192- ﴿ فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم ﴾.
أي: غفورٌ لما سلف، رحيمٌ بالعباد. (البغوي).
194- ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾.
﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ في الانتصارِ لأنفسكم، وتركِ الاعتداءِ بما لم يرخصْ لكم فيه، ﴿ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ بالنصرِ والعون. (روح المعاني).
195- ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾.
إنَّ اللهَ يريدُ الخيرَ بالمحسنين. (الواضح).
196- ﴿ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ﴾.
قالَ رحمَهُ الله: "تقدَّمَ الخلافُ في معناها".
وهو موجودٌ في أولِ الآية، كما أوردَ آثارًا في ذلك بآخرها.
199- ﴿ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾.
واستغفِروا اللهَ لذنوبكم، فإنه غفورٌ لها حينئذٍ، تفضُّلاً منه علـيكم، رحيـمٌ بكم. (الطبري).
203- ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾.
﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ فمجازيكم هو بأعمالِكم، المحسنَ منكم بإحسانه، والمسيءَ بإساءته، وموفٍ كلَّ نفسٍ منكم ما عملت، وأنتم لا تُظلَمون. (الطبري).
206- ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ﴾.
أي: إذا وُعِظَ هذا الفاجرُ في مقالهِ وفعاله، وقيل له: اتقِ الله، وانزعْ عن قولِكَ وفعلك، وارجعْ إلى الحق... (ابن كثير).
208- ﴿ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾.
قالَ مطرِّف: أغشُّ عبادِ اللهِ لعبيدِ اللهِ الشيطانُ. (ابن كثير).
210- ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾.
وإلى اللهِ يؤولُ القضاءُ بين خَلقهِ يومَ القيامةِ والحكمُ بينهم في أمورهم التي جرتْ في الدنيا، مِن ظلمِ بعضهم بعضًا، واعتداءِ المعتدي منهم حدودَ الله، وخلافِ أمره، وإحسانِ المحسنِ منهم، وطاعتهِ إيّاهُ فيما أمرَهُ به، فيفصلُ بين المتظالمين، ويجازي أهلَ الإحسانِ بالإحسان، وأهلَ الإساءةِ بما رأى، ويتفضَّلُ على مَن لم يكنْ منهم كافرًا فـيعفو... (الطبري).
213- ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾.
﴿ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ﴾: ليبشِّروهم بالجزاءِ الحسنِ إنْ هم أطاعوا وثَبتوا على الحقّ، وليخوِّفوهم من العقابِ الشديدِ إنْ هم خالَفوا وعصَوا.
﴿ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾: واللهُ يَهدي مَن يشاءُ مِن خَلْقهِ إلى الطريقِ المستقيم، ممَّن يَعلَمُ فيهمُ الرغبةَ في اتِّباعِ الهُدَى وتقبُّلِ الحقّ. وهو الهادي إلى سواءِ السبيل. (الواضح).
214- ﴿ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾.
وإنَّ نصرَ اللهِ قريبٌ ممَّن صبرَ على مُكابدةِ المـَشاقّ، وجاهدَ حقَّ الجهاد، فكانَ أهلاً للنَّصر، وإنَّ مع العُسرِ يُسراً وتوفيقاً، ونَصراً وفرَجاً. (الواضح).
215- ﴿ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾.
قالَ رحمَهُ الله: تقدَّمَ الكلامُ في الأقربين واليتامَى والمساكين وابنِ السبيل. ويعني في الآيةِ (177) من السورة: ﴿ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ ﴾.
وقد قالَ هناك: قدَّمَ ﴿ ذَوِي الْقُرْبَى ﴾ لكونِ دفعِ المالِ إليهم صدقةً وصلةً إذا كانوا فقراء، وهكذا اليتامَى الفقراءُ أولَى بالصدقةِ من الفقراءِ الذين ليسوا بيتامَى، لعدمِ قدرتهم على الكسب. والمسكين: الساكنُ إلى ما في أيدي الناس، لكونهِ لا يجد شيئاً. وابنُ السبيل: المسافرُ المنقطع، وجُعِلَ ابناً للسبيلِ لملازمتهِ له. ا. هـ.
وما تُنفِقوا مِن أموالٍ على هؤلاءِ المـُحتاجين، وما تَفعلوا مِن الطَّاعاتِ والقُرُبات، يَعلَمْها الله، وسيَحفظُها لكم، ويُجازيكم عليها أفضلَ الجزاء. (الواضح).
216- ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾.
﴿ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ ذلك، فبادروا إلى ما يأمركم به؛ لأنه لا يأمركم إلا بما علم فيه خيراً لكم، وانتهوا عمّا نهاكم عنه؛ لأنه لا ينهاكم إلا عمّا هو شرٌّ لكم. (روح المعاني).
217- ﴿ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾.
قال: تقدَّمَ الكلامُ في معنى الخلود. وقد مرَّ بلفظهِ في الآيةِ (39) ولم يفسره، وقالَ في الآيةِ (25): خالدون: يعني لا يموتون.
218- ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
أُولئكَ يطمعونَ أنْ يرحمهم اللهُ فيُدخلهم جنَّتَهُ بفضلِ رحمتهِ إيّاهم، واللهُ ساترُ ذنوبِ عبـادهِ بعفوهِ عنها، متفضِّلٌ علـيهم بـالرحمة. (الطبري).
221- ﴿ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾
فكذلك أبيِّنُ لكم في سائرِ كتابي الذي أنزلتهُ على نبيِّي محمدٍ صلى الله عليه وسلم آياتي وحُجَجي وأوضِّحُها لكم، لتتفكروا في وعدي ووعيدي، وثوابي وعقابي، فتختاروا طاعتي التي تنالون بها ثوابي في الدارِ الآخرة، والفوزَ بنعيمِ الأبد، على القليلِ من اللذَّاتِ واليسيرِ من الشهوات، بركوبِ معصيتي في الدنيا الفانية، التي من ركبَها كان معادهُ إليّ، ومصيرهُ إلى ما لا قِبَلَ له به من عقابي وعذابي (الطبري).
223- ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ ﴾.
قال: مبالغةٌ في التحذير.
وقالَ الآلوسي رحمَهُ الله: ﴿ وَٱعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلَـٰقُوهُ ﴾ بالبعثِ فيجازيكم بأعمالكم، فتزوَّدوا ما ينفعكم. (روح المعاني).
228- ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيم ﴾.
أي: عزيزٌ في انتقامهِ ممن عصاهُ وخالفَ أمره، حكيمٌ في أمرهِ وشرعهِ وقدَره. (ابن كثير).
231- ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾.
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ أي: فيما تأتونَ وما تذَرون، ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾: فلا يخفَى عليه شيءٌ مِن أمورِكم السريَّةِ والجهرية، وسيُجازيكم على ذلك. (ابن كثير).
232- ﴿ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾.
أي: هذا الذي نهيناكم عنه، مِن منعِ الوَلايا أنْ يتزوَّجنَ أزواجهنَّ إذا تراضَوا بينهم بالمعروف، يأتمرُ به ويتَّعظُ به وينفعلُ له ﴿ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ ﴾ أيها الناسُ ﴿ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾ أي: يؤمنُ بشرعِ الله، ويخافُ وعيدَ اللهِ وعذابَهُ في الدارِ الآخرةِ وما فيها من الجزاء (ابن كثير).
233- ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾.
وخافوا اللهَ فـيـما فرضَ لبعضِكم علـى بعضٍ من الحقوق، وفـيما ألزمَ نساءكم لرجالِكم، ورجالَكم لنسائكم، وفـيما أوجبَ علـيكم لأولادكم، فـاحذروهُ أنْ تخالفوهُ فتعتدوا في ذلك، وفي غيرهِ مِن فرائضهِ وحقوقهِ حدودَه، فتستوجبوا بذلكَ عقوبته، واعلموا أن اللهَ بما تعملونَ مِن الأعمالِ أيها الناس، سرِّها وعلانـيتِها، وخفـيِّها وظاهرها، وخيرِها وشرِّها، بصيرٌ، يراهُ ويعلـَمه، فلا يخفَى علـيه شيء، ولا يغيبُ عنه منه شيء، فهو يُحصي ذلكَ كلَّهُ علـيكم، حتى يجازيَكم بخيرِ ذلكَ وشرِّه. (الطبري).
234- ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾.
﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾: واللهُ بما تعملونَ أيها الأولـياء، في أمرِ مَن أنتـم وليُّهُ مِن نسائكم، مِن عضلِهنَّ وإنكاحِهنّ ممَّن أردنَ نكاحَهُ بـالمعروف، ولغيرِ ذلكَ مِن أموركم وأمورهم، خبـير، يعني ذو خبرةٍ وعلـم، لا يخفَى علـيه منهُ شيء. (الطبري).
235- ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾.
يعني أنه ذو سترٍ لذنوبِ عبـادهِ وتغطيةٍ علـيها، فـيما تكنُّه نفوسُ الرجال، مِن خِطبةِ الـمعتدَّات وذكرهم إيّاهنَّ في حالِ عِدَدِهنّ، وفي غيرِ ذلكَ مِن خطاياهم... (الطبري).
236- ﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ﴾.
المرادُ بالمحسنين مَن شأنُهم الإحسانُ، أو الذين يُحسنونَ إلى أنفسِهم، بالمسارعةِ إلى الامتثال، أو إلى المطلَّقاتِ بالتمتيع (روح المعاني).
237- ﴿ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾.
وأنْ تعفوا أيها الناسُ بعضُكم عمّا وجبَ له قِبَلَ صاحبهِ من الصَّداقِ قَبلَ الافتراقِ عند الطلاق، أقربُ له إلى تقوَى الله. (الطبري).
240- ﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾.
أي: واللهُ عزيزٌ في انتقامهِ ممَّن خالفَ أمرَهُ ونهيه، وتعدَّى حدودَهُ مِن الرجالِ والنساء... (الطبري).
241- ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِين ﴾.
تفسيرُ الآية: وتُعطَى المطلَّقاتُ حقَّهُنَّ من المتعة، يعني من المال، كلٌّ بما يقدرُ عليهِ ممّا يوافقُ حالَهُ وكرمَهُ ومعاليَ أخلاقه، لتبقَى الأخوَّةُ الإسلاميَّةُ قائمة، ولئلّا تنقلبَ الأمورُ إلى عداوةٍ وبغضاء. وهو ما يعرفهُ الذين يخشَون ربَّهم فيما يأتون وما يذَرون. (الواضح).
243- ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴾.
فلم يشكروا نعمتَهُ في جميعِ هذا، بل استبدُّوا، وظنوا أن حولَهم وسعيَهم يُنجيهم. وهذه الآيةُ تحذيرٌ لسائرِ الناسِ من مثلِ هذا الفعل، أي: فيجبُ أن يشكرَ الناسُ فضلَ الله في إيجادهِ لهم، ورزقهِ إياهم، وهدايتهِ بالأوامرِ والنواهي، فيكونُ منهم الجريُ إلى امتثالها، لا طلبُ الخروجِ عنها. وتخصيصهُ تعالى الأكثرَ دلالةً على الأقلِّ الشاكر. (ابن عطية).
244- ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾.
يعني تعالى ذكره بذلك: ﴿ وَقَاتِلُواْ ﴾ أيها المؤمنون ﴿ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ يعني في دينهِ الذي هداكم له، لا في طاعةِ الشيطان، أعداءِ دينِكم، الصادِّين عن سبيلِ ربِّكم، ولا تجبنوا عن لقائهم، ولا تقعدوا عن حربهم، فإن بيدي حياتُكم وموتُكم، ولا يمنعنَّ أحدَكم من لقائهم وقتالهم حذرُ الموتِ وخوفُ المنيَّةِ على نفسهِ بقتالهم. ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾: واعلموا أن اللهَ سميعٌ لقولهم، وعليمٌ بهم وبغيرهم، وبما هم عليه مقيمونَ مِن الإيمانِ والكفر، والطاعةِ والمعصية، محيطٌ بذلكَ كلِّه، حتى أجازيَ كلاًّ بعمله، إنْ خيرًا فخيرًا، وإنْ شرًّا فشرًّا. (الطبري، باختصار).
246- ﴿ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِين ﴾.
﴿ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ ﴾: وأيُّ شيءٍ يمنعُنا أن نقاتلَ في سبيلِ الله عدوَّنا وعدوَّ الله؟
﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ ﴾ يقول: فلمّا فُرِضَ عليهم قتالُ عدوِّهم والجهادُ في سبيله.
﴿ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِين ﴾: والله ذو علمٍ بمن ظلمَ منهم نفسَه، فأخلفَ اللهَ ما وعدَهُ من نفسه، وخالفَ أمرَ ربِّه فيما سألَهُ ابتداءً أن يوجبَهُ عليه. (الطبري).
248- ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين ﴾.
ويَحمِلُ هذا التابوتَ ملائكةُ اللهِ وتَضعهُ عندَ طالوت.
وفي ذلكَ آيةٌ عظيمةٌ لكم وعبرة، تدلُّ على مُلكهِ عليكم، إنْ كنتم مصدِّقين بذلك. (الواضح).
249- ﴿ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِين ﴾.
قالوا: لا قدرةَ لنا على محاربتِهم؛ لكثرتِهم، فقالَ لهم علماؤهم والخُلَّصُ منهم، المؤمنون بلقاءِ اللهِ وحُسنِ ثوابِه: إنَّ جماعةً قليلةً، مؤمنةً في عقيدتِها وعزمِها وتوكُّلِها، تستمدُّ قوَّتَها من اللهِ ووعدهِ بالنَّصرِ والجزاءِ، ستَغلِبُ فئةً كبيرةً عدوَّةً لا تعتمدُ سِوى على قوَّتِها الظاهرة، بإذنِ اللهِ وتيسيرِه، فلا تُغني كثرتُهم مع خِذلانِ اللهِ لهم، ولا تَضرُّ قلَّةُ الفئةِ المؤمنةِ مع تأييدهِ ونصرهِ لهم، وإنَّ اللهَ سيثبِّتُ الفئةَ الصابرةَ ويَنصُرها، ويُمِدُّها بالمعونةِ والتوفيق، فتقدَّموا ولا تتوانَوا.
والمؤمنون مختلفونَ في قوَّةِ اليقينِ وقوَّةِ الإرادة. (الواضح).
250- ﴿ وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا ﴾.
يعنـي أن طالوتَ وأصحابَهُ قالوا: ﴿ رَبَّنا أفْرغْ عَلَـيْنا صَبْراً ﴾ يعني: أنزلْ علـينا صبراً. (الطبري).
﴿ قَالُواْ ﴾ جميعاً بعدَ أن قويتْ قلوبُ الضعفاء، متضرِّعين إلى الله تعالى، متبرِّئين من الحولِ والقوة: ﴿ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا ﴾ أي: صُبَّ ذلك علينا ووفِّقنا له. والمرادُ به حبسُ النفسِ للقتال. (روح المعاني).
251- ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾.
أي: مَنٍّ عليهم، ورحمةٍ بهم، يدفعُ عنهم ببعضهم بعضًا، وله الحكمُ والحكمة، والحجَّةُ على خَلقهِ في جميعِ أفعالهِ وأقواله. (ابن كثير).