بذلك جلَّ ثناؤه: إن في خلقي من الطينِ الطيرَ بإذنِ الله، وفي إبرائي الأكمهَ والأبرص، وإحيائي الموتَى، وإنبائي إيّاكم بما تأكلون وما تدَّخرون في بـيوتكم، ابتداءً من غيرِ حسابٍ وتنـجيـم، ولا كهانةٍ وعرافة؛ لعبرةً لكم، ومتفكَّرًا تتفكَّرونَ في ذلك، فتعتبرونَ به أني مُـِحقٌّ في قولي لكم: إني رسولٌ مِن ربِّكم إلـيكم، وتعلمونَ به أني فيما أدعوكم إلـيه مِن أمرِ اللهِ ونهيهِ صادق، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يعني: إنْ كنتـم مصدِّقينَ حُجَجَ اللهِ وآياته، مقرِّينَ بتوحيدهِ ونبـيِّهِ موسى، والتوراةِ التي جاءَكم بها. (الطبري).
50- ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾.
﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾: وأُرسِلتُ إليكم لأُصَدِّقَ ما في التوراةِ، وأُحييَ ما بها مِن أحكام..
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾: فالتزِموا طاعةَ اللهِ واجتنِبوا معصيتَه، وأطيعوني فيما آمرُكم بهِ وأنهاكم عنه. (الواضح).
51- ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾.
واللهُ ربِّي وربُّكم، فكِلانا نخضعُ لهُ بالعبوديَّة والطَّاعة، فاثبُتوا على عبادتهِ وطاعتِه، فإنَّهُ الطريقُ الصَّحيحُ الذي يُقيمُ عليه المؤمنون المتَّقون. (الواضح).
56-﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾
وما لهم مِن عذابِ اللهِ مانع، ولا عن أليمِ عقابهِ لهم دافعٌ بقوَّةٍ ولا شفـاعة، لأنه العزيزُ ذو الانتقام. (الطبري).
57- ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾.
وأمّا مَن آمنَ باللهِ ورسلِه، وأتْبَعَ إيمانَهُ بالعملِ الصالحِ كما يَفعلُ المؤمنون، فسوفَ يعطيهم اللهُ ثوابَ أعمالِهم كاملاً، في الدُّنيا بالنَّصرِ والظفَر، وفي الآخرةِ بالنَّعيمِ المقيم. واللهُ يَبغُضُ الكافرين الذين يؤثِرونَ الغَيَّ والضَّلالَ على الإيمانِ والهُدَى، ولن يَرحمَهم. (الواضح).
58- ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيم﴾.
أي: هذا الذي قصصنا عليكَ يا محمدُ في أمرِ عيسى ومبدأ ميلادهِ وكيفيةِ أمره، وهو مما قالَهُ تعالى، وأوحاهُ إليك، ونزَّلَهُ عليكَ من اللوحِ المحفوظ، فلا مريةَ فيه ولا شكَ، كما قال تعالى في سورةِ مريم: ﴿ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِى فِيهِ يَمْتُرُونَ . مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَـٰنَهُ إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾. [الآيتان 34، 35]. (ابن كثير).
60- ﴿الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِين﴾.
هم الشاكُّون، والمرية: الشكّ، ونهيُ النبيِّ عليه السلامُ في عبارةٍ اقتضت ذمَّ الممترين، وهذا يدلُّ على أن المرادَ بالامتراءِ غيره. ولو قيل: "فلا تكنْ ممترياً" لكانت هذه الدلالةُ أقل، ولو قيل: "فلا تمترِ" لكانت أقلّ. ونهيُ النبيِّ عليه السلامُ عن الامتراءِ مع بُعدهِ عنه، على جهةِ التثبيتِ والدوامِ على حاله. (ابن عطية).
61- ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِين﴾.
الابتهال: الالتعان، يقال: عليه بهلةُ الله، أي لعنته، ﴿فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾ منّا ومنكم في أمرِ عيسى. (البغوي).
62- ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
... والنبأ ﴿ٱلْحَقُّ﴾ فـاعلـمْ ذلك، واعلـمْ أنه لـيسَ للخـلقِ معبودٌ يستوجبُ علـيهم العبـادةَ بملكهِ إياهم إلا معبودكَ الذي تعبده (الخطابُ لرسولنا صلى الله عليه وسلم).
ويعنـي بقوله ﴿العَزِيزُ﴾: العزيزُ في انتقامهِ ممَّن عصاه، وخالفَ أمره، وادَّعى معه إلهًا غيره، أو عبدَ ربًّـا سواه. ﴿الـحَكِيـمُ﴾ في تدبـيره، لا يدخـلُ ما دبَّرهُ وهْن، ولا يلحقهُ خـلَل (الطبري).
63- ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْاْ﴾ أي: عن هذا إلى غيره، ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِٱلْمُفْسِدِينَ﴾ أي: مَن عدلَ عن الحقِّ إلى الباطل، فهو المفسد، والله عليمٌ به، وسيجزيهِ على ذلك شرَّ الجزاء، وهو القادرُ الذي لا يفوتهُ شيء، سبحانهُ وبحمده، ونعوذُ به من حلولِ نقمته. (ابن كثير).
64- ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾.
﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾: لا وثنًا، ولا صنمًا، ولا صليبًا، ولا طاغوتًا، ولا نارًا، ولا شيئًا. بل نُفردُ العبادةَ للهِ وحدَهُ لا شريكَ له. وهذه دعوةُ جميعِ الرسل. (ابن كثير).
66- ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وأنتم لا تعلـمون من ذلك إلا ما عاينتُم فشاهدتُم، أو أدركتُم علمَهُ بـالإخبـارِ والسماع. (الطبري).
67- ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
ذكرَ أنه تقدَّمَ تفسيرُ الحنيف، ويعني في الآية (135) من سورة البقرة، وقد قالَ هناك: الحنيف: المائلُ عن الأديانِ الباطلةِ إلى دينِ الحق. ا.هـ.
وتفسيرُ الآية: والحقُّ أنَّ إبراهيمَ ما كانَ يهوديًّا ولا نصرانيًّا، ولكنَّهُ كانَ مسلماً، مائلاً عن كلِّ ملَّةٍ إلى الإسلام، وما كانَ مشركاً مثلَكم. (الواضح).
68- ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
واللهُ ناصرُ المؤمنـينَ بمـحمدٍ المصدِّقينَ له في نبوَّته، وفيما جاءَهم به مِن عندهِ على مَن خالفَهم مِن أهلِ الـمِلَل والأديان. (الطبري).
69- ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.
قالَ ابنُ كثير: وهم لا يشعرون أنهم ممكورٌ بهم.
وقالَ ابنُ عطية: ثم أعلمَ أنهم لا يشعرون أنهم لا يصلون إلى إضلالكم.
71- ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُون﴾.
﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أن محمَّداً صلَّى الله عليه وسلم ودينَهُ حقّ. (البغوي).
73- ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
... يعطيهِ مَن يشاءُ مِن خَلقه، واللهُ ذو سَعةٍ بفضلهِ على من يشاءُ أنْ يتفضَّلَ عليه، ذو علمٍ بمن هو منهم للفضلِ أهل. (الطبري، باختصار).
74- ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
يقول: ذو فضلٍ يتفضَّلُ به علـى من أحبَّ وشاءَ مِن خـلقه. ثم وصفَ فضلَهُ بـالعِظَم، فقال: فضلهُ عظيـمٌ لأنه غيرُ مشبَّهٍ في عِظَمِ موقعهِ مـمَّن أفضلَهُ علـيه أفضالَ خـلقه، ولا يقاربهُ في جلالةِ خطرهِ ولا يدانـيه (الطبري).
75- ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُون﴾.
ذمٌّ لبني إسرائيلَ بأنهم يكذبون على الله تعالى في غيرِ ما شيء، وهم علماءُ بمواضعِ الصدقِ لو قصدوها، ومن أخطرِ ذلك أمرُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم. هذا قولُ جماعةٍ من المتأولين.
ورُوي عن السدِّي وابن جريج وغيرهما، أن طائفةً من أهلِ الكتابِ ادَّعتْ أن في التوراةِ إحلالَ اللهِ لهم أموالَ الأميين كذباً منها، وهي عالمةٌ بكذبها في ذلك. قالا: والإشارةُ بهذه الآيةِ إلى ذلك الكذبِ المخصوصِ في هذا الفصل. (ابن عطية).
76- ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.
أي: ولكنْ مَن أوفَى ﴿بِعَهْدِهِ﴾ أي: بعهدِ الله الذي عهدَ إليه في التوراة، من الإِيمانِ بمحمدٍ صلَّى الله عليه وسلم والقرآنِ وأداءِ الأمانة. وقيل: الهاءُ في (عهدهِ) راجعةٌ إلى الموفي. ﴿وَٱتَّقَى﴾ الكفرَ والخيانةَ ونقضَ العهدِ. (البغوي).
77- ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾:الأعواضُ النزرةُ أو الرشا، ووصفَ ذلك بالقلةِ لقلَّتهِ في جنبِ ما يفوتُهم من الثواب، ويحصلُ لهم من العقاب. (منتخب من روح المعاني).
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾:أي: مؤلمٌ موجع. والظاهرُ أن ذلك في القيامة، إلا أنه لم يقيَّدْ به اكتفاءً بالأول. وقيل: إنه في الدنيا، بالإهانةِ وضربِ الجزية، بناءً على أن الآيةَ في اليهود. (روح المعاني).
78- ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
يعني: لتظنوا أن الذي يحرِّفونَهُ بكلامِهم من كتابِ الله وتنزيله، وما ذلكَ الذي لووا به ألسنتَهم فحرَّفوهُ وأحدَثوهُ مِن كتابِ الله. ويزعمون أن ما لووا به ألسنتَهم من التحريفِ والكذبِ والبـاطلِ فألحقوهُ في كتابِ اللهِ مِن عندِ الله، وما هو من عندِ الله، ولكنهُ مما أحدَثوهُ من قِبَلِ أنفسهم، افتراءً على الله. فهم يتعمدون قيلَ الكذب علـى الله، والشهادةِ عليه بالباطل، والإلحاقِ بكتابِ الله ما لـيس منه، طلبـًا للرياسةِ والخسيسِ من حطامِ الدنـيا. (الطبري، باختصار).
79- ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
لا ينبغي لإنسانٍ أنزلَ اللهُ عليهِ الكتابَ الناطقَ بالحقّ، الذي فيه أمرٌ بتوحيدِ اللهِ وإخلاصِ العبادةِ له، وآتاهُ عقلاً وفهماً، وأوحَى إليهِ وجعلَهُ نبيًّا، ثمَّ يقولُ هذا الإنسان، وهو بشَرٌ مِن عبادِ الله: كونوا أيُّها الناسُ عباداً لي لا عبادا ًلله، أو أشرِكوني بالعِبادةِ معه. فهذا لا يَصلُحُ لنبيٍّ قولُه، ولا لأحدٍ من الناس، فإنَّ العبادةَ ليست للعباد، وإنَّما هي لخالقِ العبادِ وحدَه.(الواضح).
80- ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
قالَ جلَّ ثناؤهُ نافياً عن نبيِّهِ صلى الله عليه وسلم أن يأمرَ عبـادَهُ بذلك: أيأمرُكم بـالكفرِ أيها الناسُ نبيُّكم بجحودِ وحدانيةِ الله ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾؟ يعني: بعدَ إذ أنتم له منقادون بالطاعة، متذلِّلون له بـالعبودية، أي إن ذلك غيرُ كائنٍ منه أبداً. (الطبري).
81- ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾.
... وذلك لأنه تعالى أوجبَ الإيمانَ به أولاً، ثم الاشتغالَ بنصرتهِ ثانياً. (مفاتيح الغيب).
83- ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾.
أي: يومَ المعاد، فيجازي كلاً بعمله. (ابن كثير).
84- ﴿قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾.
قلْ أنتَ أيُّها الرسولُ ومَن معكَ مِن المؤمنين: آمنّا باللهِ وحدَه، وبالقرآنِ الذي أنزلَهُ علينا، وبما أنزلَهُ على أنبيائه: إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباطِ، وهم بطونٌ مِن أولادِ يعقوبَ عليهِ السلام، مِن صُحُفٍ ووحي، وما أوتيَهُ موسَى، وهو التوراة، وما أوتيَهُ عيسَى، وهو الإنجيل، وما أوتيَ كلُّ الأنبياءِ مِن ربِّهم مِن كتبٍ ومعجِزات. (الواضح).
85- ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾.
ومَن يطلبْ دينًا غيرَ دينِ الإسلامِ ليَدِينَ به، فلن يَقبلَ الله منه. (الطبري).
87- ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.
قال: تقدَّمَ تفسيرُ اللعن. وقد بيَّنَ معناهُ في الآيةِ (87) من سورةِ البقرة، فقالَ ما مختصره: أصلُ اللعنِ في كلامِ العرب: الطرد، والإبعاد. والمعنى: أبعدَهم الله من رحمته.
وتفسيرها: هؤلاءِ الذين كفروا بعدَ إيمانهم، وبعدَ أن شهدوا أن الرسولَ حقّ، ثوابُهم مِن عملهم الذي عملوهُ أنْ حلَّ بهم مِن اللهِ الإقصاءُ والبعد، ومِن الملائكةِ والناس - إلا ممّا يسوؤهم مِن العقاب - ﴿أَجْمَعِينَ﴾: يعني مِن جميعِهم، لا بعضِ مَن سمّاهُ جلَّ ثناؤهُ مِن الملائكةِ والناس. (الطبري).
90- ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾
أي: الخارجون عن المنهجِ الحقِّ إلى طريقِ الغيّ. (ابن كثير).
91- ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.
... فإنَّ لهم عذاباً شديداً مُوجِعاً، ولن يكونَ هناكَ مَن يُعينُهُ لدفعِ العذابِ عنه أو تخفيفِه. (الواضح).
92- ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيم﴾.
أي: يعلمهُ ويجازي به. (البغوي).