عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 11-01-2021, 01:55 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,361
الدولة : Egypt
افتراضي رد: عون البصير على فتح القدير

عون البصير على فتح القدير (3)




أ. محمد خير رمضان يوسف



الجزء الثالث

(سورة البقرة من الآية 255 حتى آخرها، سورة آل عمران 1 – 92)


255- ﴿لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء﴾.
﴿لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾:إخبارٌ بأن الجميعَ عبيدهُ وفي ملكه، وتحت قهرهِ وسلطانه، كقوله: ﴿إِن كُلُّ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِى ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً . لَّقَدْ أَحْصَـٰهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً . وَكُلُّهُمْ ءَاتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَرْداً﴾ [سورة مريم: 93 – 95]. (ابن كثير).
﴿وَلاَ يُحِيطُونَ﴾ قال: تقدَّم معنَى الإحاطة. ولعله يعني عند تفسيرِ الآيةِ (19) من السورة: ﴿واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِين﴾، فقال: والإحاطة: الأخذُ من جميعِ الجهات، حتى لا تفوتَ المحاطَ به بوجهٍ من الوجوه.
وقالَ الآلوسي رحمَهُ الله: الإحاطةُ بالشيءِ علماً: علمُهُ كما هو على الحقيقة، والمعنى: لا يعلمُ أحدٌ من هؤلاءِ كنهَ شيءٍ ما من معلوماتهِ تعالى ﴿إِلاَّ بِمَا شَاء﴾ أنْ يعلَم. (روح المعاني).

256- ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
والله سميعٌ إيمانَ المؤمنِ بالله وحده، الكافرِ بالطاغوت، عند إقرارهِ بوحدانيةِ الله وتبرُّئهِ من الأندادِ والأوثانِ التي تُعبَدُ من دونِ الله.
عليمٌ بما عزمَ عليه من توحيدِ الله وإخلاصِ ربوبيتهِ قلبَهُ، وما انطوَى عليه - من البراءة من الآلهةِ والأصنامِ والطواغيت - ضميرهُ، وبغيرِ ذلك مما أخفتْهُ نفسُ كلِّ أحدٍ مِن خَلقه، لا ينكتمُ عنه سرٌّ ولا يخفَى عليه أمر، حتى يجازيَ كلاً يومَ القيامةِ بما نطقَ به لسانهُ وأضمرتْهُ نفسه، إنْ خيراً فخيراً، وإنْ شرًّا فشرًّا (الطبري).

257- ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
حكمَ عليهم بالخلودِ في النارِ لكفرهم. (ابن عطية).

258- ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
قالَ رحمَهُ الله: تذييلٌ مقررٌ لمضمونِ الجملةِ التي قبله.
وأوردَ في آخرهِ قولَ السدِّي: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ إلى الإيمان.
وقالَ ابنُ كثيرٍ رحمَهُ الله: أي: لا يُلهمُهم حجَّةً ولا برهانًا، بل ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [سورة الشورى: 16].

260- ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيم﴾.
﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ﴾: أمرَهُ الله عزَّ وجلَّ أن يدعوَهنَّ، فدعاهنَّ كما أمرَهُ الله عزَّ وجلّ.
﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيم﴾ أي: عزيزٌ لا يَغلبهُ شيء، ولا يمتنعُ منه شيء، وما شاءَ كان بلا ممانع؛ لأنه العظيمُ القاهرُ لكلِّ شيء، حكيمٌ في أقوالهِ وأفعاله، وشرعهِ وقدَره. (ابن كثير).

261- ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيم﴾.
﴿يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾: ينفقون أموالهم على أنفسهم في جهادِ أعداءِ الله بأنفسهم وأموالهم.
﴿وَاللهُ وَاسِعٌ﴾ أن يزيدَ من يشاءُ من خـَلقهِ المنفقـين في سبـيـله، علـى أضعافِ السبعمائةِ التي وعدَهُ أن يزيده، ﴿عَلِيمٌ﴾ مَن يستـحقُّ منهم الزيادة. (الطبري).

262- ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾.
﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ قالَ رحمَهُ الله: هذه الجملةُ متضمنةٌ لبيانِ كيفيةِ الإنفاقِ الذي تقدَّم.
وقالَ الإمامُ الطبري رحمَهُ الله في بيانها: يعني تعالى ذكره بذلك: المعطي مالَهُ المجاهدين في سبيلِ الله معونةً لهم على جهادِ أعداءِ الله. يقولُ تعالى ذكره: الذين يُعينون المجاهدين في سيبلِ الله بالإنفاقِ عليهم، وفي حمولاتهم، وغيرِ ذلك من مؤنهم.
﴿لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾:لهم ثوابهم وجزاؤهم علـى نفقتهم التي أنفقوها في سبيلِ الله، ثم لم يُتبِعونها منًّا ولا أذى. (الطبري).

263- ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى﴾.
هذا إخبارٌ جزمٌ من الله تعالى أن القولَ المعروفَ - وهو الدعاءُ والتأنيسُ والترجيةُ بما عند الله - خيرٌ من صدقةٍ هي في ظاهرها صدقة، وفي باطنها لا شيء؛ لأن ذلك القولَ المعروفَ فيه أجر، وهذه لا أجرَ فيها. (ابن عطية).

264- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾: أيُّها المؤمِنون، لا تجعلوا صدقاتِكم تَذهبُ هباء، وذلكَ عندما تُتْبِعونَها بالمنِّ والأذَى، فإنَّ هذا الغلطَ منكم يُذهِبُ ثوابَ ما تصدَّقتم به.
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾: واللهُ لا يَهدِي الكافرين إلى الخيرِ والرُّشد، وهم لم يَطلبوا الهدايةَ والرشادَ من الله.
وفيهِ تعريضٌ بأنَّ كلاًّ من الرياءِ والمَنِّ والأذَى مِن خصائصِ الكفّار، فلا بدَّ للمؤمنينَ مِن أن يَتجنَّبوها (الواضح).

266- ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُون﴾.
﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾: قالَ في مثلها، في الآيةِ (25) من السورة: والجنات: البساتين، وإنما سمِّيت جناتٍ لأنها تجنُّ مَن فيها، أي: تسترهُ بشجرها، وهو: اسمٌ لدارِ الثوابِ كلِّها، وهي مشتملةٌ على جناتٍ كثيرة. والأنهارُ جمعُ نهر، وهو: المجرَى الواسع، فوق الجدولِ ودون البحر، والمراد: الماءُ الذي يجري فيها. وأُسنِدَ الجريُ إليها مجازاً، والجاري حقيقةً هو الماء، كما في قولهِ تعالى: ﴿وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [سورة يوسف: 82] أي: أهلَها، وكما قالَ الشاعر:
ونبئتُ أن النّارَ بعدكَ أُوقِدَتْ *** واستبَّ بعدَكَ يا كُليبُ المْجلِسُ
والضميرُ في قوله: ﴿مِن تَحْتِهَا﴾ عائدٌ إلى الجنات؛ لاشتمالها على الأشجار، أي: من تحتِ أشجارها. ا. هـ.
﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء﴾: يعني أن صاحبَ الجنةِ أصابَه الكِبَر، ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ﴾: صغارٌ أطفـال.
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُون﴾: كما بـيَّنَ لكم ربُّكم تبـاركَ وتعالَى أمرَ النفقةِ في سبـيـله، وكيف وجَّهها، وما لكم وما لـيسَ لكم فعلهُ فـيها، كذلكَ يبـيِّنُ لكم الآياتِ سوَى ذلك، فـيعرِّفُكم أحكامَها، وحلالَها وحرامَها، ويوضِّحُ لكم حُجَجَها، إنعامًا منه بذلك علـيكم، ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ يقول: لتتفكَّروا بعقولِكم فتتدبَّروا وتعتبروا بحججِ اللهِ فيها، وتعملوا بما فـيها من أحكامِها، فتطيعوا الله به. (الطبري).

267- ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيد﴾.
﴿وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ﴾ عن صدقاتكم، ﴿حَمِيدٌ﴾: محمودٌ في أفعاله. (البغوي).

268- ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
عليمٌ بنفقاتِكم وصدقاتِكم التـي تُنفقونَ وتَصدَّقون بها، يُحصيها لكم حتـى يجازيَكم بها عند مقدمِكم علـيه في آخرتِكم. (الطبري).

269- ﴿يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَاب﴾.
يعني بذلك جلَّ ثناؤه: يؤتي اللهُ إصابةَ الصوابِ في القولِ والفعلِ مَن يشاء، ومَن يؤتهِ اللهُ ذلكَ فقد آتاهُ خيراً كثيراً.
﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَاب﴾: يعني بذلك جلَّ ثناؤه: وما يتعظُ بما وَعظَ به ربُّهُ في هذه الآياتِ التي وَعظ فيها المنفقين أموالَهم بما وَعظَ به غيرَهم فيها وفي غيرها من آي كتابه، فيذكرُ وعدَهُ ووعيدَهُ فيها، فينزجرُ عمّا زجرَهُ عنه ربُّه، ويطيعهُ فيما أمرَهُ به، ﴿إِلاَّ أُولُوا أَلالْبَابِ﴾ يعني: إلا أولو العقول، الذين عقلوا عن الله عزَّ وجلَّ أمرَهُ ونهيَه. فأخبرَ جلَّ ثناؤهُ أن المواعظَ غيرُ نافعةٍ إلا أولي الحِجا والحلوم، وأن الذكرَى غيرُ ناهيةٍ إلا أهلَ النُّهَى والعقول. (الطبري).

270- ﴿وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ﴾.
يعني بالنذر: ما أوجبَهُ المرءُ على نفسه، تبرُّراً في طاعةِ الله وتقرُّباً به إليه، من صدقةٍ أو عملِ خير. (الطبري).

271- ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
أي: لا يخفَى عليه مِن ذلكَ شيء، وسيجزيكم عليه. (ابن كثير).

272- ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾.
لا تنقصونَ من ثوابِ أعمالِكم شيئًا. (البغوي).

273- ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيم﴾.
وعدٌ محض، أي: يعلمهُ ويُحصيه، ليجازيَ عليه ويُثيب. (ابن عطية).

274- ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ أي: يومَ القيامة، على ما فعلوا من الإنفاقِ في الطاعات.
﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ بيَّنها الشوكاني رحمهُ الله في الآية (38) من السورة: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، قال: ﴿فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ يعني في الآخرة، ﴿وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ يعني لا يحزنون للموت.

276- ﴿وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيم﴾.
متمادٍ في الإثمِ فيما نهاهُ عنه، من أكلِ الربا والحرامِ وغيرِ ذلك من معاصيه، لا ينزجرُ عن ذلك، ولا يرعوي عنه، ولا يتَّعظُ بموعظةِ ربِّهِ التي وعظَهُ بها في تنزيلهِ وآي كتابه. (الطبري).

277- ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
ذكرَ أنه تقدَّمَ تفسيرها. يعني متفرقة.
وتفسيرها: إنَّ الذينَ آمنوا وأتْبَعُوا إيمانَهم بالأعمالِ الصالحة، فأطاعوا ربَّهم، وشكروا لهُ نِعَمَهُ عليهم، ورَضُوا بما قَسَمَ لهم من الحلال، وأحسَنوا إلى خَلْقه، وداوموا على صلواتِهم، وأعطَوا زكاةَ أموالِهم للفقراءِ والمحتاجين، لهم جميعاً الجزاءُ العظيمُ عند ربِّهم، ولا خوفٌ عليهم يومَ الحساب، في مقابلِ التخبُّطِ والهلعِ الذي يُصيبُ المـُرابي، ولا هم يَحزنونَ على ما فاتَهم منَ الدُّنيا، فهم في مكانٍ أجلّ، ونعيمٍ أعظم، وسعادةٍ لا تُوصَفُ ولا تُقارَنُ بما في الدنيا. (الواضح).

281- ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ بنقصِ ثوابٍ وتضعيفِ عقاب. (البيضاوي).

282- ﴿وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾.
﴿إِلَى أَجَلِهِ﴾:إلى أجَلِ الحقّ، فإن الكتابَ أحصَى للأجل والمال.
﴿وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾: يعني مِن أعمالِكم وغيرها، يُحصيها علـيكم لـيجازيَكم بها. (الطبري).

283- ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.
عليمٌ بما تعملونَ في شهادتكم، مِن إقامتِها والقيامِ بها، أو كتمانكم إيّاها عند حاجةِ مَن استشهدكم إليها، وبغيرِ ذلك من سرائرِ أعمالكم وعلانيتها عليمٌ، يُحصيهِ عليكم ليجزيَكم بذلك كلِّهِ جزاءَكم، إمّا خيرًا وإمّا شرًّا، على قدرِ استحقاقِكم (الطبري).

284- ﴿لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾.
﴿لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ قال: تقدَّمَ تفسيره. ولعله يعني الآيةَ (116) من السورة: ﴿بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾. وقد قالَ هناك: ردٌّ على القائلين بأنه اتخذَ ولداً، أي: بل هو مالكٌ لما في السماواتِ والأرض، وهؤلاء القائلون داخلون تحتَ ملكه..
﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾: فـيعرِّفُ مؤمنَكم تفضُّلَهُ بعفوهِ عنه ومغفرتهِ له، فـيغفرهُ له، ويعذِّب منافقَكم على الشكِّ الذي انطوتْ عليه نفسهُ في وحدانيةِ خالقهِ ونبوَّةِ أنبـيائه. واللهُ عزَّ وجلَّ على العفوِ عمّا أخفتهُ نفسُ هذا المؤمنِ من الهمَّةِ بالخطيئة، وعلى عقابِ هذا الكافرِ على ما أخفتهُ نفسهُ من الشكِّ في توحيدِ الله عزَّ وجلَّ ونبوَّةِ أنبيائه، ومجازاةِ كلِّ واحدٍ منهما على ما كان منه، وعلى غيرِ ذلك من الأمور، قادرٌ. (الطبري).

سورة آل عمران

2- ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ
ذكرَ أنه تقدَّمَ تفسيرُ ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، ويعني في تفسيرِ آيةِ الكرسي (الآية 255 من سورة البقرة)، قالَ هناك رحمهُ الله:﴿الْحَيُّ﴾: الباقي، و﴿الْقَيُّومُ﴾: القائمُ على كلِّ نفسٍ بما كسبت. وأوردَ أقوالًا أخرى في معناهما.

4- ﴿مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ﴾.
بـيانًا للناسِ من الله، فيما اختلفوا فـيه، من توحيدِ الله، وتصديقِ رُسله، ومفـيداً يا محمدُ أنك نبيِّي ورسولي، وفي غيرِ ذلك من شرائعِ دينِ الله. (الطبري).

6- ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
أي: هو الذي خلق، وهو المستحقُّ للإلهيةِ وحدَهُ لا شريكَ له، وله العزَّةُ التي لا تُرام، والحِكمةُ والإحكام. (ابن كثير).

8- ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾.
﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾: يعني أنهم يقولون رغبةً منهم إلى ربِّهم، في أن يَصرفَ عنهم ما ابتلَـى به الذين زاغتْ قلوبُهم، من اتِّبـاعِ متشابهِ آي القرآنِ ابتغاءَ الفتنةَ وابتغاءَ تأويـله، الذي لا يعلمهُ غيرُ الله، يا ربَّنا لا تجعلنا مثلَ هؤلاء الذين زاغتْ قلوبُهم عن الحقِّ فصدُّوا عن سبيلك.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾: إنكَ أنتَ المـُعطي عبادكَ التوفيقَ والسداد، للثباتِ على دينك، وتصديقِ كتابِكَ ورسُلِك (الطبري).

9- ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ.
قال: تقدَّمَ تفسيرُ الريب. وقد فسَّرَهُ في الآيةِ الثانيةِ من السورةِ بما يناسبُ الآية: ﴿ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ فقال: أي: لا مبدِّلَ له. ثم نقلَ من الطبريِّ رحمَهُ الله آثارًا في ذلك، تفيدُ بأن الريبَ معناهُ الشكّ.

11- ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ
يهلكون ويعذَّبون كما جرَى لآلِ فرعونَ ومَن قبلَهم من المكذِّبين للرسلِ فيما جاؤوا به من آياتِ الله وحُجَجه، ﴿وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ أي: شديدُ الأخذ، أليمُ العذاب، لا يمتنعُ منه أحد، ولا يفوتهُ شيء، بل هو الفعَّال لما يريد، الذي قد غلبَ كلَّ شيء، وذَلَّ له كلُّ شي، لا إلهَ غيره، ولا ربَّ سواه. (ابن كثير).

12- ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ.
الحشر: الجمعُ والإحضار، وقوله ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ يعني جهنم، هذا ظاهرُ الآية، وقال مجاهد: المعنى: بئسَ ما مهَّدوا لأنفسهم، فكأن المعنى: وبئسَ فعلُهم الذي أدَّاهم إلى جهنم. (ابن عطية).

13- ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَار﴾.
لمن له بصيرةٌ وفهمٌ يَهتدي به إلى حكمةِ الله وأفعاله، وقدرهِ الجاري بنصرِ عبادهِ المؤمنين في هذه الحياةِ الدنيا، ويومَ يقومُ الأشهاد. (ابن كثير).

14- ﴿وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآب﴾.
أي: المرجعُ الحسَن. (روح المعاني).

15- ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾.
إنَّهُ مِن نصيبِ عبادِ اللهِ المتَّقين، الذين آمنوا باللهِ وقاموا بالأعمالِ الصَّالحة.
فهؤلاءِ لهم عند ربِّهم جنانٌ جميلة، واسعةٌ رائعة، تجري من تحتِها جداولُ المياهِ والأنهارُ العذبة، ومنها ما يجري بالعسلِ واللبنِ وأنواعِ الأشرِبة، وفيها ما لم يرَهُ الإنسانُ وما لم يسمعْ به، مع حياةٍ دائمةٍ هنيئة، لا نَغْصَ فيها ولا انقطاع.
ولهم فيها أزواجٌ مطهَّراتٌ من الأذَى الذي يعتري نساءَ الدنيا، وحورٌ عِينٌ جميلاتٌ محبَّباتٌ إلى النُّفوس، وفوقَ كلِّ ذلكَ رضوانُ الله، فلا سخَطَ عليهم بعدَهُ أبداً.
واللهُ بصيرٌ بأعمالِ عبادهِ ونيّاتِهم وتوجُّهاتِهم في الدنيا، خبيرٌ بميولِهم ونوازعِهم، وهو يعطي كلاًّ بحسبِ ما عملَ واجتهدَ وأخلَص. (الواضح).

16- ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
إننا صدَّقنا بكَ وبنبـيِّك، وما جاءَ به من عندك، فـاسترْ علـينا بعفوِكَ عنها، وتركِكَ عقوبتَنا علـيها، وادفعْ عنا عذابكَ إيّانا بـالنارِ أن تعذِّبَنا بها.
وإنما معنَى ذلك: لا تعذِّبْنا يا ربَّنا بـالنار.
وإنما خصُّوا المسألةَ بأن يقيَهم عذابَ النار، لأن من زُحزِحَ يومئذٍ عن النارِ فقد فـازَ بـالنجاةِ من عذابِ النارِ وحُسنِ مآبه. (الطبري، باختصار).

17- ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَار﴾.
الإنفاقُ معناهُ في سبيلِ اللهِ ومظانِّ الأجر، كالصلةِ للرحمِ وغيرها، ولا يختصُّ هذا الإنفاقُ بالزكاةِ المفروضة. (ابن عطية).

18- ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
يعنـي بالعزيز: الذي لا يمتنعُ عليه شيءٌ أراده، ولا ينتصرُ منه أحدٌ عاقبَهُ أو انتقمَ منه.
الحكيمُ في تدبيره، فلا يدخـلهُ خـلَل. (الطبري).

20- ﴿فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ﴾.
﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾:يعني: وأسلـمَ من اتَّبعني أيضاً وجهَهُ لله معي.
﴿فَإِنْ أَسْلَمُواْ﴾:فإن انقادوا لإفرادِ الوحدانـيةِ لله، وإخلاصِ العبـادةِ والألوهةِ له. (الطبري).
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 45.92 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 45.29 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.37%)]